logo

متى يجلسون للتفاوض؟

أعلم أن ثمة إرهابيين في سيناء، بل في قلب المدن المصرية أيضا. التفجيرات التي تضرب الكنائس وكمائن الشرطة والجيش ويسقط فيها أبرياء من المدنيين والجنود.. هذه التفجيرات لا ينفذها جن بل بشر يعيشون بيننا. لا أظن أنني بحاجة إلى التأكيد على أن الاعتراف بالأداء القمعي لأجهزة الأمن، لا يبرر قتل مواطن ينتمي لهذه الأجهزة، لأن الانتماء إليها لا يستوجب القتل أبدا. من حقنا أن نطالب بمحاكمات لكل المتورطين في انتهاك حقوق الإنسان المصري من أفراد الشرطة والجيش، دون أن نعتبر ذلك يبيح قتل أي فرد منهم.

 

انتهاك حق إنسان بسبب هويته جريمة. تعذيب مواطن وسجنه أو تصفيته لمجرد أنه يرى أن الرئيس الشرعي هو محمد مرسي جريمة لا تسقط بالتقادم. كذلك قتل إنسان لأنه موظف في وزارة الداخلية أو مجند في الجيش هو جريمة قتل وحشي لا تُغتفر أيضا. الضباط المتهمون بالقتل أو التعذيب يجب أن يُحاكموا بصرامة، وكما يحدد القانون. 

 

بعد هذه المقدمة أعود إلى ما بدأت به. ثمة إرهابيون قتلة يقتلون الناس بلا ذنب، يجب أن تواجه الدولة هؤلاء القتلة. ورغم مرور خمس سنوات من الاستماع الإجباري إلى أغاني الحرب على الإرهاب، والدعوة الملحفة إلى الاصطفاف حتى ما لا نهاية وراء الدولة، وإلى عدم مساءلة الأجهزة الأمنية عن انتهاكات مروعة بحق مواطنين عزّل بسبب معارضتهم للنظام الحاكم.. كل ذلك تحت غطاء محاربة الإرهاب الذي يفاجئنا يوما بعد يوم باشتداد عوده وتوغل تنظيماته في أعماق وامتدادات لم نتخيلها. من كان يظن أن العمليات الإرهابية سوف تعصف بأهداف في قلب القاهرة والإسكندرية، بعد سنين طويلة من محاربة الإرهاب؟

 
ما جدوى استراتيجية الدولة التي أثبتت ذلك الفشل بعد تلك السنين، وما السبب في عدم مراجعة سياسات الدولة أو تقييمها؛ خاصة أن التجارب التاريخية، بما في ذلك القريبة منا، تشير إلى أن المواجهة العنيفة مع الجماعات المسلحة لا تنجح وحدها. حتى داخلية مبارك المشهود لها بالقمع الصريح، دخلت مواجهات مع الجماعات الإرهابية في صعيد مصر في التسعينيات، وبدأت المفاوضات مع قادتهم في السجون، حيث أثمرت عن مراجعات فكرية لهؤلاء القادة.

 

لم تنجح الحلول الأمنية في حماية مصر من أي شيء؛ لم تنقذها من الإرهاب ولا من الفقر ولا من أي شيء، بل تسارع معدل الانهيار، فلماذا يتوسع النظام المصري في تلك الحلول؟

 
كانت المواءمات السياسية والمفاوضات تتوازى مع المواجهات. من الطبيعي أن قادة أي جماعة مسلحة سيدركون بوضوح أن القوات النظامية أقوى منهم، وأن المواجهات المستمرة سوف تستنزف موارد الجماعة وأفرادها بلا طائل، وأن الانهيار سيكون حتميا في نهاية المطاف.. مهما كان نزوع هؤلاء إلى العنف سيخافون من الانهيار، وسيفكرون بجدية في مفاوضات التهدئة وإعلان نشاط سياسي سلمي.

  
للصديق محمد أبو الغيط مقال رائع بعنوان "ما قاله المقاتل لرفيقه" يسرد فيه كيف ظلت طوائف وجماعات مسلحة تتقاتل، لسنوات، قتالا ضاريا أسقط مئات الآلاف من الضحايا، سواء بين طوائف مختلفة، أو بين طائفة ودولة.. ثم أدرك المتحاربون بعد زمن ما أن المفاوضات يجب أن تبدأ، وأن القتال يجب أن ينتهي قبل أن يفنى الجميع.

 
بل قد يصل الأمر لتحالف بعض الأطراف المتقاتلة معا. يتساءل أبو الغيط عن ذلك المقاتل اللبناني من حركة أمل، الذي يعبئ سلاحه بالذخيرة بينما يصف حزب الله، في مقطع فيديو، بأنهم حزب الشيطان.. كيف شعر ذلك المقاتل حين تحالف حزب الله وحركة أمل بعد قتال مرير. ربما سقط هذا المقاتل صريعا في إحدى المواجهات قبل أن تتحالف حركته مع حزب الله الذي قتله.

 
لم تنجح الحلول الأمنية في حماية مصر من أي شيء؛ لم تنقذها من الإرهاب ولا من الفقر ولا من ضعف مستوى التعليم والصحة والخدمات ولا من ارتفاع الأسعار الذي يوشك الملايين على الانفجار بسببه في أي لحظة، انفجارا لا يعلم أحد مداه ولا نتائجه.. لم تنجح الحلول الأمنية في أي شيء، بل تسارع معدل الانهيار، فلماذا يتوسع النظام المصري في تلك الحلول؟

 
سوف تبدأ المفاوضات يوما ما، أخشى أن تبدأ حين لا يجد أحد شيئا للتفاوض عليه.



حول هذه القصة

أعلن الجيش المصري مواصلة عمليته العسكرية الواسعة في سيناء والدلتا بمشاركة القوات الجوية والبحرية وحرس الحدود والشرطة ضد “العناصر الإرهابية والإجرامية”. لكن بيانه الثالث خلا من أي أرقام أو معطيات.

قالت مصادر للجزيرة إن ضابطا برتبة مقدم وجنديا بالجيش المصري قتلا في سيناء خلال العملية العسكرية التي انطلقت الجمعة في رقعة جغرافية واسعة، وبمشاركة القوات الجوية والبحرية وحرس الحدود والشرطة.

أغلقت السلطات المصرية معبر رفح على الحدود مع قطاع غزة أمام آلاف المسافرين الفلسطينيين من المرضى والطلبة وحملة الإقامات بالتزامن مع عملية عسكرية أطلقها الجيش المصري في سيناء اليوم الجمعة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة