لماذا يكبت المجتمع حزن المرأة؟

BLOGS حزن

لا مبالغة عندما نقول أن المرأة هي أساس بناء المجتمعات، فمجتمع بناء، منتج، سالم، يعنى نساء سليمات النفسية، قريرات العين، ولا مبالغة عندما كانت آخر وصايا رسولنا الكريم "اتقوا الله في النساء". لم يرد الله الحزن للنساء في الكثير من مواضع القرآن الكريم " فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن"، "فناداها من تحتها ألا تحزنى" "ولا تخافي ولا تحزني". أكدت الآيات الكريمة ألا تحزن المرأة، حزن المرأة يُضعفها ويُفسد جمالها ويزُودها بالوهن. ذكر بعض العلماء أن الأمر قد يصل إلى عدم استطاعة الإنجاب بسبب الحزن، فكيف لامرأة حزينة أن تربى أبناء نافعين مصلحين خادمين لمجتمعاتهم؟ وكيف لتلك الأجيال أن تحارب الطواغيت والمفسدين؟ كيف لهم أن يتصدوا لعنصرية الطرف الآخر وألا يدورون في فلك الحزن المدوي؟ 

تستمد المرأة قيمتها من ذاتها، لا من ذات المجتمع الذى يحاول جاهداً تشويه صورتها، بوضعها في إطار العمل وإثبات الذات، ولا من قيمة الآخرين، الذين يحاولون تكرارا إسقاطها في بؤرة الوصم المجتمعي إذا طالبت بحقوق لها. تولد معرفة الذات لديها عندما تفهم مشاعرها ومشاعر الآخرين، وتلك المعرفة الذاتية تكاد تضئ من حولها هالة، إذا ما حاول المجتمع طمسها أو وأدها في مهدها.. لذلك أصبح التحدي الذي تفرضه المجتمعات، أن تظل المرأة صامدة شامخة، لا تأبه كم المنغصات التي تحول بينها وبين السعادة. أن تصبح كاملة غير منقوصة، ضمن الإطار الذى وضعه المجتمع بالطبع، وإذا انهارت صارت ككومة القش، تأخذها الرياح ذهاباً وإياباً، لا تُجدى نفعاً بعد ذلك.

ولتأكيد الصورة المجتمعية، أصبحت نساء اليوم يمثلن دور السعادة والكمال، يرسمون ابتسامة زائفة لينفضن من عليهن غبار الحزن، يَقحِمون صورتهن في تلك الصورة المعدة لهن مُسبقاً. فتصير تلك المرأة المعهودة صاحبة الرؤى السديدة، المعنية بشئون الأسرة بالكامل، الناجحة في عملها – إذا كانت تعمل – الهنيئة بحياتها الزوجية، الممسكة بذمام أمورها.. هكذا أمام المجتمع، لا تحزن، بالرغم من أن طبيعة النساء تُحتّم عليهن مشاركة حزنهن مع الآخرين، لأنهم بذلك يشعرن بكينونتهن وذاتهن المرهفة، ولكن سلب المجتمع تلك الطبيعة، وخلق منهن كائنات منعدمة الشعور أو هكذا ما يبدو للآخرين.
 

لم يكن حزن النساء يبدأ من كِبرهن بل من فترة طفولتهن، فطفلة مكروهة معاقبة مهانة، ستصبح يوماً تلك المرأة الحزينة..

في البيوت، يسكن الزوجان إلى بعضهما البعض "أزواجا لتسكنوا إليها "، السكن والسكينة مترادفان، أن يسكن إليه أي أن يستأنس به ويستريح إليه ويطمئن.. وإذا جاءت للألم، فخفت حدته، فيُسّكن الألم والجوع والخوف والغضب، فتحل السكينة محل الأشياء المضطربة. وإذا حلت هذه السكينة للزوجة، تبعثها في أجواء المنزل، فيسكن الزوج والأطفال وربما الجيران، فتنثر الورود والأزهار في مشهد مبهج لمن ولما حولها. أتخيل مشهد الزوجة التي ترفض الانفصال عن زوجها (في بعض الحالات) برغم الأعاصير التي تهدد حياتها معه، باسم السكينة في حياة أطفالها، وأي سكينة وهي بائسة مبتئسه حزينة؟

فلا معروف في معاشرة تكسرها وهي تموج في بحر من الذل والهوان، تعول المرأة بالأنس والحب والعطاء والاحتواء، لا بالحزن. تحيا بإذابة الأنا في الآنات الأخرى، وعندما تكون تلك الآنات لا تستحق، تنأى بنفسها عن كل شائبة قد تؤدى بها إلى فقدان الصلة مع ذاتها. أو أن يثقلها الحزن، فيترك لها نصف حياة، وتصبح مضطرة لمواصلة المسيرة، ومرارة الاضطرار تكفي. ولا يتعدد حزن المرأة من الزوج فقط، بل من عدة جهات، المتحرش الذي قرر أن ينتهك حيائها، وقرر المجتمع بدلاً عنها أن تصمت، والأب الذي قرر أن يتجاهلها أو يعنفها أو يتركها ويرحل دون عذر. حتى من النساء وبعضهن البعض، الأم التي تقهر بناتها باسم القيل والقال، والصديقات الخائنات، والأخوات الغائبات..

تكثر مصادر حزن المرأة وعواقبها الوخيمة، ينحدر المنعطف التي تقع فيه المرأة بشدة، فتُخّير بين أن تُجارى الوضع أو أن تحزن! فتحاول على مر السنين طمس ما آل إليه الوضع، أن تمحيه من الذاكرة، ويحول دون النسيان. في المجتمعات الذكورية، يسود الرجل كل شيء، حتى أنه يعطى الرخصة من قبل المجتمع أن يصعد إلى سلم المجد على حساب المرأة، أن يستخدم رخصة الدين بالتعدد للتهديد بزوجة ثانية، ثم الوعيد بأن تصبح له كما يريد، وإلا فسوف تحزن، فتتسع دائرة الحزن لكل أنثى في المجتمع.. الزوجة والأم والابنة.

لم يكن حزن النساء يبدأ من كِبرهن بل من فترة طفولتهن، فطفلة مكروهة معاقبة مهانة، ستصبح يوماً تلك المرأة الحزينة، لذا حث الدين الحنيف على أن الإحسان إلى البنات في تربيتهن سيكافئه الله بستر من النار. والإحسان لا يكون مؤداه الواجب، بل مزيداً من الاعتناء، لا عناية ولكن اعتناء، والفرق كبير، لهذا كان لتربية البنات خاصة فضل كبير. تنشط المؤسسات المجتمعية المعنية بشؤن المرأة وحقوقها، ولكن ينقص الصورة دائماً حق المرأة في أن تحزن، حقها في أن تظهر هذا للعالم الخارجي ولا تكمنه بداخلها، وحقها في أن تأخذ من الوقت ما يلزم لمحو هذا الحزن، وحقها في ألا توصم "بالنكدية" وحقها في أن يستذكر الرجال دوماً أن يستوصوا بها، فاستوصوا بالنساء خيراً



حول هذه القصة

الأحمر يُضفي على الجلد طابعا مفعما بالأنوثة والأثارة. (النشر مجاني لعملاء وكالة الأنباء الألمانية “dpa”. لا يجوز استخدام الصورة إلا مع النص المذكور وبشرط الإشارة إلى مصدرها.) عدسة: Michael Kors صور: Michael Kors Collection/dpa

تكتمل أناقة المرأة العصرية بالملابس الجلدية التي تعد من القطع الأساسية للخزانة الشتوية لموضة هذا الموسم، حيث إنها تمنح المرأة إحساسا بالدفء وتضفي على المظهر طابعا أنيقا وفخما.

Published On 5/12/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة