حياتك بين سنن البشر

مدونات - البشر
يحدث في حياتنا الجامعية أن نتوجه إلى آخرين سبقونا في التخصص ذاته لسؤالهم عن تجربتهم مع الأساتذة والمواد الدراسية. ومنا من يستنسخ التجربة ذاتها ويكررها مع نفسه بعد سؤاله عن نتائجها، ومنا من يضيف عليها بعض "الرتوش"، ومنا من لا يسعفه تكرار التجربة جبرا، ومنا من يتعمد تجاهل التجارب وهكذا..
 
ينطبق الشيء ذاته مع تجاربنا في اختيار الوظيفة أو الهجرة، وحتى في اختياراتنا الاجتماعية الأخرى كالزواج والإنجاب والتفاصيل الأخرى كالملبس والمسكن. نرتجي من ذلك الوصول إلى ما وصلوا إليه بسننهم وطرقهم حتى نجعلها -ودون أن ندري- سنة للحياة.
  
تأطير مقاييس النجاح

تعالوا إذن لنجزّء المشهد في عملية إسقاط "المفهوم الذهني الجمعي" على السلوك الاجتماعي الشخصي، إن سألتَ مجموعة عشوائية: ما المفهوم الذي يتخاطر إلى ذهنكم لمّا يقال لكم "سنّة الحياة"؟ فسترى أن نسبة لا بأس بها ستجيبك بـ"الزواج" و"الإنجاب"، بل وتصبح هذه السنة البشرية مقياسا للسعادة والنجاح، بل للوجود ذاته في المفهوم الذهني الجمعي ومن غير تفسير.
 

والسؤال هنا:
يعطي الله بكرمه وليس بشرط، ولأنه يعطينا من لدنه لا بما لدينا، وبمقاييسه لا بمقاييسنا، فالعلاقة بين الله والفرد ليست علاقة مقايضة، ولا تقوم على المصلحة بالضرورة

هل حياتي بالضرورة يجب أن تتسق مع "سُنن البشر"، وعليه إن جانبتها قدَرا أو اختيارا فأنا لستُ من السعداء مثلا في هذه الحياة؟ من قال إن الزواج أو الإنجاب -على سبيل المثال والذكر لا الحصر- هما سنّة الحياة، وبالتالي من لم يخترهما أو يقدّرا له فقد أخلّ بوجوديته وعاش نصف حياة؟ هل يضع الله سننه لنحيا بشقاء أو نتشبث بأنصاف حيوات مثلا؟ هل تقتل نفسها تلك الأم قهرا التي لم تُرزق بطفل سواء بإرادتها أو بإرادة الله؟ أو تلك التي لم تتزوج أو توفي زوجها أو طُلقت؟ من أين تُستقى سنن الحياة إن كانت ستوجد لشقاء الإنسان إذا ما أراد أن يقيس حياته عليها؟ وهل كان الله ليُضيّق علينا واسعا؟

 

إنّ الحديث عن التجارب الشخصية الناجحة والمميزة بشكلٍ أقرب للمثالية والتأطير، هو ضربٌ من القداسة والاختزال الأنوي قد يضربُ تجاربَ أخرى خارج الإطار المتحدث به بشخوصه ومتعلقاته. فيلتقي أصحاب التجارب المتشابهة، ويصفقون لبعضهم، ويطمئنون عند سماعهم ذاك الصوت المحفز الذي قد يلهمهم ويطمئنهم أنهم في الطريق الصحيح، فالإنسان يميل إلى من يشبهه بفطرته. ومثال ذلك، أن يقول أحدنا في تلك الأحاديث الداخلية "ممم هو مثلي، تزوج.. أنجب.. يعمل.. ناجح سعيد، إذن خياري في الزواج لم يكن خطأ"، وهكذا.. في حين لو قاس تجربته مع الآخر المختلف عنه -قارئا إياها بالصورة ذاتها من التأطير- سيجد أنه في الطريق الخطأ ويندب حظه أو مساره، أو يصيبه القلق والتوجس من المستقبل.

 

أما ذاك الخارج عن قولبة نفسه في الصورة الذهنية الجمعية لمحيطه سيعلم أن الحياة إرادة وخيارات وأقدار قبل أن تكون سننا بشرية، وأن الرزق أشكال، وأن الشخص الذي رُزق من الخير ظاهره لا يعني أنه ناجحٌ وسعيد، وأن ذاك الذي لم يرزق من ظاهر الخير شقيٌّ تعيس، فالله أكبر من أن يفصّل أرزاقه على السجايا، فيمنح السعيد ويحجب عن الشقي، وكلاهما -السعيد والشقي- وُصِمَا بذلك بتقدير الخلق لا الله.

 

وهبنا الله الحياة ورزقنا فيها سعة من الخيارات والنماذج البشرية كي لا نضيّق واسعا، لا يسعنا فيها إلا أن نسأله هدى وسدادا في السير يعيننا بهما على المضيّ منسجمين مع سننه
وهبنا الله الحياة ورزقنا فيها سعة من الخيارات والنماذج البشرية كي لا نضيّق واسعا، لا يسعنا فيها إلا أن نسأله هدى وسدادا في السير يعيننا بهما على المضيّ منسجمين مع سننه
  
اختزال المفاهيم

يسترعيني حينًا الوقوف عند خطاباتنا الاجتماعية العادية، تلك التعبيرات العفوية البسيطة، التي قد يرددها البشر، وإن سئلوا عنها ما قدموا لك تفسيرا، إلا أنها تعكس جانبا عن المفهوم الذهني الجمعي للحياة والإله والدين، ومن ذلك ترى أحدهم في سياق الإشادة بصاحبه يقول: "والله لولا أنه طيب ومنيح ما رزقه الله بنت الحلال"، ويستشهد بـ"الطيبون للطيبات"، ويقرر من لدنه جازما صيغة قسمة الإله. فهل نفهم من ذلك أن ذاك الذي لم يوفق في خياره أو قدره هو "غير طيب ومنيح"؟! هل خياراتنا وأقدارنا في الحياة وقسمة الله لأرزاقنا أضحت كشركة كلما زادت أرصدتنا لديها أعطتنا أكثر؟! لم لا يتوقف عطاؤه إذن عن كل خلقه على اختلاف دياناتهم؟!

الجواب ببساطة: لأنه حين يعطي يعطي بكرمه وليس بشرط، ولأنه يعطينا من لدنه لا بما لدينا، وبمقاييسه لا بمقاييسنا. فالعلاقة بين الله والفرد ليست علاقة مقايضة، ولا تقوم على المصلحة بالضرورة، أي لتحقيق مطالبنا الدنيوية أو الأخروية أو اجتناب شقاءٍ دنيوي أو أخروي بشكلٍ صرف، وإنما نعبده لأنه هو هو.

 

نقطة التصادم

سنن البشر إذن قد تصبح دستورا اجتماعيا يسير به المجموع دون تفسير، وينعكس على السلوك الاجتماعي بانسيابية لا تصل إلى التصادم إلا بالقدر الذي نتعامل به معها على أساسٍ من القداسة والتقنين والتصنيف؛ من كان عليها فقد نجا ومن تجاوزها قد هلك، فهنا لا بد من إعادة النظر والتصويب.

 

وهبنا الله الحياة ورزقنا فيها سعة من الخيارات والنماذج البشرية كي لا نضيّق واسعا، لا يسعنا فيها إلا أن نسأله هدى وسدادا في السير يعيننا بهما على المضيّ منسجمين مع سننه مستلهمين منها معاني الوجود والسكينة وفق رضاه.