توقف قليلا واستمتع بالرحلة!

blogs تأمل

الحياة عبارة عن رحلة كبيرة ومجموعة من الرحلات الصغيرة هنا وهناك. بعضها انتهى وبعضها الآخر ما يزال مستمرا. رحلة إلى المدرسة والجامعة في الماضي، ورحلة إلى العمل كل يوم. هنالك أيضا رحلة الزواج وتكوين العائلة.. ورحلة أخرى لتوصيل الأطفال إلى المدرسة أو النادي كل يوم.. والمزيد المزيد مما هو على شاكلة ذلك. ما أريد قوله هنا أننا وفي خضم هذه الرحلات، قلما نتوقف قليلا وننظر لما هو حولنا، ونتفحص أين تقف أقدامنا، والمسافة التي قطعناها، أو تلك المتبقية لإتمام الطريق والوصول إلى حيث نريد. لا نعني بالتوقف هنا ذلك الناجم عن التعب والملل أو اليأس والهزيمة. إنما ذلك التوقف المدروس، والذي يسعى للمراجعة والتصويب أولا، وتقدير الإنجاز ثانيا!

من الجيد أن تملك هدفا ما، وخطة وبرنامجا معتبرا لتحقيقه والوصول إليه. ومن الجيد كذلك أن تبدأ من فورك وألا تنتظر طويلا حتى تكتمل كل الأمور. لكن من الضرورة بمكان؛ أن تُقيم خطتك كل فترة من الزمن، وأن تراجع المرحلة التي وصلت إليها. والأهم من كل ذلك، أن تتدارك الأخطاء والعثرات التي واجهتها. ما يغيب عن ذهن الكثيرين منا، أن هذا التوقف أحيانا مفيد لأمر آخر مختلف. التوقف قليلا سيعطيك فرصة جيدة لتقييم ما وصلت إليه لجهة تقديرك لذاتك؛ الأمر الذي من الصعب أن تلاحظه وتستوعبه بشكل واضح خلال المسير. فالمسير الطويل قد يُنسينا وأحيانا قد يُغفلنا عن إنجازات كثيرة حققناها دون أن نشعر بذلك.

من الجيد أن نُبقي أعيننا دائما مثبتة على الهدف ولا شيء سواه. لكن من الجيد كذلك أن نَعِي أن تحقيق الإنجازات والوصول إلى النهايات عملية ليست بالسهلة، وأن الزمن المتوقع لذلك لن يكون بالضرورة ضمن التوقعات

في بداية طريقك للبدء بمشروعك الخاص، ستستثمر من المال والجهد والوقت الكثير الكثير. وبعد مرور الأشهر وربما السنوات، قد تكتشف أن الطريق ما زالت طويلة وصعبة وأن تثبيت الشركة جيدا على أقدامها في السوق، ليس بالأمر السهل أو الهين. حينها ستعلم أن مزيدا من الوقت والجهد وربما المال مازال عليك الدفع بها مجددا. قد تصاب بشيء من الإحباط حينها، والذي بدوره قد يولد يأسا سيدفعك للتوقف تماما وإنهاء الرحلة كلها. هنا لا بأس بشيء من التوقف؛ لكن من دون أن يكون هذا التوقف نهائيا، ومن دون أن تطيل الوقوف كثيرا. اجعل من الأمر فرصة لتقييم الأداء، وللنظر في مآلات الأمور، والبحث مجددا في كيفية معاودة المسير، وإتمام الأمر الذي بدأته. فائدة التوقف هنا أنه سيمنحك بشكل أو بآخر فرصة لتلاحظ ذلك الكم الهائل من الإنجازات والتحديات والعقبات التي تغلبت عليها منذ أن بدأت المشوار. ستلحظ صفات ومهارات كثيرة قد اكتسبتها، ومهام كثير قد بدأتها واستطعت إنهاءها.

سيصيبك شيء من الدهشة، لأنك ستتذكر فورا كيف كانت البداية مجرد أحلام متواضعة، وأنك حينها لم تكن لتجرأ على تخيل مقدار المسافة التي قطعتها، وأنك تقف حيث أنت اليوم. أنت ببساطة لم تلحظ كل ذلك؛ لأنك ما زلت ترى أن الوصول إلى الهدف ما زال بعيدا، وأن الجهد المطلوب ما زال كبيرا. من الجيد أن نُبقي أعيننا دائما مثبتة على الهدف ولا شيء سواه. لكن من الجيد كذلك أن نَعِي أن تحقيق الإنجازات والوصول إلى النهايات عملية ليست بالسهلة، وأن الزمن المتوقع لذلك لن يكون بالضرورة ضمن التوقعات!

عندما تتأمل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ سيتبادر لذهنك البشري المحدود، أن السيناريو المثالي لسيرته؛ أن يشهد بنفسه وصول دعوته أرجاء الأرض كلها، وأن يرى تلك الفتوحات العظيمة، بل وأنت تكون على يديه. بيد أن ذلك لم يحصل، وجاءت الفتوحات العظيمة كلها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. هي سنة الحياة، أن تأتي الإنجازات أحيانا متقاربة وأخرى متباعدة، وأن يتحقق ما نصبوا إليه في حياتنا أو من بعد مماتنا. لكن كل ذلك لا يجب أن يمنع أحدنا تقديره لذاته، والبناء على إنجازاته المتتالية، بمتابعة المسير والتصويب والتحسين دائما. أبقِ عقلك دائما متيقظا، ولا تحرم نفسك وقلبك لذة الاستمتاع باللحظة التي أنت عليها الآن.