كيف يتحول الدين إلى حقيقة تاريخية؟

blogs كتب إسلامية

كانت البيعة منعرجا نقل المجتمع الجديد إلى مرحلة الالتفاف المعنوي حول الدين الجديد وشخصه المركزي محمد النبي (ص)، وأن البيعة تعني أن حماية الدين ومقوماته ستكون أولوية مركزية للذين قدموها، والبيعة تعني أنهم باعوا أنفسهم في سبيل تلك الفكرة، فكرة حماية الثقافة الوليدة وجماعتها الحاضنة لها، وحيازة المقومات اللازمة لذلك والتي تندرج تحت إطار فكرة الدولة التي تأسست استجابة لمقتضى المشروع الروحي المحمدي في تثبيت استقراره أولا وضمان استمراره ثانيا.

لذلك فإن أصل تأسيس دولة الرسول كان استجابة لما يتطلبه الدين من مطلب الحماية لما قد تحقق من مكاسب وسعي لمضاعفة تلك المكاسب، وكان ذلك اندراجا ضمن الوجه الناسوتي للدولة والاجتماع الإسلاميين، أعني أنها كانت نوعا من أنسنة حصلت للدين بوضعه ضمن وعاء سياسي سبق وجوده في التاريخ البشري هو الدولة، فالدولة ككيان مؤسسي مثّل البوتقة الضرورية للدين بكل مضموناته اللوجستية الشعب (المجتمع المسلم) والأرض (الجزيرة العربية) والسلطة (القائد وقومه) ضمن إطار متعارف عليه من قَبْلُ في الحضارة الإنسانية وهو المُلك أو الدولة التي تقوم على عضد البناء الأقوامي.

من ثم فإن الأمر متعلّق في تأسيس الدولة بتحقق نسبي للفكرة الدينية المطلقة ضمن كيان معياري سابق عليه، أعني الدولة كوجود تاريخي والمجتمع كمقوم بنيوي لها، لذلك فقد كانت الغاية مضاعفة، أولا: تجذير الدين الجديد وصياغته كموروث إنساني، وثانيا: تنسيبه أي إخضاعه للشرط التاريخي بوصفه شكل اجتماعي متقدّم على الإسلام هو الدولة، وهذا يقتضي المرور –الذي هو في جوهره تنازل وفي ذات الوقت تحول ضروري- من مرحلة تعميق الإسلام في النفوس (الجهاد الأكبر) إلى مرحلة تعميقه في التاريخ (الجهاد الأصغر).

العنصر المفقود في لحظة حصول عملية التظريف تلك أنها تمت من دون الحاجة إلى تأويل جديد، وهذا يعني أن تأسيس الدولة المحمدية في حد ذاته تم داخل نسق إطلاقي الذي لم يكن بحاجة إلى تأويل

فالدولة في النهاية كانت الظرف الذي تحققت فيه فكرة التوحيد الإسلامية التي شكلت المظهر الخارجي لمضامين الفكرة وتفصيلاتها التي وردت في الوحي، لذلك من المهم إذن الانتباه إلى أن أغلب مرحلة صياغة الوحي تمت في مرحلة الإطلاق السابق لمرحلة التحقق النسبي، أعني في مرحلة نزول الوحي وبدء الدعوة إلى الدين الجديد، وهذا له دلالة معينة تجعل الوحي قبل الدولة ليس هو الوحي بعدها، وذلك ما قد يزيد في إيضاحه تقسيم القرآن إلى مكي ومدني، وأن مسألة الامتثال للوحي وتنفيذه ليست هي نفسها في مكة والمدينة وأن الدخول في إطار الدولة يعني نهاية المرحلة النموذجية للتحقق المطلق لفكرة الدين، والدخول في نسق جديد، أي أن الفارق بين القرآن المكي ونظيره المدني لا يتعلق فقط بغلبة العقيدة على الأول وغلبة الشريعة على الثاني بل يكمن الفارق أساسا في إطلاقية الأول ونسبية الثاني واشتراطه بالتاريخية؛ ذلك ما جعل القرآن يغير "الأسلوب".

والنتيجة أن الخطاب القرآني نفسه سيكون في حاجة إلى إعادة استكشاف منذ تلك اللحظة حتى لا يؤخذ في إطلاقيته بل يؤخذ في مدلولاته بالنسبة للزمان والمكان، وأن نعتبر هذا منهجا في استكناه روح الدين نفسه لئلا نقع في تصور إطلاقي مغلق له أو في تاريخانية عدمية، وهذا سيعني أنه لا نص الوحي تقادم ولا ظرفيته تخلدت، فالظرفية معلومة ولا أدل على ذلك أسباب النزول التي نزل القرآن وفقا لها، والوحي كنص معلوم أنه صادر عن مطلق مفارق ما يزال المؤولون يتنافسون على اقتطاف معانيه التي لا تنفذ.

لذلك فإن القيم الممكنة التي سادت تلك اللحظة بعد تمام التحقق النسبي للفكرة المطلقة التي يمكن أن تقربنا من موضوع القيم التي كانت تحكم الوضع، أعني روح المجتمع الإسلامي الأول إلى ماذا كانت تستند بعد أن تم تنسيب الفكرة الجديدة (الإسلام) ضمن مظروف قديم (الدولة)؟ إن الأمر يعيدنا طبعا إلى مضامين الوحي وأنها قابلة لإعادة الإنتاج من جديد لكن بشكل مختزل، والاختزال طبعا بالمفهوم الرياضي الوظيفي –لا بالمفهوم السّلبي الذي يقتطع الجزء دون الكل- الذي يحافظ على روح الشكل الكلي للحقيقة الرياضية، ذلك أن دمج الإسلام في شكل سياسي متقادم قدم الوجود الإنساني هي عودة بالدين المطلق إلى الأصل، وهو المجتمع والدولة، تماما كما يعود العدد إلى طبيعته بعد أن كان كسرا استثناءً استنادا إلى ضرورة ما، والضرورة هنا هي التدرج من الدين المطلق بما هو فكرة في بدايتها إلى الدين النسبي بما هو تحويل الفكرة إلى واقع فعلي معاش.

لكن العنصر المفقود في لحظة حصول عملية التظريف تلك أنها تمت من دون الحاجة إلى تأويل جديد، وهذا يعني أن تأسيس الدولة المحمدية في حد ذاته تم داخل نسق إطلاقي الذي لم يكن بحاجة إلى تأويل، وهو عصمة النبي، وأن بداية عملية التأويل سوف لن تتم إلا على أنقاض الدولة الراشدية على يد الأمويين والعباسيين وما بعدهما، أي بعد ظهور عصري التدوين والترجمة بوصفها العناصر التي من خلالها سيصبح التأويل ممكنا.

والمحصّلة هي أن انشطارا حصل ولم يُرأب إلى اللحظة، أعني أن اللحظة المثالية في التحام الدين المطلق بالتاريخ الفعلي لم تتحقق بعد في التاريخ! وتلك دلالة العنصر المفقود المتمثلة في عملية التأويل بما هي وعي لابد منه خلال عملية إلحام الدين بالتاريخ، وأن المخاضات التي حصلت من بعد وفاة الرسول إلى غاية اللحظة الراهنة هي كلها تحضير لهذا الإلحام الذي سيحصل مستقبلا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة