شعار قسم مدونات

أرى ملامح والدي على غيمة مبتسمة!

blogs أب

أقف على الدور، انتظر الخياط ليُحضر ملابسي التي طلبت تعديلها. فإذا هناك فتاة ووالدها يريدان اخذ بدلة الخطوبة. الفتاة تناقش الخياط وتسأله باحثة عن تعديلات طلبتها، وأكدت على عدم وجودها. تَدخل الأب لحل هذا الجدال قائلاً: "مش مشكلة، تمام التمام"، وأخذ الفستان وهَّم بالخروج، وقبل خروجهما من باب المحل قال لها مداعباً: "ينعن ابوكي يابا!، مش محرزة، ضروري هالخرز ينحط على الداير؟!". "قالها بلهجته الفلسطينية الجميلة؛ التي تعبر عن اعتراض الوالد عما تفعل ابنته ولكن بحب!". وبمجرد سماعي لمسبته التي قالها، شعرت بشيء غريب، اقشعر بدني، وابتسمت شفاهي، وأدمعت عيناي فوراً، وقلت في ثنايا عقلي: ياه، اثني عشر عاماً، وأنا محرومة من صوت والدي!

ركبت وسيلة النقل المعتادة إلى المنزل، وكعادتي، أخرجت كتاباً أحمله في حقيبتي، وفتحته لأقرأ. تاه عقلي وسرح عن النص. التفت أنظر إلى السماء الصافية، إذا بملامح والدي تبتسم لي، من على غيمة مبتهجة بخروج الشمس بعد منخفض جوي حاد. فهاجت مشاعري مجبرة، وتحررت دموعي من سجنها المؤبد. فارتديت نظارتي الشمسية كي لا يلمح أحداً دموعي الملتهبة. وبدأ شريطٌ من الذكريات يعرض أمامي. في ذاك اليوم الأسود، وعلى عجالة من أمره، أفرغ كيس البول الخاص بوالده؛ الذي يجابه الموت ببندقيته الثورية، واتجه إلى المطبخ ليتناول معلقتين من طبخة المُجدّرة البائتة، وأسرع مهرولاً إلى صلاة المغرب قبل انقضائها، فباغته الموت على سجادة الصلاة. صعدت روحه الطيبة في آب صيفي حار، فغابت شمس النهار حزناً على غياب شمس بيتنا، واكتمل القمر بدراً، ليخفف من فاجعتنا.

حملوا نعشك إلى منزلنا، ووضعوه في وسط الصالة. فجأة، امتلاً المنزل بجموع غفيرة! رفعوا الغطاء عن وجهك الأسمر المتجمد، ورموشك السوداء الطويلة. اشاح وجهي النظر إليك هرباً، باحثاً عن وجهك الحقيقي الحيّ الذي أعشق. أصرت امرأة عظيمة أدعوا لها بالرحمة، أن أودعك وقالت: "ستندمي لاحقاً، ان لم تودعيه الآن"، واستسلمت لرغبتها مسلوبة الإرادة. فكُنت آخر من جثا ليودعك. برجفة قرأ لساني كل السور والآيات التي أحفظها، وأنا أمسح بيدي المتجمدة المكسوة بأوجاع الفقدان، على جسدك الطاهر البارد. فقدت نفسي في تلك اللحظات، وتجمد كل الألم، انصهرت مشاعري ودموعي، فلا مكان للألم الآن، وانما رجاءً لله بالشفاعة والرحمة لك. ثم قبلتك، قبلة دافئة حارة، اذابة كل البرودة في جسدك المحفوظ بالثلاجة منذ الأمس. 

إذا كنتم آباءً، تأكدوا دائماً أن تشعروا أبنائكم بالآمن والأمان، وكونوا آخر من يغلق باب المنزل. كونوا سندً مهما فعلوا من أخطاء، احتوهم دائماً، ساندوا وارشدوا أولادكم فإنهم بحاجة لبوصلة توجههم

كَبتُ هذه المشاعر، واللحظات المغروسة في قلبي كسكاكين منذ اثني عشر عاماً، لتخرج في النهاية على شكل مدونة لأقول لكم: إذا كان والديكم على قيد الحياة، وكنتم ترفضونهم لسوء أخلاقهم، أو لسوء معاملتهم، أو لظروفهم المالية الصعبة، فعليكم التفكير بالأمر جيداً! أما إذا كنتم تحبونهم، وتدللونهم، وتقدمون لهم الكثير من العواطف، فهذا أمر جلل وعظيم. فمن تجربتي التي عشت، عندما يموت الأب تموت الفرحة في داخلك، فتفقد معنى: الأمن والأمان، السند، والقوة، والحياة. فصدق المثل الهندي القائل: "نعرف قيمة الملح عندما نفقده، وقيمة الأب عندما يموت".

 

فبعد موته ستتعرض للكثير من المواقف والأحداث بعد؛ فستشعر أنك وحيد على جزيرة، يحيطها أسماكٌ من القرش؛ التي تحاول نهشك!، ومن كان قريباً منك سيبتعد عنك ليتركك تغرق في حزنك، وسيحاول البعض استغلال وحدتك، وأكل مالك، وملاحقة رزقك، وجرح كرامتك، ويستكثروا عليك أي نجاح تحققه، والشفقة عليك لأنك بلا سند، فتكشف لك الأيام عن معادن الأشخاص، وحقيقتهم، وخاصة أقرب الناس إليك. فرفقاً بمن فقد والده، فإن في قلبه ثقل كافي لقتله، فكل هذه المواقف ستزيد من هم اشتياقه، واحتياجه له، فتؤذي مشاعره وتقهر وتقتل كل أمل فيه للعيش بسلام.

 

هل جربتم وتخيلتم يوماً شعور فتاة ستزف إلى عريسها، ووالدها ليس من يسلمها إليه؟! أو من يوجد في جلسة عائلية وكلاً موجود بجانب والده الا هو؟!، لذا كرم الله من فقد والديه في قرآنه العظيم عدة مرات: فقال جل جلاله في سورة الضحى "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ". وللفت الأنظار تحتفل بعضاً من الدول بيوم اليتيم وهو يوم الجمعة الأول من شهر نيسان. لذا؛ ابذلوا جهداً عظيماً في أن تكونوا سعداء مع اهلكم، وأن تعوضوهم عما قدموه لكم في طفولتكم من رعاية، وحب، وعناية. واسوهم وخففوا من هموم الحياة التي تزداد مع زيادة عمرهم. عيشوا معهم الدقائق والثواني القادمة بفرح، كي لا تندموا لاحقاً فالعمر قصير، حقاً قصير!

أما إذا كنتم أباءً، تأكدوا دائماً أن تشعروا أبنائكم بالآمن والأمان، وكونوا آخر من يغلق باب المنزل. كونوا سندً مهما فعلوا من أخطاء، احتوهم دائماً، ساندوا وأرشدوا أولادكم فإنهم بحاجة لبوصلة توجههم، إذا اخطأوا حاسبوهم ولكن بذكاء، بدون أي تعنيف، كي لا تتركوا أثراً للتعذيب النفسي لديهم. افتخروا بأحلامهم مهما كانت بسيطة، فأنها ضمن قدراتهم وطاقتهم، اعملوا بكل جد ليعيشوا في راحة واطمئنان، ابحثوا عن وقت لتدريسهم، وساعدوهم على اكتشاف ما يحبون، تقربوا منهم باللعب، وبالقراءة، وبالاستماع لما يدور في أخلادهم.

 

علموا أولادكم على حب الله والاقتداء بالرسول الكريم، وحُب أنفسهم أيضاً، مارسوا الطقوس والشعائر الدينية أمامهم. عزيزي الأب، اسعى دائما بسلوكك وتصرفاتك، أن تترك خلفك أحداً من أولادك تجف دموع عيناه من كثرة الدعاء لك في كل صلاة، ويختم القرآن مراراً لأجلك، ويؤدي العمرة عن روحك، أو في أضعف حالاته يقدم عملاً صالحاً أو طيباً لأجلك، فكهذا أنت تموت وعملك الصالح لم ينقطع عن الدنيا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.