مفاهيم من قبس الوحيين.. "وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"

عن خباب بن الأرت قال: "شكونا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون."

الغاية، والمصير، هما السؤالان الأزليان اللذان ما تزال الأديان والخرافات والفلسفات بكل أنواعها تبحث عن إجابةٍ لهما، تبحث عن ما يجب أن تقوله عندما تسأل نفسك (لماذا أنا هنا، وماذا بعد الحياة؟). إن العقل الطبيعي يعلم مراتب الأشياء وبضعها موضعها، وإنه ليعلم أن النجار والخشب لا يستويان، وأن الطباخ والطبخ لا يستويان، وأن كل صانع ومصنوع لا يستويان، فالمصنوع هو ملك للصانع، كلّه بلا استثناء هو ملك لمن صنعه، إن أراد كَسَرَه وإن أراد جَبَرَه، وأنى للعبد أن يعترض على سيده.

إن الصانع الأول والأقدر والأعلم خلقنا لنكون له عبادًا، ولم يظلمنا حاشاه، ولم يتركنا هملًا نواجه أسئلتنا المصيرية لوحدنا، بل ترك لنا رسالةً في سورة البقرة لسبب وجودنا: "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" وأخرى لنهاية حياتنا الأخروية مذكّرًا إيانا بعظمته وملكه وربوبيته: "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ*" وهكذا يلخص لنا القرآن مسيرتنا في هذه الحياة الدنيا كاملةً. ولكن هناك قاعدة أساسية في ذلك المسير الدنيوي ستنطبق عليك، شئت أم أبيت، أطعت أم عصيت، آمنت أم كفرت، فإنك سوف تمر في ذلك الاختبار، والعاقل من يستغله للارتقاء في درجات الجنان، إنه الموجود في بداية سورة العنكبوت: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ".

ابتلاءاتك اليومية صغرت أم كبرت، تلك التي لن تنتهي، هي جزء من تكوينك الذي خلقك به الصانع الأعلم والأقدر، حيث وضع فيك المقومات المناسبة لتحمّل تلك الابتلاءات

إن الخالق الذي خلقنا حدد لنا طريقًا لن يحيد أحد عنه، هو طريق الابتلاءات والفتن والملاحم الدنيوية التي سنمر فيها، حيث لا كبير هناك، الكل سيعاني وتختلف درجات المعاناة وأوقاتها أيضًا، بين معاناة لرفع الدرجات وأخرى لخفضها، ومعاناة للكفار عقوبة على كفرهم في الآخرة، وأخرى للمسلمين امتحانًا لهم للارتقاء في درجات المحبة. إنك تعيش حياتك بين درجاتٍ من الابتلاء، مرة في النفس، ومرة في المال، وأخرى في الدين، ورابعة في الجسد وغيرها وغيرها، ولا تخرج من واحدةٍ حتى تقع في ثانيةٍ، والنبيه هو من يلجأ إلى مالك الملك.

إن الله عز وجل قال في القرآن: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا اِلَّا وُسْعَهَا"، إن الصانع يقول إنه هيّأ المصنوع لهذه الظروف، فلماذا نكذب على أنفسنا ونقول إنها أكبر من تحملنا؟ بل نرى في الآية الأخرى تأكيد ذلك المعنى: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا"، إن الله عز وجل وضع فينا كل القدرات اللازمة لاحتمال ذلك البلاء، لكننا نستعجل!

إن الله تعالى يبتلي من المؤمنين من أراد به خيرًا، ومن أراد تجهيزه لأمور أكبر، ليجعل الله ذلك تحضيرًا وتهيئةً لهم للأمور العظمى كما حصل مع الصحابة في أُحُد، وكما هو الحال مع البلاء غير المنتهي الذي ذاقه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث عاش مخرجًا من مكة، ومات مسمومًا، وبينهما تعرض للسحر ومحاولات القتل والإصابات في المعارك ومكايد الأعداء وغير ذلك، وأجاب عندما سُئِل عن البلاء بإجابات متعددة كلها تسلية وتصبير للمؤمن: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل" وقال توجيهًا للمؤمنين للتعامل مع البلاء: "عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".

بينما يكون بلاء الكفار وبالًا وعذابًا عليهم يوم القيامة، وهم في الغالب يتنعّمون في حياتهم الدنيا ويفتن بهم من يظن أن المقاييس التنعّمية هي المقاييس الدنيوية: "أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ" بل إن الآية الأخرى أشد رعبًا: "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ"، أعطاهم الله كل شيء! كل شيء! حتى يزيدهم غوايةً وضلالًا، وللمؤمنين أيضًا كل شيء، ولكن في حياةٍ أخرى، في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، فليفرحوا هم بالعاجلة، فللمؤمنين الآجلة: "وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ".

إن ابتلاءاتك اليومية صغرت أم كبرت، تلك التي لن تنتهي، هي جزء من تكوينك الذي خلقك به الصانع الأعلم والأقدر، حيث وضع فيك المقومات المناسبة لتحمّل تلك الابتلاءات، وأعطاك خيارًا أن تكون فوق الملائكة إن صبرت عليها وشكرته على تلك الفرصة. وإن كونك إنسانًا يحتم عليك التعامل مع تلك الابتلاءات عاجلًا أم آجلًا، فلا مفر منها إلا إلى مكان واحد: "فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ"، وأي فرار إلى مكان آخر هو خسران عظيم!



حول هذه القصة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب منظمة الأوبك وحلفاءها لعدم خفض إنتاج النفط العام المقبل حتى لا تصعد الأسعار، بينما تتجه المنظمة لإقرار خفض بنحو مليون برميل عندما تجتمع اليوم بفيينا.

6/12/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة