الكياسة في تسخير الساسة للسياسة

مدونات - مصر
"فقدت مصرنا الحبيبة اليوم خمسة و عشرين قتيلا و مائة و سبعين مصابا في ذلك الانفجار الإرهابي الغاشم صباح اليوم بسيناء الجريحة"
"الرئيس يفتتح قناة السويس الجديدة في السادس من أغسطس بحضور أهم الشخصيات العالمية والمحلية"
"اغتيال النائب العام هشام بركات بجانب محل إقامته عن طريق بعض الإرهابيين"
"الاعتداء على المستشار هشام جنينه المكافح الأول للفساد خلال عودته من المحكمة للطعن على قرار إقالته"
"البورصة تحقق ارتفاعا مؤقتا بعد خسارة لستة أشهر متتابعة"
     
لا يوجد أدنى علاقة بين الأخبار السابقة إلا أنها تكررت في النشرات الإخبارية العاجلة باختلاف الأرقام والأماكن ومسببات الحدث. اختلجت مشاعرنا فلم نعد ندرك حقا إذا ما أفقدتنا كثرة الاستماع لمثل هذه الأخبار القدرة على الإحساس أم أنه حاجز من الجليد سيذوب بمرور الوقت.
    
لا شك أن الإحساس الوطني لدى أغلبية الشعب المصري قد سجل انخفاضا متسارعا خلال السنوات القلائل الماضية، يمكننا قياس ذلك عن طريق الاستبيان حول رغبة الأحباب والأصدقاء بالهجرة، أما البعض الآخر فإنه يحاول الحفاظ على ما تبقى من وطنيته، يرجع ذلك إما لتدني مصر على المستوى الاقتصادي أو للظواهر البيروقراطية المصاحبة لذلك التدني ولكني لا أهدف في ذلك المقال إلى مناقشة الحس الوطني المصري أو حتى إلى كيفية إثراء مثل ذلك الحس الوطني.
  
خلال قرائتك لهذه السطور أريدك أن تتذكر شعورك خلال استماعك للأخبار السابقة لأول مرة؛ الحزن؟ الغضب؟ الفرح؟ مزيج بين هذا وذاك؟ بماذا قمت بالتعليق على الحدث؟ أيدته أو عارضته أو اكتفيت بالصمت وتجاهلته؟ قمت بمشاركة منشور ذي لهجة حادة يهاجم الإرهاب ويلقي بالاتهام على تهاون الحكومة أو الإخوان أو حتى على العملاء الأميركان والأصابع الخارجية؟
       

من الطبيعي جدا أن تدافع عن رؤيتك السياسية وموقفك السياسي، ولكن لابد أن تتأكد أولا من صحة الهجوم لكي يصح الدفاع
من الطبيعي جدا أن تدافع عن رؤيتك السياسية وموقفك السياسي، ولكن لابد أن تتأكد أولا من صحة الهجوم لكي يصح الدفاع
     

قد يحزن أحمد ومحمد على مقتل صديقهم المسيحي في هذا التفجير أو ذاك، ولكن أحمد معارض للسلطة يحمل الحكومة تهمة التواطؤ مع الإرهاب ويتهكم على خطابات السيسي التي وعد فيها بالقضاء على الإرهاب أو حتى أعلن فيها نهايته. أما محمد فهو سيساوي أصيل يهاجم الإخوان ويلقي باللوم كله عليهم في وفاة صديقهم البريء. المشترك بين أحمد ومحمد أن كليهما حزين وأن لكل منهما موقفا سياسيا واضحا ولكن مشكلتهما الوحيدة هي تسخير الأحداث السياسية لخدمة رؤيتهما بعيدا عن حيثيات الموقف نفسه.

        

زووم أوت     
قبل الحدث الإرهابي بـ24، ساعة اجتمع الإرهابي في إحدى المناطق المهجورة مع رئيسه الإرهابي الكبير الذي يرسل صبيته إلى الجنة بينما يفضل هو البقاء في الدنيا الجميلة، سب الشيخ ولعن المسيحيين وهاجم الإخوان المتسيبين الذين تمسكو بالسلمية ثم سب القوات المسلحة والرئيس السيسي وبشر الصبي الأهطل بالجنة إذا فجر هذه الكنيسة بإيمان كامل وانطلق بعدما ربت على كتف المعتوه. قد يكون مسبب الحدث بعيدا كل البعد عن السياسة، قد تكون أهدافه غير متعلقة إطلاقا بالسيسي أو بالإخوان، قد لا يهدف إلى زعزعة السلطة من خلال الإرهاب وقد لا يهدف إلى إبقاء السلطة في موضعها لكي تستمر في محاربة الإرهاب، ولكننا نحن من نسخر الأحداث لخدمة رؤيتنا ومواقفنا. نحن من ندعي العلم الكامل والمعرفة الكلية بكافة تفاصيل الأحداث السياسية ولكن في واقع الأمر أغلبية متابعي السياسة لا يرون ما يحدث أسفل الموائد ولأجل ذلك لا يمكنهم إلا التكهن والتخمين.

  
من الطبيعي جدا أن تدافع عن رؤيتك السياسية وموقفك السياسي، ولكن لابد أن تتأكد أولا من صحة الهجوم لكي يصح الدفاع. لو عندك ما يثبت تفاهة مشروع قناة السويس وكونه مصدرا لتضييع الأموال فلا مانع إطلاقا من مهاجمتها، ولكن إذا صرت تبني تحليلاتك السياسية بناء على موقك الثابت الذي لا يتغير؛ فسوف تقع في تلك الخطيئة.