يا لثارات دير الزور!

ذاكَ نهر الفرات فأحبوا القصيدا

من جلال الخلود معنىً فريدا

باسماً للحياة عن سلسبيلٍ

كلَّما ذقته طلبت المزيدا

وخريرٍ كأنَّه زفراتٌ

من محبٍ قد صعدَ تصعيدا

نحن قتلاه في الهوى وقديماً

شفَّ آباءنا وأصبى الجدودا

 

ما بين سلسبيل الفرات وطهر الشآم، عناقيد من فخر وتاريخ من نضال، وذكريات كفاح عريق تمتد من استعمار فرنسي إلى احتلال أسدي. في تلك البقعة المنسية، عند منحدر الغياب، ووادي الخذلان، تكمن لؤلؤة الفرات، يعلوها غبار التهميش، تشيح درة الشرق عيناها الباكية دماً لا دمعاً، فهي عزيزة قومها التي أذلت بفعل ثلة من المجرمين.

 

حينما جُعلت ثرواتها نقمات عليها، وظلمات تعلو لياليها المكفهرة بالطغاة، المقفرة بالطغيان. لمع في سوادها نجم الحق، الذي لا يعطى بل يؤخذ بالحديد والنار، فتم تحريرها من قبل أولياء الحرية عام ألفين واثني عشر. فتألقت عروس الفرات بثوب الحرية وكساء العزة والكرامة، لم تلبث طويلاً، فقد ألقى الطغاة ثعابين مكرهم وسموم حقدهم على درة الفرات، فتجرّعت دُرتنا علقم (الدواعش) وحنظل (قسد)، والسم الزعاف من احتلال أسدي قطّع أوصالها ونهش أطرافها، جمعت نفسها وجمعّت أنفاسها.

 

أدركت أنها على درب الحق، على طريق النصر، من قال أن سبيل الحرية معبد بالورود ؟!، ربما تحتمل وتتحامل وتصبر وتصابر درة الفرات على الحنظل والعلقم وتلفظ السم كلما حاول الموت أن يدركها، لكن الخذلان، داء لا دواء له. الخذلان الذي انهمر مع قذائف الموت، فخرج من آهات شيخ بين الأنقاض، وآنات أم يهال التراب على بنيها، ودعاء طفل بلغ من الخيبات عتيا.

 

إن كنا قد تناسينا، فصدى الموت الضائع في الفرات يرشدنا إلى بقايا (دير الزور) التي تاهت في مقل باكية وأنامل مرتعشة وأصوات صادحة أن أجيبوا النداء، ألقوا على آلامنا محبرة
 

هذه هي دير الزور المنسية، بين براثن النظام وفكي داعش وقسد، تساق كما الإبل للنحر على أيدي قتلتها ولا مغيث يواري سوءة نسيان دماء مدنيين لا طاقة لهم بموت ألقي عليهم بموافقات دولية ومباركات أممية، طالما وجدت داعش، فشماعة استحقاق الموت قد عُلِّقت!، أين أقلامنا الحرة التي تذود عن دماء شهدائنا بالبيان والبنان؟ أين نشطاء الثورة وإعلاميوها، ألا يقع على عاتقهم إيصال رائحة الدم وأشلاء المجازر لعقر دارنا؟ أم أن أقلامنا كسرت وأحبارنا جفت ونشطاءنا نسوا بل تناسوا أن لهم أرضاً وإن لم ينتموا لها فهي أرضهم ودماء تسيل منها هي دماؤهم.

 

إن كنا قد تناسينا، فصدى الموت الضائع في الفرات يرشدنا إلى بقايا (دير الزور) التي تاهت في مقل باكية وأنامل مرتعشة وأصوات صادحة أن أجيبوا النداء، ألقوا على آلامنا محبرة، وخذوا من بنيان متهالك قلماً وخطوا تاريخ دماء تضيع ما بين أذان شيعي يرفع في أحد الأحياء فتهمس امرأة في خدرها. دنستم طهر الدير يا أشباه الإنسان وما بين قذيفة تترك وراءها أماً ثكلى وأرملة وأبناء يتامى وبنات أيامى، الوجع الذي ألفنا وجوده في مناكب الثورة، لا يبرر تهميش منطقة بل لا يبرر نسيان فرد صدح بالحرية.

 

بعد حين من زمن تعيس وعند إلقاء ديرنا في تابوت الشقاء يظهر أولئك القوم بحلة إحياء الذكرى وإشاعة (الهاشتاغات)! فتبدأ المجالس وتعقد الجلسات وتحيى المؤتمرات وتُصاغ القصائد البديعة والمقالات الرفيعة في تشييع درتنا وياله من رثاء تتقرح له الاكباد..، أفنكون شركاء في قتل أبناء ديننا وفكرنا ومعتقداتنا ومبادئنا التي نثرت على جنباتها سنوات أعمارنا وأريق على أعتابها ماء أرواحنا؟، من لم يرفع الأذية ما استطاع فقد شارك بصمته وأوغل في دماء إخوانه، ندفع عن درة الفرات سنانا وبيانا وبنانا وفكرا ومنهجا، نغطيها قولاً وفعلاً، فنعذر إلى الله، لا نكون من الخاذلين وجدُنا (الحر التميمي)، الذي عرف الحق فقصده، ها هو الحسين سبط رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم مخذولاً منهكاً، لا يتملكه ضعف، بل هشاشة الخيبة والخذلان، يأتيه (الحر التميمي) وقد عقد العزم على نصره، فنصره مقاتلاً وناصره شهيداً. من يحمل راية (الحر التميمي)؟ من لنصرتك يا ديرنا؟ يا لثارات دير الزور.. يا لثارات دير الزور.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة