logo

شبهة وحدة الوجود والاتحاد

تعرض الأمير عبد القادر الجزائري (1807 – 1883م) لحملات تشويه مركزة ومنظمة واختلقوا له الأكاذيب وزعموا أنه سلم نفسه لفرنسا واستسلم في نهاية المطاف، ونسبوا إليه رسائل ومعاهدات سخيفة ومخزية وزعموا أنها بخطه، وادعوا أنه اعتقد بوحدة الوجود والحلول، ثم اختلقوا قصة انتسابه للجمعية الماسونية وزوَّروا عليه رسائل بهذا الخصوص، وكل ذلك كي يسقط اعتباره عند الناس كرجل من رجالات أمته، وحتى لا يكون قدوة للأجيال المتعاقبة في كفاحه وجهاده وروحه الثائرة ضد الاستعمار والظلم والجور، ولكن الله أبى إلا أن يخرج الحق للناس بفضله ومَنِّه، ثم جهود عدد من الباحثين، وهو مبتغى هذه الورقة.

   

الأمير عبد القادر الجزائري وشبهة وحدة الوجود والاتحاد
استندت الاتهامات للأمير عبد القادر الجزائري نظرًا للبيئة الاجتماعية والثقافية التي عاش بها، ومسيرته الحياتية المليئة بالمآثر الخلقية والأعمال النضالية نصرة للدين وقضايا أمته، وسعة اطلاعه على الآداب والعلوم والمعارف المختلفة.
  

1. علاقة الأمير بكتب الشيخ محي الدين بن عربي وأفكاره

أراد بعض الناس الاستفادة من اسم الأمير عبد القادر ونسبوا إليه ما لم يعتقده من غلاة الصوفية، ومن أبرز هؤلاء: الشيخ محمود الأرناؤوطي ومحمد الخاني، وضموا إلى كلام الأمير ومراسلاته ووضعوا بعد وفاته بسنين عديدة (عام 1911م)، وبدون وصية من الأمير في كتاب "المواقف"، وادعوا على أنه كتاب الأمير. ومما جاء فيه عن كتاب المواقف الموصوف بالثمين العظيم الجليل، وأنه كتب بالنور على نحور الحور ونسبوا إليه من العقائد على اعتقاد الأمير بكتب ابن عربي واتهامه بأنه من املنادين بوحدة الوجود والاتحاد والحلول.

       

الأمير عبد القادر الجزائري ليس من عقيدة وحدة الوجود والحلول في شيء بدليل سيرته وكتبه ومقالته، وما نسب إليه من كتب في التصوف المنحرف "المواقف" باطل
      

إن اتهام الأمير بتأثره بالعقائد المنسوبة والمتهم بها ابن عربي من وحدة الوجود والاتحاد والحلول شبهات واتهامات باطلة. فوحدة الوجود تعني ـ بأوجز عبارة: إن الله تعالى والعالم شيء واحد، فوجود المخلوق هو وجود الخالق، ومعنى الحلول والاتحاد اصطلاحاً: الحلول والاتحاد عقيدتان نشأتا في بعض الأديان الوثنية والفلسفات القديمة، وظهرتا على وجه الخصوص بين النصارى الذين حرفوا دين الله وألهوا المسيح عليه السلام حيث ادّعوا حلول الله أو اتحاده به، كما ظهرتا في العالم الإسلامي عند بعض غلاة الطوائف وبخاصة بعض الفرق المظهرة للتشيع الزاعمة حلول الله تعالى أو اتحاده بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أو بعض ذريته. وإن هذه العقيدة فاسدة ولا يمكن لشخص اعتنق عقائد القرآن الكريم وما ثبت عن سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم أن يعتقد هذه الأباطيل، فالوحدانية تتجلى في قوله تعالى: "اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (الزمر، آية : 62).

      

إن الأمير عبد القادر الجزائري ليس من عقيدة وحدة الوجود والحلول في شيء بدليل سيرته وكتبه ومقالته، وقد بينا بطلان ما نسب إليه من كتب في التصوف المنحرف "المواقف" وإنما أراد أصحاب هذه الاعتقادات الاستفادة من شهرته ومحبة الناس له. وإن الأمور التي تبين بطلان ما نسب للأمير تتلخص في النقاط الآتية:  

      

أ. تقرير الخبرة الفنية الذي كتبه الأستاذ الغراوي المحلّف بشؤون الوثائق في وزارة العدل السورية بين 1952 ـ 1979م، حيث أثبت فيه أن المخطوطات الخاصة بكتاب المواقف، والتي كتب عليها إنها بخط الأمير هي ليست بخطه قطعاً والوثائق العسكرية التي تروج لها بعض الكتب الفرنسية، هي أيضاً ليست بخط يده بل مزورة عليه والتزوير مفتضح لكل متأمل.

     

ب. إن الأمير عبد القادر كان قائداً عسكرياً وحاكماً وقاضياً وسياسياً، وأمضى عمره على صهوات الخيل مجاهداً ثم المنفى ثم متنقلاً بين الإستانة وبورصة ودمشق ولم يكن عنده من الوقت ما يسمح لتأليف كتاب ضخم ككتاب المواقف الذي يقع في أكثر من ألف وخمسمائة صفحة.

       

شهد المؤرخون والعلماء للأمير عبد القادر الجزائري بالفضل والغيرة على دين الإسلام، وأشادوا بحرصه على إقامة أحكام الشريعة وحدودها، وسعيه الحثيث لنشر علوم الدين

جـ ـ إن المقربين من الأمير عبد القادر من علماء عائلته كابن أخيه السيد عبد الباقي الحسني وكان مفتي المالكية بدمشق وهو جد والد الدكتور خلدون بن مكي بن عبد المجيد بن عبد الباقي الحسني، وابن أخيه الثاني السيد محيي الدين الحسني وهو جد السيدة بديعة، وهما صهراه أيضاً وكانا ملازمين للأمير، ولم يسمعا أبداً الأمير يتحدث عن هذا الكتاب، ولم يسمعا منه كلاماً يوافق الكلام الموجود في كتاب "المواقف"، بل على العكس كان كلامه لآخر لحظة من حياته مخالفاً لما في المواقف من العقائد المشبوهة.

     

ح ـ إن الأمير عبد القادر كان يدرس في الجامع الأموي بدمشق صحيح البخاري، وموطأ مالك، ورسالة أبي زيد القيراواني، ويشيد بمبحت العقائد الذي في مقدمة الرسالة، وكل هذه الكتب تخالف تماماً العقائد الموجودة في كتاب "المواقف". فكيف يكون مدرس هذه الكتب وكاتب كتاب المواقف شخصاً واحداً؟

       

هـ ـ هناك من يقول إن الأمير قد أوصى أن يدفن بجوار قبر الشيخ ابن عربي، وهذا دليل على أنه كان يتبنى عقائده، ومن ثم فهو مؤلف كتاب المواقف، وهذا غير صحيح لأن الأمير عبد القادر لم يوص قط بذلك، بل إنه اشترى أرضاً بطرف مقبرة الدحداح ليدفن فيها وأوقفها على ذريته ليدفنوا جميعهم وبجواره ولكن بعض مشايخ دمشق هم الذين أصرّوا على دفنه بجوار ابن عربي ظناً منهم أنهم يسدون إلى الأمير معروفاً وأما ذرية الأمير فما زالت تُدفن في مقبرة الأمير في الدحداح، إلى أن استولى عليها مكتب دفن الموتى والأوقاف.

     

د ـ كل من ذكر أن للأمير كتاباً اسمه المواقف مثل الشيخ محمد جميل الشطي في كتابه "أعيان دمشق" نقل ذلك من كتاب تحفة الزائر لمؤلفه محمد باشا الأبن الأكبر للأمير عبد القادر ونحن نعلم أن كتاب "تحفة الزائر" كتبه محمد باشا في حياة والده الأمير ثم حُرق الكتاب كله بعد وفاة الأمير وضاع وحاول محمد باشا إعادة كتابته وأعانه بعضهم في ذلك فكان نتيجة ذلك ولرجوع الناشر إلى مصادر أجنبية غير دقيقة أن شمل كتاب "تحفة الزائر" الكثير من الأحداث المغلوطة ودخل فيه ما كان يزوره المزورون ويدسه المبطلون، فلا يمكن الاعتماد على ما فيه وخصوصاً نسبة كتاب "المواقف" للأمير عبد القادر بعد ذكر كل الأمور التي تنفي عن الأمير هذا الكتاب.

    

س ـ طبع كتاب المواقف بعد وفاة الأمير بثمان وعشرين سنة في القاهرة وكل المخطوطات الموجودة هناك وفي المكتبة الظاهرية بدمشق يقول ناسخها إنه نقلها عن المخطوطة الأصلية، ولم يكتب على أية مخطوطة اسم ناسخها بل يُذكر دائماً أن كاتبها مجهول أو لا يعرف والمخطوطة الأصلية ليست بخط الأمير بل مزورة عليه. فكيف نصدق المجهولين وكيف نقبل سنداً لكتاب معلول بعلل كثيرة الإنقطاع والجهالة والكذب والمخاطبة؟

        

    

وبالرغم من ذلك، كان الأمير عبد القادر في دروسه يُصحح وينفي عن الشيخ ابن عربي بالدليل والتحقيق، كتب نُسبت إليه وخارجة عن العقيدة الإسلامية مثل كتاب النعمانية والفصوص والفتاوى وكتاب الجفر، فبيّن أنها من أناس أعداء للحق، وبالرغم من هذا الاهتمام والتحقيق بكتب ابن عربي وبيان المختلق والمنسوب إليه من خلال البحث العلمي، فإن اهتمامه بهذه الكتب ضئيلاً جداً أمام اهتمامه بعلوم القرآن والسنة النبوية ومنهج أهل السنة ولا يوجد دليل على أن الأمير عبد القادر عقيدته عقيدة ابن عربي وأنه يوافقه على كل الأفكار والتفاسير التي دونت في كتبه، كما أن الأمير لم يترك أية وصية لطبع كتب الشيخ ابن عربي والدليل على ذلك مادياً وليس عقيلاً فقط، فقد كتب وصية في حياته وأودعها المحكمة الشرعية بدمشق ورقمت الوثيقة تحت رقم 256 ، وفتحت في شعبان 1300هـ / جوان 1883م بعد وفاته بثلاثة أسابيع حسب الأصول المتعارف عليها، ولم يكن فيها أي ذكر للكتاب المزعوم، بل كان ما في الوصية هو تخصيص أموال معتبرة من إرثه للفقراء والمساكين ولنسائه ولأولاده.

              

2. الأمير عبدالقادر وشهادة العلماء به وعلاقته بزعماء الإصلاح

شهد المؤرخون والعلماء من أمثال مفتي المالكية العلامة محمد عليش وولده الشيخ الأزهري عبد الرحمن عليش، والعلامة عبد الرزاق البيطار وحفيده الشيخ محمد بهجة البيطار والعلامة جمال الدين القاسمي، ومفتي الحنابلة الشيخ محمد جميل الشطي، وآخرون كثر للأمير بالفضل والغيرة على دين الإسلام وأشادوا بحرصه على إقامة أحكام الشريعة وحدودها وسعيه الحثيث لنشر علوم الدين، كما كان للأمير دور كبير في إحياء وتجديد فريضة الجهاد ورفع رايتها إلى جانب بعث علوم الحديث النبوي الشريف ونشرها والحث على العمل بها والسعي في القضاء على البدع ونبذ التقليد الأعمى الممقوت والدعوة إلى إستعمال العقل والنظر في فهم ونشر مختلف العلوم.   

وأما ميل الأمير للإصلاح الإسلامي فيظهر في الرسائل المتبادلة بينه وبين خير الدين باشا التونسي صاحب كتاب "أقوم المسالك"، فقد أهدى خير الدين كتابه إلى الأمير عبد القادر، فقرأه وأعجب بآراء صاحبه، ثم وجه خطاب شكر إلى خير الدين، والعبارات التي وردت في هذا الخطاب تصور رأي الأمير في مفهوم الإصلاح الذي دعا إليه التونسي، فبعد أن عبر له عن شكره لدفاعه عن الشريعة الإسلامية وصلاحيتها للحكم لكل زمان ومكان قال: وقد اطلعنا على "أقوم المسالك" فرأينا فيه ما بهر العقول، وأدى الأفكار إلى الذهول من قضايا المعقول، فاتفقت القلوب على تفضيله واختلفت الألسنة في تمثيله.

إن الأمير عبد القادر الجزائري لم يعتقد يوماً من الأيام لا بوحدة الوجود ولا الحلول ولا الاتحاد، بل كانت عقيدته إسلامية سنية صافية من البدع، اشتهر بالتقوى والخوف من الله عز وجل والإيمان به وباليوم الآخر وحفظ القرآن في سن مبكرة من حياته، مالكي المذهب، متقيد بشرع الله في حياته الخاصة وأسرته ومجتمعه ودولته، وما نسب إلى الأمير من الرموز ووحدة الوجود والعقائد الفاسدة ما هي إلا أباطيل واتهامات تمَّ كشفها وبيان بطلانها بالعلم الرصين والحجج الدامغة والأدلة القاطعة في هذا الكتاب. فالأمير عبد القادر عبر عن منهجه في الحياة في أبيات شعرية قال فيها:

عليك بشرع الله فالزم حدوده

حيثما سار سر وحيثما وقف قفِ



حول هذه القصة

أمام حضور كبير بقاعة ابن زيدون بالعاصمة الجزائرية، قدم المخرج سالم إبراهيمي العرض الأول لفيلمه الوثائقي “عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية”، وعلى مدى 96 دقيقة حكى الفيلم حياة الأمير منذ نشأته في بيئة دينية، ونضاله وسجنه ومنفاه، وصولا إلى وفاته بدمشق.

يصعب إحصاء العناوين التي وضعت حول حياة الأمير عبد القادر الجزائري (١٨٠٨-١٨٨٣م)، ومع ذلك ما زالت شخصيته الفريدة وأفعاله مصدر وحي لكتاب عرب وأجانب كثر، آخرهم الروائي الجزائري الفرنكفوني عبد القادر جمعي الذي خط نصا جميلا تحت عنوان “ليلة الأمير الأخيرة”.

انضمّت “توابل المدينة” للجزائري حميد عبد القادر لقائمة النصوص السردية القليلة التي تجرأت على فتح المسكوت عنه في الثورة الجزائرية، فرصدت وجوها متعددة للفساد والعنف في حق الإنسان والمكان، محاولة تفكيك ما نتج عن تلك الأخطاء من إجهاضات مست الاستقلال الجزائري.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة