حدث في مثل هذا اليوم!

blogs - facebook

أ: ماذا تفعل عند كل صباح؟
ب: أظن أن تسمية "فيس بوك" كموقع للتواصل الاجتماعي فيها من الحدّ والتقزيم الشيء غير القليل، وأظن أن إدارة الموقع ما تزال تتمسك بهذا الوصف للتنصل من أي مسؤوليات مستقبلية قانونيا وربما سياسيا قد تقع عليها.

ما يحدث في فيس بوك هو كتابة للتاريخ من نوع آخر، أذكر أن طارق السويدان كتب مرة أن "ابن الجوزي دون خواطره في كتاب "صيد الخاطر" وأنا أدون خواطري على تويتر". تأكيدًا لذلك، أضاف فيس بوك خاصية on this day، وهي قريبة لبرنامج شهير كان يعرض على عدد واسع من الفضائيات بنسخ مختلفة بعنوان "حدث في مثل هذا اليوم". غرض البرنامج الظاهر هو التأريخ، والباطن يترك للمشاهد إن استطاع استقاء الدروس والعبر.

 

في فيس بوك أنت تشاهد ما أحدثته أنت في مثل ذلك اليوم عبر احتكاكك بأصدقائك ومتابعيك، إذن هو يقدّمك وكتاباتك كمركز للأحداث وجزء من تأريخ الرأي العام لما حدث في ذلك اليوم. من الجيد أن تتابع كتاباتك تجاه قضايا أبديت رأيك فيها يوما، وما زلت تمتلك رأيًا وإن توقفت عن إبدائه. اقرأ وقارن: هل تغيرتُ؟ هل تطورت؟ هل ما تزال رؤيتي للأحداث كما كانت؟ هل ما زلت أمتلك ذات الدوافع؟ هل تغيرَت أرضية النقاش؟ هل ما كان لدي من قيم قد تغير؟ هل ما تزال روحي هي روحي؟ هل كذبت مرة؟ هل أصبت مرة؟ هل أجبرت فلانا على رأي وفق استشهاد مغلوط؟ ليست هناك إجابة صحيحة لتلك الأسئلة، "الثابت" ليس أسدًا، فالتغير سنة الكون، وعلامة النضج. و"المتغير" ليس مرنًا، فالتلون سنة الغض، وعلامة الطيش.

العودة لقراءة ما كنت تكتبه سابقا على قصاصات ورق، أو – الأدهى – عبر هذا المكان الأزرق قد يصيبك بالاكتئاب، لفارق ما ستجده من عنفوان تجاه فكرة ما تبين لك سخفها – في أفضل الأحوال – مؤخرا

يسوؤني نهمي في الكتابة والتحليل في فترات سابقة بمقابل تشدد مختصر من أصدقاء وزملاء طوت السنون آراءهم وآرائي بعد أن حكمتهم أيدولوجيا صعبة، لأشاهدها – بعد سنوات – ونتائجها وإذ بها كما يجب أن تكون: كارثية الأثر لا يرجى إصلاحها. تسوؤني مستجدات نطرح فيها آراءنا مجددًا ويصر صديقي الأيدولوجي صاحب الإجابات الكاملة على رأي بناه كما بنى رأيه الكارثي السابق، وكأنه لا نريد التعلم. تسوؤني بقايا أيدولوجية التصقت لتنتج من رأيي أضحوكة يراها القاصي والداني. ويسوؤني أصدقاء انتقلوا من أيدولوجيا إلى أخرى كصورة معكوسة، وبقيوا في تشددهم كما هم. لا يمكن للإشكالية أن تحل قبل الاعتراف بكونها إشكالية، وكلنا – يا صاحبي – ذوو إشكاليات. المهم أن نتعلم، والتاء في "التعلم" للدافع الذاتي.

أ: يعني ماذا تفعل كل صباح؟
ب: أفتح on this day، فإما يوم جميل، وإما آخر نكِد. وأنت؟

أ: دعنا نعترف أن العودة لقراءة ما كنت تكتبه سابقا على قصاصات ورق، أو – الأدهى – عبر هذا المكان الأزرق قد يصيبك بالاكتئاب، لفارق ما ستجده من عنفوان تجاه فكرة ما تبين لك سخفها – في أفضل الأحوال – مؤخرا، أو لتنبيهك من حولك لئلا يقعوا في أفخاخ بدت لك واضحة كبيرة كي لا يودوا بأنفسهم وبك وبمن حولكم سوية.. فوقعوا بها وجروكم جميعا في نسخة افتراضية حديثة من "ذات السلاسل". سيبدو هذا مخيفا في مرحلة ما أيضا، تخاف من أن تكتب لئلا تعود وتكتئب مجددا وتسخط على من حولك في دائرة مغلقة. الدلائل أضحت مكشوفة، الحصول عليها متيسر، ونفيها من قبلهم (أو ربما قبلك أيضا) عبث، لكن النفي يحدث (وهنا تتجلى عبقرية هذا الكائن المتفرد)!

سألني أحد الأصدقاء مرة عن تحول فكري حاد لإحدى الزميلات، تبعه تحول عملي شخصي، قلت له: واحد اثنين: وقت فراغ طويل يفضي لتأمل كثير وأسئلة واسعة، أو صدمات متعاقبة في فترات قصيرة، والثانية ما تبقى من شباب العرب أحد إلا وألمت به منها شرارة خلال السنوات القليلة المنصرمة. مؤلم أن ترى بداية الأحداث واشتدادها ونهاياتها، ومواقف البشر حيال ذلك، الأكثر إيلاما أن من يشار – أو من كان يشار – لهم بالبنان في مجتمعاتنا الساذجة – بلفظ ملطف – كانت مواقفهم وأطروحاتهم الفكرية أكثر سذاجة. الصراخ المشتد حول موجات الإلحاد والتحلل سبقته أسئلة كثيرة واسعة حول الوجود والحقيقة والماورائيات لم يستطع السيد صارخ إجابتها – حينها – فزندق أصحابها وارثا تراث سلفه الذين سبقوه. طيب، لماذا نلوم الغارق في ملذاته حتى الثمالة.. "النافع" لشخصه وأسرته ونتهمه بالأنانية، في حين أن المؤثرين غرقوا وأغرقوا؟ لربما ما يخيفنا – والنون افتراضية – من السير على دروبهم هو فقدان لذة ما نشتهي فور الحصول عليه.

أخبرت ذلك الصديق عن حيلة نفسية أمارسها مع ذاتي بأن أؤخر الحصول على ما أرغب كي أجعل لدي بعض الشغف نحو الحياة بما فيها، كي لا أفقد ما تبقى من نزر يعين على الاستمرار. هل سنفقد "لذة" من نحب إن "حصلنا عليهم"؟

– ب: لم أفهم شيئا.
– أ: ولا تعلم لماذا؟
– ب: لماذا؟
– أ: لأن الفارق بين الإجابتين 3 سنوات.