تركيا وتوظيف القوة

blogs الرئيس التركي

إن قيام القوات المسلحة التركية بعمليتها العسكرية الحالية ضد ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية والتي تعدها تركيا امتدادا لحزب العمال الكردستاني التركي يدفعنا للإطلالة على القوة العسكرية التركية ومكوناتها نظرا للاهتمام الكبير الذي نالته العملية التي أطلق عليها اسم غصن الزيتون محليا واقليميا ودوليا.

حيث تحتل القوات المسلحة التركية المرتبة الثامنة عالميا تبعا لعدد الجنود الملتحقين بالخدمة العسكرية الفعلية، كما تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي تبعا لذات المؤشر. وتضم القوات المسلحة التركية تشكيلات برية وجوية وبحرية، وتتوزع القوات البرية التركية ميدانيا ضمن أربعة جيوش، ولكل جيش مقر قيادته الخاصة، ونقطة تمركز ومهمة مناطة به.

توزيع القوات المسلحة التركية

الجيش الأول: ويتمركز في منطقة مرمرة، وينتشر في الشق الأوروبي من تركيا، وتناط به مهمة حماية مضيق البسفور، وممر الدردنيل، وشبه جزيرة كوجاتلي، بالإضافة إلى مدينة إسطنبول كبرى المدن التركية، ويوجد مقر قيادة هذا الجيش فيها.

شكل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002 مرحلة جديدة بالنسبة للجيش التركي، إذ أخذ الحزب على عاتقه مهمة إعادة رسم العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية التي طالما هيمن الجيش عليها

الجيش الثاني: ويتمركز في المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد، وهي مناطق ذات أغلبية كردية، وكثيرا ما كانت مسرحا للصراع بين الجيش وحزب العمال الكردستاني، والمهمة المنوطة بهذا الجيش هي ذات طبيعة دفاعية على الحدود التركية مع كل من العراق وسوريا وإيران، ومقر قيادة هذا الجيش تقع في منطقة مالاطيا.

الجيش الثالث: ويتمركز في المناطق الشمالية الشرقية من البلاد، وقيادته في منطقة أرزينجان، والمهمة المنوطة به حماية الحدود مع كل من أذربيجان وأرمينيا وجورجيا.

الجيش الرابع: وينتشر في منطقة بحر إيجه، ويعرف عند الأتراك بجيش إيجه، وقيادة هذا الجيش في منطقة أزمير، ومهمته مواجهة التهديدات اليونانية، وترتبط القوات التركية المتمركزة في شمال قبرص بالقيادة المركزية لهذا الجيش، الذي أسس مطلع سبعينيات القرن العشرين على إثر تصاعد التوتر بين تركيا واليونان.

حدد الدستور التركي مهمة القوات المسلحة التركية بحماية حدود الدولة التركية وحماية مبادئ الجمهورية، ومنذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 لم يقم الجيش التركي بأي مهمة خارج هذا الإطار، بمعنى أنه لم يشن أي حرب على أي طرف بصورة عدوانية أو توسعية، وقد شكلت التطورات المحلية والإقليمية دافعا للجيش التركي لوضع إستراتيجيات جديدة لمواكبة تلك التطورات.

 

فقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين انهيار قوى عسكرية كبرى على حدود تركيا، وهي الاتحاد السوفييتي السابق، وترتب على هذا الأمر تغير المهمة المنوطة بالجيش التركي من قبل حلف الأطلسي وهي مواجهة الخطر الشيوعي، مما دفع الجيش التركي إلى رسم إستراتيجية جديدة تقوم على المشاركة في مهام خارج الحدود ضمن مظلة الحلف والأمم المتحدة. وعلى الصعيد الداخلي شكل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002 مرحلة جديدة بالنسبة للجيش التركي، إذ أخذ الحزب على عاتقه مهمة إعادة رسم العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية التي طالما هيمن الجيش عليها، وتقوم رؤية الحزب على أن الجيش يجب أن يقوم بدور مهني يرتبط بحماية الحدود بعيدا عن السياسة، وقد نجح الحزب طيلة السنوات العشر الماضية في الحد من تدخل الجيش في الحكم عبر سلسلة من الإصلاحات القانونية والدستورية.

 

وتقوم الإستراتيجية العسكرية التركية على تحقيق جملة من الأهداف حتى عام 2023 وهي السعي لتطوير الصناعات العسكرية بغرض تأمين احتياجات القوات المسلحة ذاتيا، بالإضافة إلى جعل هذه الصناعات رافدا جديدا للاقتصاد التركي، وتقدر موازنة هذا المشروع بحوالي 150 مليار دولار على مدار 30 عاما حتى عام 2023 وتطوير الآليات اللازمة لكبح جماح النزعات الانفصالية التي تصاعدت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي.

والسعي لجعل تركيا مصدرا لإنتاج وتطوير المبادرات والإستراتيجيات التي تساهم في حفظ الاستقرار والسلم في محيطها الإقليمي، والعمل على تركيز عناصر القوة الخشنة والناعمة لتكون نقطة توازن إستراتيجي في محيطها الإقليمي، والسعي لإنشاء قاعدة صناعية دفاعية تحقق الاكتفاء الذاتي في جانب التسليح. ويتوقع جورج فريدمن في كتابه المائة عام القادمة أن تصبح تركيا من بين أقوى أربع دول في العالم بعد الولايات المتحدة بحدود العام 2060، وأن النفوذ التركي سيمتد ليغطي كل الأراضي التي كانت خاضعة للدولة العثمانية.

البيئة الدولية المحيطة بتركيا متدنية التوتر، ولا تشكل عاملا ضاغطا على النظام السياسي التركي، وكذلك فإن الواقع الداخلي فيه درجة معقولة من الاستقرار ولا يضغط هو الآخر على النظام السياسيالبيئة الدولية المحيطة بتركيا متدنية التوتر، ولا تشكل عاملا ضاغطا على النظام السياسي التركي، وكذلك فإن الواقع الداخلي فيه درجة معقولة من الاستقرار ولا يضغط هو الآخر على النظام السياسي
 

وعلى العموم فإن الحكم على قوة دولة معينة بمجرد معرفة ما لديها من عناصر القوة المادية والمعنوية هو حكم غير دقيق، لأن هنالك عنصرا آخر للقوة لا يقل في أهميته عن هذين العنصرين، وهو طريقة توظيف وسائل القوة الناعمة والخشنة، وطريقة هذا التوظيف مرتبطة بمدى العقلانية السياسية للنظام السياسي للدول وتتجلى هذا العقلانية بمدى قدرة النظام السياسي على إحداث حالة من المواءمة بين الأهداف الكبرى والصغرى للدولة مع مراعاة أن هذه الأهداف ترتبط معا في علاقات ذات تأثير متبادل، وتتمثل الأهداف الإستراتيجية الكبرى للدولة عادة بالمحافظة على سيادتها ونظامها السياسي ومواردها الإستراتيجية، أما الأهداف الإستراتيجية الصغرى فتتمثل في طبيعة العلاقات الدولية والإقليمية وصورة الدولة لدى الدول الأخرى.

ولما كانت البيئة الدولية المحيطة بالدولة هي بيئة متحركة بشكل عام تشهد الكثير من التغيرات والتقلبات؛ فإن هذا الوضع يجعل النظام السياسي أمام تحدٍ صعب يتمثل في مدى قدرته على التعامل مع متغيرات البيئة الدولية التي قد تجعله عرضة للاضطراب وربما الانهيار، فإذا أحسن هذا النظام إدارة عوامل القوة المتوفرة لديه، فإنه سيتمكن من تحويل الاضطراب الناجم عن التغيرات الخارجية إلى حالة عارضة يمكنه التغلب عليها وتجاوزها.

قراءة الواقع التركي ضمن إطار التحليل السابق

إن البيئة الدولية المحيطة بتركيا متدنية التوتر، ولا تشكل عاملا ضاغطا على النظام السياسي التركي، وكذلك فإن الواقع الداخلي فيه درجة معقولة من الاستقرار ولا يضغط هو الآخر على النظام السياسي.

وإن التغير الداخلي يبدو منسجما بدرجة كبيرة مع التغير الخارجي ويستدل على ذلك بحجم الإصلاحات القانونية والدستورية التي شهدتها تركيا في غضون السنوات العشر الماضية وإن القدرة على التكيف مع إيقاعات التغيرات الداخلية والخارجية في تركيا تتفوق على قدرات بقية دول الإقليم التي تنافسها على موقع الدولة المركز.

البيئة الدولية لتركيا مستقرة بشكل عام رغم نشاط الأكراد ضدها انطلاقا من شمال العراق، ورغم حالة عدم الاستقرار في القوقاز، واندلاع الثورة السورية وتدفق اللاجئين إلى الأراضي التركيةالبيئة الدولية لتركيا مستقرة بشكل عام رغم نشاط الأكراد ضدها انطلاقا من شمال العراق، ورغم حالة عدم الاستقرار في القوقاز، واندلاع الثورة السورية وتدفق اللاجئين إلى الأراضي التركية
 
تركيا والدول المتنافسة على المكانة الإقليمية

وبالنظر إلى الدول المتنافسة على المكانة الإقليمية في الشرق الأوسط مجتمعة وهي تركيا، إيران، مصر، السعودية، إسرائيل نجد عددا من الاختلافات بينها في جوانب هامة هي:

إن البيئة الدولية لتركيا مستقرة بشكل عام رغم نشاط الأكراد ضدها انطلاقا من شمال العراق، ورغم حالة عدم الاستقرار في القوقاز، واندلاع الثورة السورية وتدفق اللاجئين إلى الأراضي التركية، وبخصوص البيئة الإقليمية لمصر والسعودية فإنها أقل توترا من البيئة الإقليمية لكل من إسرائيل وإيران.

كما أن التأثير المتبادل والمباشر بين تركيا والسعودية وإيران هو تأثير كبير وواضح بحكم التجاور الجغرافي والمصالح المتشابكة، وإن قدرة إسرائيل على الاندماج في البيئة الإقليمية المحيطة بها في المدى المنظور غير قابلة للتحقيق حتى نهاية فترة الدراسة عام 2020 .

وخلاصة المسألة أن التنافس على الدولة المركز ينحصر حاليا بين تركيا وإيران على لعب دور الدولة المركز، وإذا أخذنا بعين الاعتبار إيقاع التغيرات الداخلية والخارجية والعوامل التاريخية والثقافية وظروف البيئتين الدولية والإقليمية، سنجد أن الكفة تميل لصالح تركيا.