رهاب السرطان.. حين يصبح الخوف من المرض مرضا!

blogs سرطان

"لم أختر ما أنا عليه من خوف، لقد كانت أمّي شديدة الحساسية من السرطان، وكنت أراقبها بعناية وهي تحرص في كلّ مرّة على نظافتها ونظافتي ونظافة البيت والطعام، ولا أذكر أنّنا تناولنا يوما فاكهة دون أن تمرّ على مراحل الغسل بالمياه وقطرات ماء جافيل والتقشير العميق حتى لا يكاد يبقى منها شيء. كنت طفلا وكان عليّ أن أشاركها تلك الطقوس التي اعتادت القيام بها، بما فيها الفحص الطبي المتكرر والتحاليل، وكان يستحيل علينا مصافحة شخص مصاب بالسرطان أو أحد أفراد عائلته، لقد كنّا نخشى من العدوى رغم أنّ الأطباء أكّدوا لنا أنّ اعتقادنا خاطئ! لم أرث عن أمّي شيئا أثّر على حياتي مثل الخوف من السرطان، إنّه الرعب الذي لم يفارقني، الرعب والقلق الحاد الذي يزداد كلما زادت قراءاتي عنه وكلما فعلتُ أحسست بأعراضه تارة في رأسي وأخرى في بطني وأحيانا في قلبي." (س).

 

"كان أبي مصابا بسرطان الرئة، لقد كان مدخّنا نهما، لم يكن يهتمّ لصحته، كانت السجائر داءه ودواءه حتى اكتشفنا إصابته بالسرطان، وسرعان ما انتشر في أماكن أخرى من جسمه فأودى بحياته، موت أبي صدمني، لم أكن أعتقد أن سيجارة يمكن أن تتسبّب في هلاكه، حتى أنا كنت مدخّنا وبعد وفاة أبي توقّفت عن التدخين وبدأ معي الخوف. لا يزال شريط مرض أبي بين عينيّ، أراه يتألّم في كل مرّة، تجتاحني تلك الآلات الطبية، هرولة الممرضين والأطباء كلما تفاقم مرضه، علامات الأسف على وجوههم في آخر لحظات حياته، كل شيء.. كلّ شيء، إنّي أخاف موتا كذاك، أخاف السرطان لدرجة تمنعني عن زيارة الطبيب والقيام بفحص كلما عانيت من أزمة صحية، وكلما فكرت فيه تصبّب عرقي وخفق قلبي بشدة وارتعشت يداي، إنّي أخاف أن أصاب به وراثيا وأمرّ بما مرّ به والدي." (د).

"كنت مصابة بسرطان الثدي قبل سنوات، ولحسن حظّي كان الكشف مبكرا، استطعت تجاوز الأزمة وشفيت منه، لكنّني صرت أخاف من الإصابة به مجدّدا، أخشى الألم وأخاف أن يعود مرّة أخرى، لا أصدّق أنّني لا زلت على قيد الحياة، أخشى أن يكون شفائي مجرّد كذبة ووهم. أتفحّص صدري في اليوم أكثر من عشرين مرّة، مجرد صداع يقلب نفسيتي، زياراتي لطبيبتي متكررة لحدّ لا يحتمل، أنفقت كل أموالي على الفحوصات المكرّرة، إنّي لا أشعر بالراحة في حياتي، لقد صارت حياتي كلها قلقا ورعبا، أعلم أنّ خوفي غير طبيعي وحالتي لا تطاق لكنّ الأمر خارج عن سيطرتي." (ج).

اكتساب الخوف من المرض من التنشئة التي يقوم عليها شخص مصاب أصلا برهاب السرطان، فينقل سلوكاته لطفله دون انتباه ما يجعل الرهاب هنا سلوكا متعلما لا شعوريا

"كنت في سنّ المراهقة يوم عرضت عليّ إحدى صديقاتي مشاهدة فيلم مستوحى من قصة حقيقية؛ بطلته مصابة بسرطان الدم الذي شاهدته قبل سماعي أنّ جارتنا التي تكبرني بسنتين أيضا مصابة بالمرض نفسه، الكل كان يتحدث عن مدى خطورته لدرجة جعلتني أتخوّف منه خاصة وأنّها توفيت على إثره، كانت فترة مرضها كالكابوس، أعود من المدرسة فأجد سيارة الإسعاف في شارعنا، أطلّ ليلا من النافذة أجدها، دموع أمّها لم تكن تتوقف، حزن أبيها كان باديا في وجهه وشكله ومشيته، كنت أتحاشى زيارتها والاقتراب من منزلهم أو حتى التواصل مع أفراد أسرتها عن قرب. كنت أخشى العدوى كثيرا وكانت أوّل مرّة أشاهد فيها جنازة في حياتي، أصبت بعدها بأزمة نفسية، وصف لي فيها الطبيب بعضا من المهدئات. حاولت عائلتي مرارا وتكرارا إقناعي بأنّ لا شيء مما أفكر فيه صحيح لكنّني لم أستطع إقناع نفسي أنّني بخير وعليّ أن أزيل فكرة السرطان من ذهني. إنّه يسيطر على كلّ جوانب حياتي، إنّني أراه في كلّ مكان، في صداع، في وجع ببطني، في الإعلانات التلفزيونية، في حملات التحسيس، في اللافتات، في الأفلام والواقع." (ل).

هي قصص متنوعة؛ تجارب واقعية وشهادات لأشخاص قرّروا الانضمام لجماعة الدعم المتبادل أملا في خروجهم من أزمة أطلق عليها العلم اسم "رهاب السرطان" Carcinophobia هذا الذي يعرّفه القاموس الطبي على أنّه "الخوف اللاعقلاني من السرطان وغيره من الأورام". ويصنّف هذا الرهاب ضمن اضطرابات القلق الذي يتّسم بخوف عير طبيعي؛ مزمن ومتزايد من الإصابة بالسرطان تصاحبه معاناة ومشاكل نفسية وجسدية ممّا يعيق حياة الفرد ويجعلها تحت الضغط المزمن والقلق المستمر رغم إدراكه أنّ مخاوفه غير طبيعية وغير منطقية ومع ذلك يبقى عاجزا على مواجهتها والتخلّص من الأفكار السلبية التي ترافقه ويكون في وسواس دائم وخوف من الوقوع في المرض Hypochondriasis. ويندرج تحت ما يسمى برهاب المرض Nosophobia هذا الأخير الذي يصنّف ضمن الرهاب المحدد Specific Phobia حسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية DSM 5، كون المريض يعاني من الخوف المزمن من مرض معيّن.

أسباب رهاب السرطان:

من خلال الأمثلة السابقة يمكننا تحديد أسباب رهاب السرطان في مجموعة من النقاط كالتالي:

* اكتساب الخوف من المرض من التنشئة التي يقوم عليها شخص مصاب أصلا برهاب السرطان، فينقل سلوكاته لطفله دون انتباه ما يجعل الرهاب هنا سلوكا متعلما لا شعوريا يعود إلى خبرات الطفولة والأفكار الخاطئة التي تزرع في ذهنه حول المرض.

* اختبار الفرد لتجربة السرطان في أحد أفراد عائلته أو غيرهم من الأشخاص المقربين منه ومعايشته لفترة المرض والمعاناة التي مرّ بها المريض.

* الإصابة المسبقة بالسرطان والخوف من عودته بعد أن يتماثل المريض للشفاء الأمر الذي يجعله في قلق دائم من اختباره مرّة أخرى والموت بسببه.

* سوء فهم المرض وانتشار أفكار خاطئة حوله راجعة لقلة التوعية كفكرة انتقاله بالعدوى.

* تضخيم صورة المرض وخطورته لدرجة يعتقد فيها الفرد أنّ هذا المرض غير قابل للعلاج والإصابة به تعني نهاية الحياة.

* الإصابة بمرض أو مجموعة أمراض متداخلة تجعل المريض في ترقبّ لتطورها إلى سرطان ما يجعله في خوف دائم من حدوثه فعليا.

الإصابة بالمرض قد تكون أقلّ ضررا من الخوف منه، فالخوف يجعل الفرد في حالة عدم استقرار نفسي وترقب لما هو غير موجود وربما غير آتالإصابة بالمرض قد تكون أقلّ ضررا من الخوف منه، فالخوف يجعل الفرد في حالة عدم استقرار نفسي وترقب لما هو غير موجود وربما غير آت
 
أعراض رهاب السرطان:

– الخوف الشديد ونوبات الذعر والقلق دون مبرّر منطقي.

– التفكير المستمر في السرطان لدرجة ظهور مجموعة من التغيرات الفزيولوجية على الفرد كالتعرّق وخفقان القلب والرعشة وضيق التنفس، وأحيانا الغثيان والإغماء خاصة لدى تلقيهم خبر إصابة أحد معارفهم بالسرطان، وغيرها من التغيرات التي يصاحبها الأرق وفقدان الشهية والتفكير المستمر حول المرض والموت.

– الخوف من الوقوع في المرض والحرص المبالغ فيه على السلامة الصحية، وأخذ الاحتياطات الوقائية الدائمة والقهرية سواء كانت متعلقة بالعادات الغذائية أو اللباس أو النظافة الزائدة والامتناع عن تناول أصناف من الأطعمة واستعمال مواد من شأنها أن تتسبب في السرطان.

– تجنّب الفحوصات الطبية خوفا من التشخيص بالسرطان، أو كثرة المتابعة الطبية للتأكد من خلو الفرد من المرض وإنفاق أموال ضخمة عليها.

– تجنّب المستشفيات والاحتكاك بالمرضى المصابين بالسرطان والحديث عنه وأحيانا الإدمان على القراءة عنه وجمع كل المعلومات التي تخصّه.

– الإفراط في الرعاية والاهتمام الزائد بأفراد الأسرة والتأثير عليهم.

– إرجاع كلّ الآلام والإصابات الجسدية إلى ورم أو سرطان حسب مواطن الألم.

– عند الإصابة الفعلية بمرض ما تحدث حالة إنكار أو تهويل للمرض خشية أن يكون سرطانا.

– الاكتئاب والحزن والعزلة أو الخوف من الوحدة.

– التعرض لمشاكل صحية ناتجة عن الضغط النفسي المعيش.

– عرقلة المسار الاجتماعي والعملي للفرد وتدهور علاقاته وتراجع أدائه.

علاج رهاب السرطان:

الإصابة بالمرض قد تكون أقلّ ضررا من الخوف منه، فالخوف يجعل الفرد في حالة عدم استقرار نفسي وترقب لما هو غير موجود وربما غير آت، فأساليب الوقاية التي يقوم بها البعض هي بحدّ ذاتها تقلّل من إمكانية الوقوع في المرض، غير أنّ الرهاب يجعله في قلق دائم وقد يؤدي به فعلا إلى المرض. وتعدّ الفكرة الخاطئة العدوّ الأول للمصاب برهاب السرطان وهي بالتالي مفتاح العلاج.

 

قد يلجأ الطبيب إلى وصف مجموعة من مضادات الاكتئاب والمهدئات وغيرها من الأدوية التي تعمل على تخفيف شدّة القلق والاكتئاب، لكن يبقى العلاج النفسي وفي مقدمته العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والعلاج العقلاني الانفعالي السلوكي (REBT) الأكثر فعالية في مواجهة هذه المخاوف الناتجة عن أفكار لاعقلانية وخاطئة فضلا عن تشوهات معرفية تنعكس على السلوك والانفعال، فتغيير الفكرة السلبية إلى أخرى إيجابية من خلال إعادة البناء المعرفي والتدريب عليها يساعد على تغيير السلوك شيئا فشيئا ووقف الأفكار، فضلا عن جلسات التفريغ الانفعالي والعلاج الجماعي والاسترخاء والواجبات العلاجية المنزلية، والتدريب على حل المشكلات وغيرها من التقنيات كلعب الأدوار والنمذجة والحوار الذاتي وتقنية التخيل والمراقبة الذاتية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة