بين شوك الفَقْد و وردِ البديل!

مدونات - ألم الفقد

من الأمورِ التي نُدركها ونتفقُ عليها تماماً، وجود التفاوتات فِي الأنفس البشرية، تفاوتات على جميع الأصعدة، سواء في المقدرة العقلية أو الجسدية. تفاوتات تطول الصعيد الاجتماعي والثقافي ومما لا شك فيه على الصعيد الاقتصادي أيضاً. أمَّا الصعيد الذي سنضعُ له ضُماد الجرح عسى يتوقف نزفه، ألا وهو التفاوت فِي الصعيد والجانب "النفسي" وكما أدركنا مُعافى من لم يُصب بقلبه! يعكس التفاوت النفسي، مدى القدرة على التأقلم وفقاً للأوضاع الراهنة واستجابةً لمسألة قدرية لم تكن بالحسبان، ولم أرَ أصعب من التأقلم على مصير لا مفر منه أو حدث بلْوَرَهُ القدر ولا حيلة لقلوبنا ولا أيدينا نحوه! ومما لا ريب فيه أو هذا التأقلم الذي يُصيب قلوبنا عنوة ما هو إلا تنازلٌ كبير تحت نفوذ ورغبة القدر.

النفس البشرية متفاوتة بقدرة التحمل، وخاصة أو كان هذا التحمل يَتْبَعْ سبباً له علاقة بالموت أو الفقد أو الفراق، فهذه أشكال وأوجه لعملة واحدة تتشابه بالنتيجة وتتعدد بالأسباب. ليس الجميع منا يستطيع التكيّف مع حياته على النحو التي كانت عليه حياته قبل هطول أي شكل من الأشكال التي ذكرتها للتو! وبطبيعة حكم أن أغلبنا يمر بعاصفة تغير حياته تنخر بذاكرته، تحول طرقات قلبه إلى طرقات جوفاء لا نور ولا ضياء يسكنها. فليس الجميع منا يستطيع التكيف مع هذا الحدث العصيب بنسبٍ متساوية، فالمسألة وخاصة إن كانت لها علاقة بالفقد، قدرة التكيف معها يكون بنسبٍ متفاوتة، أي أن الأمر في هذا المنطلق يمس النسبية وليس المطلق.

فمنا من يستطيع التأقلم بعد فترة قصيرة وتعود حياته لطبيعتها، ومنا لا يكون لديه أي أدنى تأثر أو ما شابه وهذا نادر، فنحن وبطبيعة الخلق من لحم ودم وعلى الجانب الأيسر قلبٌ ينبضُ بالحياة والمشاعر. ومنا أيضاً من لا يستطع التأقلم، فتؤول به حياته إلى جحيم يدوي في أجزاء مستقبله الذي بات مُظلماً، فلا حياته تعود كالسابق ولا هو يعودُ لنفسه! هذه هي احتمالات قدرتنا وضعفنا حيال تعرضنا لحفرة من حُفر الفقد! وما أريد الوصول إليه مقرون بمدى تقبل البديل أو ذلك العوض عندما تحل علينا مصائب مسيريه وقدرية. دائماً وفِي أوج مصائبنا تترددُ على ألسنة البعض سواء من جارٍ قريب أو صديق عزيز كلمات وعبارات المواساة: (أبدلك الله خيراً) (عوضك الله خيراً).

ما أجمل العوض المادي الذي يلمس الأشياء المرئية، الفرص اللامتناهية، الأمتعة الدنيوية، وما أصعب احتواء بديل أو عوض جديد يسِدُّ ثغرة فقد أو فراق!

لا أريدُ في هذا الموضع، فهم الأمور بالشكل المغاير لِما أريد إيصاله، ولا أريد الوصول والحكم على أنني أرفض ذلك العوض وذلك البديل، لا أريد أن تُفهم هذه المسألة على هذه القافية أو بهذا السياق. بدايةً وبالرجوع لموضوع التفاوتات البشرية، فهنالك أيضاً تناقضات بشرية وآراء مختلفة، وما كان قاعدة عامة في موضع، ربما في نفس الموضع يكن الشاذ هو القاعدة، فلكل قاعدة شواذ. عوض الله ما أجمله وما أبهاه، حتى في منعه كل العطاء، وفِي حكمته كل الصواب. العوض الذي يأتينا تباعاً لمصيبة هطلت على حين غُرة، أو فرصة ذهبت من بين أيدينا دون إدراك سبب فقدها، كله عوض مادي مقرون بالحمد التام، الذي لا يتخلله أي لبس، فحتماً عوض الله يبقى الأجمل والأقرب للنفس!

ولكن الأب حين يُتوفى هل ستعوضنا كنوز الدنيا كلها، بظفر منه أو بشيبة شعر في رأسه! هل الأب يُعوض؟ والأم وما إدراك ما الأم هل يُعوض فقدها؟ حبيبٌ عزيز، طيف استثنائي، أمل طويل، سعادة عابرة، خيال أزرق من حب لا يموت! هل يا تُرى عند فقده أو فراقه سنأتي بالبديل! وهل ستستطيب روحنا هذا البديل؟ ما أجمل العوض المادي الذي يلمس الأشياء المرئية، الفرص اللامتناهية، الأمتعة الدنيوية، وما أصعب احتواء بديل أو عوض جديد يسِدُّ ثغرة فقد أو فراق! ما أصعب البديل الذي يصيب الأرواح، فلكل روح مكان ولكل مكان أثر ولكل أثر لا زوال فيه!

حين نتعرض لصفعة فَقْد أو ركلة فراق، يبقى هنالك ثغرة تنتظر شربة ماء من غائب أو حبيب غادر إلى مكان آخر سواء في السماء أو في الأرض. فالفقد والفراق أشواك مُرة ترفض ورود البديل وشموع العوض. ولكن وبطبيعة جُبلت عليها النفس البشرية، ورجوعاً لموضوع التناقضات والتفاوتات فالنفس البشرية تتفاوت أيضاً بالوفاء بالصدق بالإخلاص. وكأمر مؤكد ليس كل من سيقرأ هذه الكلمات سيتأثر بنفس القدر الذي سيتأثر به زوج فقد زوجته وعاهد الهوى أو يبقى على ذكراه، أو فتاة في مقتبل عمرها العشريني فقدت أمير حكايتها الأول (والدها)، أو شاب أخذت منه الدنيا أنقى وأطهر صديق وخليل. جميعهم سيلمسون دفء ماء الوجع الذي قد تكون أثارت فيهم حفيظة الحزن المدفونة منذ ساعة الفقد، ولكن وكما ذكرنا بنسب متفاوتة وبآثار مختلفة حدتها.

وكتعقيب وما أجمل التعقيب حين يكون بمواقف من سيرة مسك الختام وأشرف المرسلين سيدنا محمد ﷺ، لم يخجل ويستحي من حبه لزوجته خديجة حين قال: إنِّي قد رُزقْتُ حُبِّها. ولكن خديجة ماتت ولم تمت ذكراها حتى وإن أتى البديل حتى وإن أتى العوض، فرسولنا الكريم أنصفها حتى وهي بقي على وفائه بها وما انفك عن التباهي بحبه لها، وذلك كان حين سألته عائشة أم المؤمنين – رضى ﷲ عنها: "أما زلتَ تذكر خديجة وقد أبدلك الله خيراً منها " فكان ردُّ حبيبنا ﷺ: "والله ما أبدلني الله خيراً من خديجة".

ما أجملك يا سيدنا، أراد أو يُنصف من كانت جيشه، أمه أباه، عشيرته، لم يجعل للوفاء أي ثغرة أو منفذ كي يتسلل من خلالها إلى الضياع أو التلاشي، فأراد أو يحفظها ويحفظ حبه لقلبها كما أنَّها لم تمت! فهنالك بشر لا تُعوض ويستحيل القلب تقبل البديل، وتجاه ذاك وذاك ليس باليد حيلة وضاعت سلطتنا على قلوبنا!