بروتوكولات التعامل مع النساء بمواقع التواصل.. كن صديقي!

blogs مواقع التواصل، هاتف ، لابتوب

كانت حركة ذكية جداً من ماجدة الرومي حين وقفت على صخرة يتيمة محاطة بالماء من جميع الجهات، لتوجه صوتها الجهوري إلى البحر الواسع وهي تصدح: "كن صديقي!". كانت تعلم تماماً أنها تتحدث إلى لا أحد، فلا أحد من الرجال سوف يأخذ دعوتها هذه على محمل الجد! ونحن أبناء الثقافة العربية نتبنى القناعة الراسخة بأنه "لا يوجد شيء يسمى صداقة بين الرجل والمرأة". إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي جاءت لتكسر قناعتنا هذه ولو شكلياً، ولترغمنا على استخدام لفظة "صديقي أو صديقتي" مع الجنس الآخر على صفحاتها، فكيف يجب التعامل مع هؤلاء "الأصدقاء" في ظل التضاد بين القيم الدينية والمجتمعية، وما تقدمه هذه المواقع من إمكانية التواصل على مدار الساعة كتابياً وصوتياً ومرئياً؟

موقع تواصل ولا قواعد سلوكية!

إن هناك قواعد سلوكية صارمة متفق عليها تحدد شكل العلاقات الاجتماعية في المجتمعات العربية، تم تشربها على مدى مئات السنوات من الدين والعادات والتقاليد. لكن الاقتحام المفاجئ لمواقع التواصل الاجتماعي لهذه المجتمعات، وانتشارها بسرعة قياسية لم تتجاوز ربما الخمسة عشر عاماً، لم يعط الوقت الكافي لتشكيل قواعد سلوكية خاصة لهذه المواقع. إن قواعد مثل "اللايك باللايك" والرد على الرسائل المقروءة والاستئذان قبل الإضافة إلى المجموعات، كلها تبدو محاولات متواضعة لوضع بروتوكولات تَضبِط فوضى التعاملات في هذا العالم الافتراضي، لكنها لم تنضج بعد لتُعتمد أو يتفق عليها. تبلغ هذه الإشكالية ذروتها حين تصل إلى العلاقات الأكثر حساسية على الإطلاق، وهي العلاقات بين الرجال والنساء الذين وجدوا أنفسهم لأول مرة على لائحة أصدقاء واحدة مع إمكانيات تواصل مفتوحة.

المرأة تضع القواعد
قد يُؤخذ مديحك على أنه ضرب من ضروب المغازلة أو التودد، فليكن مديحك مقتصراً على مدح الفكرة أو المنشور أو أياً كان ما تريد مدحه، دون المبالغة في مدح صاحبته.

كامرأة عربية لديها أسبابها في جعل صفحتها عامة، عانيتُ من فوضى التواصل هذه، وتعرضت إلى انتهاكات للخصوصية من قبل "الأصدقاء". أحيانا كثيرة كانت توقظني في منتصف الليل تحيات أو حتى اتصالات فيديو من قبل غرباء تصادف وجودهم على قائمة الأصدقاء أو المتابعين! وفي ظل هذه الفوضى في التواصل وغياب القواعد، لا يجب استسهال إلقاء اللوم على أي طرف، ولكنني رأيت أن من الأنسب لنا كنساء أن نحاول وضع بروتوكولات خاصة للتعامل معنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتكون مرجعاً للمسألة وتساعد على تقنينها.

لذا سأقوم بوضع بعض البروتوكولات للتواصل مع النساء في العالم الافتراضي، رغم اعتقادي بأنها قد لا تَلقى رواجاً لدى البعض ممن يجدون متنفساً حقيقاً في هذه الفوضى وتحرراً من القيود. لكنني رغم ذلك سأثبِّت هذه القواعد لأكون صوتاً لمن هنَّ مثلي من النساء ممن يطمحن إلى تجربة افتراضية هادئة، ولمن يؤمنَّ بأن التواصل الحقيقي المثمر يقع في مكان ما في العالم الواقعي خارج شاشات الهواتف والحواسيب. ذلك مع التشديد على أن هذه القواعد ليست مستقاه من الشرع، وأنها لا تسعى إلى تبرير التواصل أو جعله أخلاقياً، ولكنها تهدف إلى عدم إنكاره بدون جدوى، بل الاعتراف به كأمر واقع. نستطيع عوضاً عن التعامي عنه محاولة ضبط فوضاه لحماية المرأة قدر الإمكان، ولكل شخص في النهاية الحرية في قبول أو رفض هذه القواعد. فإليك أخي الرجل:

ميِّز رجاءً بين المتزوجة والعازبة

يجد البعض مواقع التواصل فرصة للتعارف الذي قد يفضي إلى علاقة جدية، وهذا أمر مفهوم، وفي سياقه تُفهم أيضاً مبادرات الرجل ومحاولات تودده، لذا فإن هذه البروتوكولات قد لا تكون صارمة في هذه الحالة. أما حين تكون الأبواب مسدودة في وجه تطور العلاقة نحو شيء جدّي، تظهر هنا أهمية الالتزام بالقواعد، فما يصح بين عازبَين لا يصح بين رجل وامرأة متزوجة، ولكن الكثيرين لا يميزون للأسف بين هاتين الحالتين، فإليك أخي القاعدة الأولى: ميز رجاء بين العازبة والمتزوجة!

تَقّبل أن يُساء الظن بك

هناك فجوة ثقة كبيرة بين الجنسين في المجتمعات العربية، لذا أنت مُعرض دوماً لسوء الظن أياً كنت بما أنك "رجل" قبل أن تكون فُلاناً بحد ذاته. فلا تعتبر الأمر شخصياً، وبادر بدرء التهمة منذ بداية "الصداقة" بأن تكون حريصاً على التزام القواعد، وألا تفعل ما يثير الشكوك.

لا تبالغ في المديح

ولأنك دوماً في موضع شك، فإن كلامك سيحمل في غالب الأحيان على محمل سيء، لذا قد يُؤخذ مديحك على أنه ضرب من ضروب المغازلة أو التودد، فليكن مديحك مقتصراً على مدح الفكرة أو المنشور أو أياً كان ما تريد مدحه، دون المبالغة في مدح صاحبته.

لا تبادر

مهما حاولنا إنكار هذا الأمر بالهروب إلى المثاليات، إلا أن الرغبة بالتواصل بين الجنسين ستظل قائمة، وإن النقطة الخضراء الصغيرة أو "متصل الآن" بجانب اسم "صديقتك" مع وجود مستطيل فارغ للكتابة وزر (أرسل) هو إغراء كبير لأي رجل بأخذ هذه الخطوة مع امرأة.
 
إن طبيعة الرجل في سياق علاقته مع المرأة تتسم أصلاً بالمبادرة، إلا أن مبادرته هنا غير محبذة طالما أن هناك صعوبة كبيرة في استقراء رد فعل الطرف الآخر. لذا باختصار لا تبادر في أي شيء، فإذا كان ثمة تواصل سيقع فليقع بعد مبادرة المرأة، فهي التي يجب أن تسمح أولاً بالتواصل، وهي التي يجب أن تُلقي السلام أولاً، وهي التي يجب أن تبادر بإطالة الحديث أولاً. لا يعني ذلك أن الفعل الآن أصبح مقبولاً أو أخلاقياً، لكن الالتزام بهذه القاعدة سيكون كفيلاً بحماية المرأة من مبادرات غير مرغوبة وسيمنع تطور الكثير من العلاقات، وذلك بسبب ضعف مبادرة النساء تجاه الرجال في غالب الأحيان وحمايتهن من الإلحاح.

لا أدّعي المثالية ولا أدعو إليها، فهي شيء لا يمكن الوصول له في ظل هذه الفوضى التي نعيشها، وأُقر أننا كلنا نكسر القواعد أحياناً، وكلنا لدينا أشخاص مستثنون منها، وكلنا نشعر أحياناً بالرغبة في التحلل من أي قيود.. لا أدّعي المثالية ولا أدعو إليها، فهي شيء لا يمكن الوصول له في ظل هذه الفوضى التي نعيشها، وأُقر أننا كلنا نكسر القواعد أحياناً، وكلنا لدينا أشخاص مستثنون منها، وكلنا نشعر أحياناً بالرغبة في التحلل من أي قيود.. 

 

أجمل وكن واضحاً

لو احتجت إلى مراسلة امرأة لشأن محدد فلا تُلق التحية ثم تنتظر، بل عرّف عن نفسك بوضوح، ثم اكتب ما تريد قوله دفعة واحدة في وضح النهار، وتجنب التواصل ليلاً. ستحصل على الرد لاحقاً وقد يتحول الأمر إلى محادثة مباشرة إن لزم الأمر، لكن تأكد دوماً مرة أخرى أنك لست المبادر بها. 

استأذن قبل أي تصعيد في التواصل

استأذن قبل خوض المحادثة، استأذن قبل الكتابة ليلاً، استأذن قبل الاتصال، استأذن قبل المزاح، استأذن قبل كل شيء وكرر استئذانك دائماً، وتقبل أن يُرفض.

لا ترفع الألقاب

اللقب في الحقيقة ليس إلا مسافة بين الجنسين، يجب ألا يتم تجاوزها بسهولة، فأن يخاطب الرجل المرأة بأم فلان أو أستاذة أو أختي أو مدام أو أياً كان اللقب، غير أن يقول لها "يا فلانة" باسمها الصريح. من المؤسف أن نجد الكثيرين يستعجلون رفع الكلفة مع النساء بغير استئذان، في حين أن المحافظة على الألقاب يُشعر المرأة بهذه المسافة الجليلة بينها وبين محدثها، فتطمئن في تعاملها معه، وتبقى حدود العلاقة أكثر وضوحاً.

وأخيراً، لا أدّعي المثالية ولا أدعو إليها، فهي شيء لا يمكن الوصول له في ظل هذه الفوضى التي نعيشها، وأُقر أننا كلنا نكسر القواعد أحياناً، وكلنا لدينا أشخاص مستثنون منها، وكلنا نشعر أحياناً بالرغبة في التحلل من أي قيود.. لكن ذلك لا يعني أن نستسلم لرغباتنا دون محاولة تقنينها. وأنا إذ أكتب هذه البروتوكولات فإنني لا أدعي بأن الرجال هم فقط المتَّهمون بالسعي للتواصل غير المضبوط مع النساء، بل لدى النساء أيضاً ذات الميل الطبيعي، ولكن الرجال غالبا هم من يبادرون. كما أن الرجال مبرمجون مجتمعياً للأسف على تحميل مسؤولية ضبط علاقاتهم بالنساء للمرأة وحدها، لذا يعتبرون مبادراتهم وإلحاحهم أموراً مبررة بكونهم رجالاً، وهذا يُشكل ضغطاً كبيراً على المرأة، فإذا وافقت أو أبدت ليّناً في التعامل أصبح إحجام الرجل عن المضي قدماً في هذه العلاقة غالباً آخر احتمال يفكر فيه.

وأؤكد مرة أخرى أن مبادرة المرأة أو تطور العلاقات بعد موافقتها لن يجعل تجاوب الرجل معها أخلاقياً، بل إن رفضه هو الآخر لهذه المبادرات واجب وحق مكفول ويؤجر عليه بإذن الله. ولكن حصر المبادرة بالمرأة يحصن النساء من أن يبقين دوماً في حالة توجس أثناء تعاملهم مع الجنس الآخر افتراضياً. كما يقلل من اضطرارهن للصد المتكرر الذي يجعل بيئة مواقع التواصل عدائية تجاه المرأة ويحد من فاعليتها فيها، ويزيد من هدر المشاعر والأوقات لكلا الجنسين. من هنا تنشأ ضرورة حفظ حق النساء اللواتي يردن النأي بأنفسهن عن هذه الفوضى، بأن نضيق على الرجل ونسلبه حق المبادرة، وأن ندع المرأة هي التي تقرر شكل العلاقة التي تريدها، وهي التي ترسم الحدود التي تناسبها، الأمر الذي سيقلل كثيراً من فرص تطور هذه العلاقات، وذلك بعيداً عن دعوات المثالية والحلول الأفلاطونية التي لم نجد لها ثمراً حتى الآن.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة