عادات الصحراء ومُحركات الحرية

blogs صحراء

تسعى العائلة العربية إلى إخفاء كل ما يخالف عاداتها من سلوكيات في سبيل الإبقاء على درجة حرارة الأقارب بعيدةً عن الغليان، وربما تضطر أحياناً إلى قلب الحقائق لتحافظ على سمعتها في الأوساط الاجتماعية، وتمكنت العائلة العربية قبل ظهور الإعلام الجديد وما رافقه من سرعةٍ في انتشار الفضائح من إخفاء الحدث أو نفيه لعدم وجود الخبر بين أيدي المتداولين ولكن مع تقدم وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الشبكة العنكبوتية في متناول القارئين لم يعد بإمكان أحد أن يُخفي أيَّ فضيحة إذا نُشر شيءٌ منها على اللوحة الذكية.

ويتباين اعتبار الفضيحة باختلاف العادات والتقاليد فكل مجتمع قد أقرَّ عاداته وتقاليده وفضائحه، فالمجتمع الذي ترتدي سيدته خيمةً سوداء لا يرى منها سوى قماش يتحرك باتجاهات متعددة دون أن يظهر شيئاً من وجهها أو شخصيتها منبعثاً منها غبار الصحراء وعاداته البدوية القديمة، يختلف عن نظيره الذي ترتدي سيدته أنواع الموضة العصرية مناقشةً الجنس الإنساني بكافة التفاصيل، متصدرةً المشهد على وسائل الإعلام معبرةً عن التكامل مع الجنس الذكوري في المجتمع البشري الواحد.

ومن داخل العالم العربي وفي أحيائه الدقيقة قصةُ امرأة تقود سيارةً في إحدى شوارع الأرياف ثم يجتمع حولها الأولاد الذين رضعوا العادات والتقاليد منذ نعومة أظفارهم محاولين الاحتفال بالتعبير عن تحوُّل المرأة العربية نحو التقدم والحضارة بمراسيم الفضيحة، فكلما دخلت الشارع الذي تسكنه اصطف الصبيةُ على أطراف الشارع، وانهالوا عليها بالتصفيق والهتاف وإطلاق الشعارات التي تستنكر مخالفتها لعادات وتقاليد ارتضاها الناس لأنفسهم فترةً من الزمن. ربما كان ذاك المشهد طبيعي في العديد من العواصم العربية فمن المألوف أن تقود المرأة الحافلة ولكن العديد من العادات أصبحت بمثابة القيود والاغلال والتي تمنع تقدم الحياة وترفض الاختلاف بين الأجيال مستنكرةً على ممارس التغيير سلوكه البعيد عن عباءة العادات وأحكام التقاليد.

من العادات المنتشرة أنَّ بعض القبائل العربية الملتزمة بالأعراف البدوية القديمة والمبتعدة عن حياة المدينة المعاصرة تأنف من الأعمال المتعلقة بالتجارة أو صناعة المطاعم أو حتى أعمال القصابة

ولا يتوقف اعتبار التغيير شكلاً من أنواع الفضيحة على المرأة فحسب بل تعداها إلى الرجال. فشاب ثنائي الجنس يغلب عليه المظهر الأنثوي ويمتلك مقومات الذكورة لسبب خَلقي، خشي أهله على سمعة العائلة من الفضيحة فلبث 36 سنة دون أن يُعالج وبعد مرور تلك السنوات الطويلة على حالته الصحية اقتاده رجل غريب إلى العلاج وفعلاً تحوَّيل إلى شاب كامل الذكورة ليواجه بعدها صعوبةً شديدةً في الاندماج مع المجتمع العالم بحقيقته السابقة ولكن قوة المنطق تغلبت على العادات والتقاليد وأصبحت قصتهُ رواية انتصار على عادات ليس لها في ميزان البشرية أي وزن.

ومن العادات المنتشرة أنَّ بعض القبائل العربية الملتزمة بالأعراف البدوية القديمة والمبتعدة عن حياة المدينة المعاصرة تأنف من الأعمال المتعلقة بالتجارة أو صناعة المطاعم أو حتى أعمال القصابة مثل: بائع اللحم، وذابح الحيوانات وتعتبرها في منزلة لا تليق بها متخذةً من الزراعة مهنةً عالية المستوى تتميز بها على الآخرين، ومن الأحاديث التي انتشرت مؤخراً أنَّ رجلاً من الصحراء ممن يمتهن تلك الأعمال الأقل حظاً تزوج من امرأة ذات حسب ونسب مرموق ونتيجةً لقانون الخيمة في صحراء العرب لم تسمح له القبيلة باستمرار ذاك الزواج، ثم فرِّق بينهما للحفاظ على سمعةِ العائلة، وخوفاً من اختلاط الأنساب الراقية بغيرها التي تُعدُ الأقل حظاً.

تقاليد توارثتها القبائل العربية في صحراء اعتادت على رفض التجديد وحاربت كل من يسعى إليه لسان حالها يقول: "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ"، وحتى تتغير تلك الثقافة ويصبح من حق الناس ممارسة الحرية الشخصية التي لا تؤثر في نظام الحضارة وركب التطور نحتاج لسيل ثقافي عرم يجتاح كل المنطقة الرافضة للحداثة والتطور، فمن يمتلك مقومات الحياة يركب سفينة النجاة ويبحر نحو شواطيء الحضارة ويمارس الإنسانية الراقية وبالمقابل فمن يتمسك بالعادات البالية ستغدو حياته مجرد روايات تُحكى في الزمن القادم يتحدث عنها الناس مستمتعين بسردها القصصي مستغربين من قسوة أحداثها.

لا نحتاج اليوم إلى الدخان الذي يمنع رؤية المستقبل ويؤثر على صحة الإنسان بالموت ويظنه البعض عقاباً من عند الله تعالى ويُعده الآخرون مكرهةً صحية، ولكننا نريد إشعال الوقود الذكي داخل حجرة تشغيل المحركات العصرية كي نغادر مكان التخلف من كوكبنا السيار نحو الفضاء الواسع تاركين الأغلال والقيود المحيطة بالعقل كإحاطة السوار بالمعصم منطلقين مع كل الأحرار في عالم البشر نحو حياة جديدة تصلح شأنَّ الإنسان وترتقي بنهضته نحو الحرية والتفوق.