لم تعد الجنة أقصى ما نتمنى!

blogs عبادة

يعتلي إمام منبره يوم الجمعة، يخطب في المصلين حسب رزنامة السنة، حتى الإمام وضعوا له برنامجا دراسيا يخطب حسبه في الناس، كأنه كذلك، فجمعة يخطب فيها حول واجب المواطن نحو وطنه وضرورة الانتخاب، وجمعة أخرى يحدثنا فيها عن عيد الشجرة، وأخرى عن عيد المرأة، وجمعة تليها عن عيد الطفولة، واليوم عن الفيسبوك، ويوما ما سيحدثنا عن اليوم العالمي لغسل اليدين! لم أسمع يوما الإمام ينصح الزعماء بأن يهتموا بشعبهم وأن يلبوا احتياجاته ويسمعوا مطالبه ويقوموا بتأدية واجباتهم نحوه، ويتّقوا الله فيه، وكان عليه أن ينتهز الفرصة صبيحة العيد ويقوم بهذا على الأقل، فالعيد هو المكان والزمان الذي يسوق الرجل الكبير إلى المسجد الكبير ليجلس في الصف الأول.

صارت خطبة الجمعة درسا في التربية المدنية لا الدينية، ولم يعد الإمام يهتم للجهاد في سبيل الله مثلا، فكلمة الجهاد وحدها صارت إرهابا حسب سادة العالم، ولا يهمه إن قام الجلادون بتبذير أموال الشعب في نشاطات الفسق والفجور واللهو بينما يموت الفقير جوعا، وليس من صلاحيته الحديث عن الفساد والسرقة، لا ولم يعد ينهى عن المنكر، فتمثال عار على سبيل المثال هو تمثال الجمال وحرام خدشه وعليه أن يضع يديه فوق يد الثقافة، تنفق لعيونه الملايين وليمت الفقير والمريض.

 

زمانا، كان الطفل يدعو للكبير عندما يلح في طلب شيء منه بالجنة، واليوم تجده يردد ما أن يلبي طلبه قائلا: "ربي يرزقك وظيفة، ربي يرزقك دارا، ربي يزوجك"!

ولم يعد يذكرنا حتى بالجنة، فنحن منشغلون في قانون المالية الجديد وهو منشغل في التحضير لخطبة تحرم الهجرة غير الشرعية. لم يعد المسجد في ربوع مكانا للدعوة إلى الله بقدر ما صار مكانا للدعوة إلى تطبيق تعاليم البشر، ولم يعد مكانا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر ما صار مكانا للحث على الطاعة والنهي عن العصيان البشري إلا من رحم ربي. لم تعد خطبة الجمعة تزعزع النفوس كالماضي وتبكي القلوب وتأجج نار الندم والشوق، ولم يعد الإمام مُصلحا إلا من رحم ربي.

وبعيدا عن الإمام، سأروي لكم قصة طالب علم يخرج صباحا إلى الجامعة، يفوّت صلاة الفجر، فالزحمة المرورية تجبره على الخروج المبكر. مهلا، عليه أن يمر بأقرب مخبزة، فوجبة الإفطار ضرورية ولا يجب التفريط فيها، تبدأ المحاضرات مع الثامنة وقد تدوم إلى الخامسة مساء، لا يوجد وقت مستقطع للصلاة مع الواحدة وإن وجد يستغله في تناول وجبة الغداء والتسكّع.

 

وفي القسم المجاور يُمنع الخروج، فالأستاذ المحاضر يطرد كل من يدخل بعده، وعليه، الغياب المتكرر سيؤدي إلى الإقصاء، المهم هنا هو أن الدراسة أولا والله غفور رحيم، ويا لها من دراسة، جسر نحو البطالة والاكتئاب! يعود مساء إلى البيت، يأكل ويشرب ويشاهد فيلما أو حلقة من مسلسله المفضل، يمضي وقتا في الثرثرة ثم يجمع الصلوات منتصف الليل أو ينام والله غفور رحيم. طالب العلم هذا يحلم أن يجتاز جميع الامتحانات بتفوق وينتقل إلى السنة المقبلة، أمنيته أن ينجح في دراسته بأي طريقة وأن يوظف في مكان مرموق وأن يظفر بشريكة حياة مثالية وأن يشتري سيارة فخمة وبيتا جميلا ويحج إلى جزر المالديف. لحظة، طالب العلم هذا قد يفكر في الانتحار إن لم تتحقق أحلامه!

نعود إلى الحكومات، حتى سعادتها لا تريد من شعبها الكريم أن يفكر في الجنة، هي تضيّق عليه بأزمة البطالة كي يكون التوظيف أقصى أحلامه، وتضيق عليه بأزمات السكن لكي يكون البيت والزواج أعظم أحلامه، وتضيق عليه في المعيشة وبالضغط وبالقانون الظالم لكي تكون الهجرة أكبر أحلامه، ولا يهمها إن كانت هجرة غير شرعية، وتضيق عليه بالفقر وتضيق عليه بقوانين السفر وتبني له بالمقابل أكبر السجون ومستشفيات الأمراض العقلية، وتوفر ميزانية ضخمة للأشغال العمومية لكي تتوسع الشوارع والطرقات وتتسع لأكبر عدد من المساكين والمشردين، وتقضي عليه بالاكتئاب والقلق والغضب والمخدرات حتى لا يعرف المسكين ما يريد سوى أن تتحسن صحته النفسية ويتغلب على الحزن والإدمان، أو يتفجر ليقال تمرد أو "تدعشش".

أكلتنا الحروب والثورات، أكلنا الظلم والاستبداد، قضت علينا الأوجاع وأصبحنا نركز على الألم والكره والانتقام أكثر من تفكيرنا في الحلول، حاملين هموم الغد وكيف سنعيشه
أكلتنا الحروب والثورات، أكلنا الظلم والاستبداد، قضت علينا الأوجاع وأصبحنا نركز على الألم والكره والانتقام أكثر من تفكيرنا في الحلول، حاملين هموم الغد وكيف سنعيشه
 

زمانا، كان الطفل يدعو للكبير عندما يلح في طلب شيء منه بالجنة، واليوم تجده يردد ما أن يلبي طلبه قائلا: "ربي يرزقك وظيفة، ربي يرزقك دارا، ربي يزوجك". زمانا، كان الناس يدعون لبعضهم بقولهم "ربي يرزقك الجنة وما تتمنى"، واليوم تبخرت الجنة وبقيت الأماني ممثلة في العيش الكريم؛ عيش يتركهم يعبدون الله في سلام.

لم تعد الجنة أقصى ما نتمنى! ما دمنا ننتحر بسبب غلاء المعيشة وننتحر بسبب البطالة وننتحر بسبب الظلم والقهر والفقد. هناك من ينتحر بطريقة مباشرة وهناك من ينتحر بالتعدّي، كثيرون يشتكون من القنوط، وكثيرون لم يجدوا ما ومن يصبّرهم، فحتى أهل الدين يأمرونهم بطاعة المتسببين في اكتئابهم وما زالوا يدعون لهم ليسمنوا، وليتجبروا وليتمادوا في الطغيان لا ليعودوا إلى الله. ويفتون للشعب بما يتناسب والسياسة لا بما يرضي الله. وبعيدا، يموت الناس في رحلة البحث عن وطن ولقمة عيش ومسكن.

لم تعد الجنة أقصى ما نتمنى، ويمكن أن نتأكد من هذا في أخلاقنا وطرق عيشنا، كيف لا ونحن نبتعد يوما بعد يوم عن الله! لم تعد الجنة أقصى ما نتمنى لأننا لا نعيش لأجلها، لسنا نعيش إلا لأجل هذه الحياة الفانية، حتى إننا لنفني أجمل ما فينا لأجلها، نتسارع لاقتناء آخر المنتجات، هويتنا تتقشر، نتنكر لديننا يوما بعد يوم، نطارد بعضنا البعض، نحسد بعضنا البعض، نتكبر، نتجبر، نتكاسل، نخادع، نتخاذل، جشعون وخاسرون وضائعون ومضيعون وغافلون وخائفون وعن الحق معرضون وميتون، نتنافس بدلا من أن نتحد، ويلعب بيننا وبنا الذئاب يوما بعد يوم. 

أكلتنا الحروب والثورات، أكلنا الظلم والاستبداد، قضت علينا الأوجاع وأصبحنا نركز على الألم والكره والانتقام أكثر من تفكيرنا في الحلول، أصبحنا نفكر في الغد وكيف سنعيشه، ننسى أننا قد لا نستيقظ، نفكر في الصباح وكيف يزيح الغطاء عن رؤوسنا، في الأخبار وما ستأتي به من مصائب لا ما ستزفه من أفراح، في الظالم ومتى تحين نهايته، وفي الوطن ومن سيستر عورته، وفي الموت وكيف سيأتينا، بطلق ناري أم بقصف صاروخي أم بالسكاكين الحادة أم بالجوع؟ والبرد والهم أكثر من تفكيرنا فيما بعد الموت. لم تعد الجنة أقصى ما نتمنى، وأصبح العيش الكريم أقصى أهدافنا، وحقوقنا أقصى أحلامنا، وكأن الفرد لم يعد يجد متسعا لعبادة الله، كيف لا والاستبداد يدعوه لعبادة مروضيه، والجشع يأمره أن يدوس مبادئه ويفوز بالحياة. نسينا أننا لله وإليه راجعون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان