شعار قسم مدونات

اختبار إجباري.. أين العدل في أبدية العذاب؟

blogs - people

شريف[1]: يمكنني أن أتفهم أن الشر المكتسب الذي نفعله ببعضنا البعض هو نتيجة حتمية لكوننا كائنات مُخَيَرة، وأن الله لو تدخل ومنعنا؛ لأصبحنا مسيرين مثل الجمادات. ولكن: ماذا عن الشر -الناتج عن الخلل والفساد- الذي نراه في الطبيعة، في كل مكان، ولا دخل للإنسان فيه مثل الأمراض والكوارث الطبيعية؟

   

علي: ولكن الطبيعة غير فاسدة؛ فالفاسد هو الذي لا يعمل ولا يحقق الغرض منه. أمّا ما نراه يوميا هو استقرار الطبيعة وملاءمتُها لعَيشنا، والاستثناء هو اضطراباتها المؤقتة. فالقاعدة هي الصحة، والمرض هو استثناء مؤقت. والقاعدة هي استقرار الأرض، وأما الكوارث الطبيعية فهي استثناءات مؤقتة. وحتى الملحدين لا يسألون الطبيعة التي يؤمنون بها كبديل لله؛ لماذا يحدث كل خلل مؤقت؟ بل يثقون بشكل عام أن الطبيعة متوازنة وإن أَفْنت جنسا- فقد يكون موعد ميلاد جنس أخر. وإن شقتِ البحرَ بالبراكين، فقد يكون موعد ميلاد جزيرة جديدة ستعيش عليها لاحقا أممٌ من المخلوقات.

    

ونحن أيضا كمؤمنين لا نسأل الله عن سبب هذه الاستثناءات كشرط للموافقة على أفعاله؛ بل نؤمن أن لكل شيء حكمة، إما لحكمة الابتلاء أو لحكمة أخرى يعلمها الله. وأنه هو المرجعية، لا يُسأل عمّا يفعل، أما سواه فيُسأَل. لذا، فكل ما يقدره -خارجا عن إرادتنا- هو خير، أما ما يمكن أن يكون شرا حقا؛ فهو الذي نفعله ببعضنا البعض.

    

شريف: لكن الحياة، بشرورها، لا يمكن أن تكون مخلوقة من خالق عادل، حتى إذا جادلتَ بأن الشر قد يكون وراءه خيرٌ غير مباشر أو أنه اختبار كما يدعي المؤمنون[2]؛ إذ ليس من العدل أن أُجبَر على المعاناة بدون اختياري.

     

الطالب الذي يدخل امتحانا فإنه يختار ذلك طمعا فيما يحققه بعد نجاحه فيه، لكنني لم أختر أن أدخل هذا الاختبار القاسي! الملحدون فقط هم الذين يؤمنون أن الطبيعة أتت بهم رغما عنهم، أما الإسلام فيدّعي أنك أنت من اخترت

علي: أتفق معك أن إحساسك بالإجبار قد يبدو ظُلما.. ولكن هل تعتبر كل ما أُجبِرت عليه ظلما؟ فأنت بالفعل تقبل الإجبار ولا تجد فيه غضاضة مع غير الله؛ فهل اخترت القانون الذي قد يسجنك على فعل قد لا يسجنك عليه قانون بلاد أخرى؟ هل سَميت بلادك ظالمة لأنها طبقت عليك قانونا اختاره لك مجلس الشعب قبل أن تولَد لأسباب قد تُثبت الأيام أنها غير وجيهة؟ لا أظنك تفعل! بل تشعر أنه أمر طبيعي، فما الفرق؟

     

 إن من حق مصممي أي نظام (قانوني، سياسي، اجتماعي، لائحة العمل في شركة، مدرسة.. إلخ) أن يضعوا النظام الذي يرونه أكثر كفاءة وفائدة، رغم أنه سيُطَبَق على أجيال لم تحضر تصميم النظام. وبالرغم من أن هذه الأنظمة قابلة للتغيير (على عكس قوانين الله عز وجل)، إلا أن المرحلة الانتقالية -إلى أن يدرك البعض قصور النظام ثم يحشدون لتغييره- هي مرحلة طويلة سيظل القانون يطبق فيها على ملايين من المواطنين خلالها، فسلطة المصمم هي حق لا يمكن دحضه، حتى وإن لم تكن أبدية.

     

وبالمثل، هل اخترت مكانك ولونك وطبقتك الاجتماعية؟ لا، بل أُجبِرت عليها! برغم أن لكل منها تبعاتها الكبيرة، والتي قد تجعلك تجد مشقة بقية حياتك. كل هذه الاختيارات كان بإمكان والدك أن يعفيك منها، فهل تظن أن أباك ظالم لأنه أجبرك على  اختيارات مثل إتيانه بك في أسرته وإيراثك عِرقه وبلده ومستواه المادي والاجتماعي؟ لا أظنك تفعل؛ فأبوك أيضا فُرِضَت عليه ظروفه ثم سار أبلغ ما سارت به هِمته وهو يعلم أن دوره لم ولن يكون إعادة تصميم جسمه وبلده وكونه؛ وإنما ينحصر في شحذ الهمة لبلوغ أمثل ما تُخرِجه معطياته، وبدهيا؛ هو يعلم أنه من الحماقة  تخيل عالم لم يكن، أو أن يتخيل أن الدنيا مدينة له بأن تضعه ابتداء في أكثر الأماكن رفاهية؛ بل الدنيا مدينة له بأن تكافِئَه على أفعاله هو فقط. ولهذا، فإن والدك نفسه، حين قرر تأسيس أسرتكم، لم يطغَ، وأنت ستأخذ القرار نفسه مع أسرتك، أو قد تؤسس شركة وتضع نظامها الذي سيظل يُطَبَق على موظفين لم ترهم بعد، وأنت أيضا قد تشارك في التصويت على تعديل قانون سيؤثر على أجيال لم تولد بعد، ثم إنك  ترى أن هذا أمر عادل، وأنه من حقك، بصفتك أحد مصممي النظام، فلماذا تستنكر هذا الحق على الخالق الذي صمم الكون والحياة؟ أليس من حقه أن يصمم الكون كما يريد، تماشيا مع حكمته وعدله ورحمته، وليس كما تتمنّى؟ خصوصا أنه ضَمن لك وقطع على نفسه ألا يظلمك في أفعالك وألا يبخسك أجرك، لماذا تستثني الخالق دونا عن بقية المصممين من حقه في خَلقِه؟ ما الفرق؟

   

شريف: بل هناك فَرق، فالمؤمنون يدعون أن الخالق -خلافا لبقية المصممين- مطلق العدل والقدرة، فلماذا لم يستخدم قدرته تلك لخلق عالم بلا مشاكل؟

   

علي: هذه ستصبح جنة مثالية لا شقاء فيها ولا فتنة تضطر الإنسان أن يخرج مكنونه، بينما قدر الله أن تكون الدنيا دار ابتلاء "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" [البقرة:155]. ثم كيف تبرر للمعترِف بقصور علمه عمّا داخل جسمه أو عمّا يقبع بضع مئات من الأمتار تحت قدمه في باطن الأرض، أو عن الطريقة المثلى لإدارة حياته العائلية أو إدارة بلدته الصغيرة في كوكب صغير في مجرة من مليارات المجرات، أن يُعَدّل ويتطاول على تصميم الخالق الذي لا نحيط بشيء من علمه أو حكمته، وينكر عليه حقه في اختيار التصميم الأمثل الذي يحقق ما أراده من خلق الدنيا، ويريد أن يفرض عليه ما يحقق لنا نحن أفضل فائدة ورفاهية؟!

   

علي: ولماذا يُجبِرني على هذه الدنيا، لماذا يُجبِرني أن أخوض امتحانا لم أختره ولا أريده بخيره وشره، إن الطالب الذي يدخل امتحانا فإنه يختار ذلك طمعا فيما يحققه بعد نجاحه فيه، لكنني لم أختر أن أدخل هذا الاختبار القاسي! الملحدون فقط هم الذين يؤمنون أن الطبيعة أتت بهم رغما عنهم، أما الإسلام فعلى العكس؛ إذ يدّعي أنك أنت من اخترت.

شريف: ولكن أنا لم يسألني أحد.

        

رسوبك في الامتحان لن يكون بسبب أن اجتهادك لم يصب عين الحقيقة5؛ وإنما بسبب إنكارك للمنهج، أو إنكارك للممتحن نفسه وأحقيته في وضع الأسئلة
رسوبك في الامتحان لن يكون بسبب أن اجتهادك لم يصب عين الحقيقة5؛ وإنما بسبب إنكارك للمنهج، أو إنكارك للممتحن نفسه وأحقيته في وضع الأسئلة
    

علي: وكيف عرفت أن لم يتم سؤالك؟ هل تتذكر حياتك قبل ميلادك؟ لو افترضنا عدم وجود إله؛ إذًا، فليس هناك من يجبرك أو يظلمك. ولكن إذا افترضنا وجوده، فإن الأمر المنطقي الوحيد هو أنه خيرك! أليس ما تسنتجه بالضرورة أن الإله -في حال سلمت بوجوده- فهو بالضرورة عادل؟ فهو لن يستفيد شيئا بظلم أحد مخلوقاته، كما لا يستفيد المهندس -مثلا- أن يظلم أحد مكونات المبنى ويجعله معيبا عن قصد. وكذلك، فإن الله لن يجبر الإنسان دونا عن بقية الكائنات[3] أن يتعرض للاختبار. القرآن لم يأتِ بأسطورة غير منطقية؛ بل أتي يؤكد ما تستنتجه عقليا، حاكيا  لك عن الموقف الذي اخترتَ فيه الخضوع للاختيار بين الإيمان أو الكفر وأشهدك على وضوح ربوبيته وغرسها في فطرتك[4]، وفي المقابل، تحملت مسؤولية العمل للنجاح في الاختبار لتصبح في أحسن تقويم، وتحملت مخاطرة أن تكون في أسفل سافلين، إن كفرت.

   

شريف: ولماذا لا نتذكر ذلك؟ ألم يكن هذا سيحل كل المشاكل فيصبح كل الناس مؤمنين بلا عناء؟

   

علي: لهذا السبب تحديدا لا يُعقَل أن نتذكر؛ فإن الاختبار يصبح بلا معنى إن أُعطيت الإجابة لتنقلها، خصوصا أن الاختبار ليس هدفه أن تحل الامتحان كله بشكل صحيح؛ ولكن أن تجتهد في الإجابة لأقصى قدر طبقا للمعطيات التي توافرت لديك، ومتى ترجح لك الحق اتبعته. ورسوبك في الامتحان لن يكون بسبب أن اجتهادك لم يصب عين الحقيقة5؛ وإنما بسبب إنكارك للمنهج، أو إنكارك للممتحن نفسه وأحقيته في وضع الأسئلة، أو مجادلتك في سبب وضع كل سؤال، أو اقتصارك على حل ما يروق لك، أو استهتارك بوقت الإمتحان وانشغالك عنه باللهو. " قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ" – الأنعام 33

   

شريف: ألم يكن الله قادراً على اختبارنا بدون أن يخلق الدنيا؟ ما الفائدة التي تعود عليه أو علينا من وجودنا في الدنيا؟

   

علي: إن تقييم الأمور بالفائدة التي يستطيع بعضنا استنتاجها هو معيار فاسد، لأن المرجعية ليست للمصلحة بل لله الخالق بصفته مصمم النظام، كما أننا عمليا إن أردنا تقييم تصرف الخالق، سيتطلب الحكم على وجاهة خلق الدنيا أن نمتلك معرفة تامة بكل عناصرها وبدائلها، وهو مالا يتوفر لدينا. والأهم أننا نثق في عدل الله وحكمته -عز وجل- كما يثق الابن في الأم حين تعطيه دواء قد يكون مرا، وقد لا يوجد لديه مبرر ليقبل هذه المرارة؛ ولكنه يثق أن الأم رحيمة به، ولن تعطيه إلا الأفضل حتى وإن كان ظاهره مر، فلا يحتاج أن يسألها عن كل شئ تفعله.

   

ومع ذلك، فهنالك محاولات لطيفة لبعض علماء المسلمين في معرفة العلة من الخلق، مثل أن الله خلقنا ليتفضل علينا بأسمائه وصفاته؛ فهو مثلا غفور من قبل أن يخلق خلقا يخطئون فيستغفرون فيغفر لهم[5]، ومثل أن الله أراد أن يُعبدَ جبرا واختيارا، فكان من كمال صنعه، أن يخلق مخلوقات تستطيع أن تختار بين الخير والشر، بين أن تعرفه وتُحِبَّهُ أو أن تُعرِض عنه وتنكره، فتختار بكامل إرادتها أن تأتيه.

      

جوهر الإيمان هو العملية الدائمة لتعقب هدي الله وتفضيله على أي شئ آخر، وجوهر الكفر هو الكبر وإعطاء أولوية لما تهوى ثم منطقته وجعله هو الدين
جوهر الإيمان هو العملية الدائمة لتعقب هدي الله وتفضيله على أي شئ آخر، وجوهر الكفر هو الكبر وإعطاء أولوية لما تهوى ثم منطقته وجعله هو الدين
      

شريف: وما قولك فيمن صادف أن جاءت لحظة موته على الكفر ولم يتب بعد؛ لماذا يدخل النار خالدا فيها؟ لماذا يحاسبهم الله على سوء اختيارهم بهذا الشكل؟ هل ترى في ذلك أي خير لأحد؟

   

علي: اختصارا؛ فإن خواتيم الأعمال ماهي إلا كاشفة عما كان يتصارع في نفس الإنسان، وما (غلب) عليه في ذروة الرحلة وتمامها؛ فجرم الضلال العقائدي ليس مجرد اختيار خاطئ للإجابة في لحظة عشوائية تَصادَف موتك عليها، فالخسران ليس في كيف تصادف أن يموت الإنسان؛ بل في كيف يعيش، ومدى بحثه عن الحق وإلزام نفسه به. فإبراهيم -عليه السلام- لو مات وهو لا يزال مستنكرا كيف للقمر أن يكون إلها؛ سيُبعَث متعبدا باحثا عن الحق[6]. إذًا، فجوهر الإيمان هو تلك العملية الدائمة لتعقب هدي الله -عز وجل- وتفضيله على أي شئ آخر. وجوهر الكفر هو الكبر وإعطاء أولوية لما تهوى ثم منطقته وجعله هو الدين. ومن نجا فلا مصادفة أنه مات على الإيمان؛ بل لأنه عاش على الإيمان، وتسامى روحيا وأخلاقيا، حتى أصبح في أحسن تقويم، وهو حال يستدعي الجنة. ومن كفر، فقد انحط لما دون الحيوان -فالحيوان غير متكبر ولا يجادل في أوامر الله -عز وجل- وبالتالي اكتسب مكانه في النار اكتسابا لأنه اختار أن يصبح خلقا آخر، "بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" البقرة (٨١).  فما تفعله في الدنيا من إيمان وكفر يغيرك ويكسبك حالا جديدة.

   

 مثلا؛ فقد تجد طالبَين في الهندسة، أحدهما عرف دوره ومهمته فانكب على العلم والتحصيل ونجح، فتحول من حال طالب الثانوي إلى حال المهندس بعد عدة سنوات من الجهد. وباكتسابه هذا الحال الجديد كان من الطبيعي أن يُعَيّن في وظيفة مهندس، لا شفقة عليه، ولكن لأنه أصبح مهندسا بالفعل، وبالتالي سيكسب دخل المهندس ومكانته الاجتماعية بما قدمت يداه. وتجد الآخر لم يهتم بمهمته وقضى وقته لاهيا أو منشغلا بالاستمتاع بسنين الكلية ومفاتن فترة الشباب، بل وقد تجده مكابرا فإن طالبته أن يعطي أولوية للدراسة؛ قد يبرر بأن هذه المادة تافهة لا تستحق وقته، وتلك المادة نظرية لن يستفيد منها؛ كأنما خلع عن نفسه رداء الطالب، وارتدى رداء الأستاذ الذي يريد أن يعيد تصميم الكلية كما تقول له نظرته القاصرة وخبرته المحدودة. وبرسوب مثل هذا الطالب في الجامعة، فنحن لا نعاقبه ولكنه هو اكتسب هذا بنفسه، وكونه يضطر أن يعمل عملا بسيطا ويظل قليل الدخل لبقية حياته؛ فهذه ليست قسوة من الجامعة، بل جريمة هو ارتكبها في حق نفسه، وحوّل نفسه من طالب إلى عامل بسيط، بدلا من أن يكونَ مهندسا كما كان ينبغي له أن يكون.

   

وكذلك فالكافر يقضي عمره يستهين بجريمة كفره، وفداحة أن يستكبر على أوامر الخالق، ويحاكمه بمعرفته الضئيلة؛ "لمَ خلق ذاك ولم يخلق تلك؟" حتى يكتَسِب حال أصحاب النار، ولو كان قد قدر الله حق قدره سواء لإيمانه بجلاله واستحقاقه للعبادة أو طمعا في رحمته وخوفا من غضبه؛ لكان اكتَسَب حال أهل الجنة وبالتالي مكانة أخرى يرضاها ويسعد بها للأبد، حتى وإن قصّر وأخطأ. "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)" سورة الشمس

 ___________________________________________________________

   

[1] الحوار بين شريف وعلي متخيل كأسلوب سردي، وغير مقصود منه أنه مناظرة، بل سرد الأسئلة الشائعة في الأمر والرد عليها.

[2]  برجاء مراجعة المقال السابق: "إله شرير.. أم غير موجود؟" على مدونات الجزيرة.

[3] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) سورة الأحزاب – ٧٢

[4] (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) الأعراف – ١٧٢

[5]  عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم) رواه مسلم.

[6] يوجد خلاف حول ما إذا كان استدلال إبراهيم -عليه السلام- على الله من قبيل البحث الحقيقي أم من قبيل المحاجة للتدرج في إقناع قومه. وفي كل الأحوال فالأمر ينطبق على أي من الباحثين عن الحق الذين ماتوا قبل ان يصلوا اليه مثل قصة قاتل المائة نفس.

كذلك فابن قيم الجوزية له تفصيل رائع في هذا عن العذر بالجهل في كتابه طريق الهجرتين حيث قال:"لا بد في هذا المقام مِن تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بيْن مقلدٍ تمكَّن مِن العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلدٍ لم يتمكن مِن ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود؛ فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن مِن العلم بوجه؛ فهم قسمان أيضا: أحدهما: مريد للهدى، مؤثر له، محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه؛ لعدم مَن يرشده؛ فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومَن لم تبلغه الدعوة. والثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه؛ فالأول يقول: يا رب لو أعلم لكَ دينا خيرا مما أنا عليه لدنتُ به وتركتُ ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره؛ فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني راضٍ بما هو عليه لا يؤثِر غيره عليه، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز؛ وهذا لا يجب أن يُلحق بالأول؛ لما بينهما مِن الفرق. فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزا وجهلا. والثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بيْن عجز الطالب وعجز المعرض؛ فتأمل هذا الموضع". لمزيد من النقاش برجاء مراجعة طريق الهجرتين في الطبقة السابعة عشر (طبقة المقلدين) صفحة ٨٩٦ من طبعة دار الفوائد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.