المرأة.. الله يُعطيها ونحن نتفنن في منعها!

blogs امرأة

إن خطاب التكليف الإسلامي، بأبعاده المتعددة لم يفرق بين المرأة والرجل، كل سواسية، سواء كان ذلك في العقيدة أو العبادة أو المعاملة، أمرا ونهيا وموالاة وحقوقا وواجبات.. لكن التفرقة تكمن؛ في التقوى والعمل الصالح، لأن الأمر ليس مختص بالذكر أو الأنثى، هذه الأمور قسرية لا يد للإنسان فيها، لذلك لا يقبل شرعا أو عقلا أو عرفا أن تكون هذه محل المسؤولية، وإنما المسؤولية تكون في الأمور الاختيارية، كما أن القوامة التي شرعها الله للرجل هي مسؤولية إشراف وأهلية قيادة وليس قوامة تشريف وأفضلية، لأن حقيقة الشرف تكمن في التقوى والعمل الصالح الذي يكتسبه الانسان بيده سواء كان ذكرا أو أنثى، لكن إذا كان خطاب الله لعباده عاما إلا من بعض المساحات الخاصة التي تنفرد فيها المرأة أو الرجل، وذلك حسب الطبيعة النوعية ومتطلبات الوظيفة الاجتماعية لكل واحد منهما، فمن الذي ضيق هذا الخطاب وجعله في بعض الأحيان قيدا للمرأة كي لا تتمتع بحقوقها التي هي مضمونة من قبل الشرع؟

إذا استقرأنا النصوص الدينية حسب سياقها التي نزلت فيه، وكذلك إذا قمنا بدراسة الحياة الاجتماعية في زمان خير القرون "وهي فترة النبي والصحابة بعده" سنجد أن الحياة الاجتماعية كانت طبيعية ومتكاملة ومنسجمة في البناء التربوي الإسلامي، ولا نجد أي تمييز بين الرجل والمرأة إلا من بعض الحلات التي هي خارجة عن النسق، والتي يمكننا أن نعتبرها من الأمور المربية، التي ما قدرها الله إلا لنفهم من خلالها دور المرأة والرجل.

فالحياة الاجتماعية في تلك الفترة لم يكن هناك تفرقة بين المرأة والرجل في الأمور التي جعلهم الله سواسية فيها كحق التعليم للذكر والأنثى، فكما كان الصحابة كانوا علماء وفقهاء كذلك كانت الصحابيات أيضا، وكما أن أمهات المؤمنين كانوا فقهاء، ويرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كعائشة التي كان من بين أولئك المكثرون للحديث، وكما أن الأحاديث التي كان تروى عن طريق عائشة كانت نسبة صحتها أكثر من بعض الطرق الأخرى، ولقد كانت تفتي رضوان الله عليها في أمور دقيقة في الفقه، وروي عنها أنها كانت تستشهد ببعض الأبيات الشعرية، كما وردها عنها أنها ذكرت في أحد الأيام بيت لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم .. وبقيت في خلف كجلد الأجرب

عندما تراجعت التربية الإسلامية وأصبح الناس يتحكمون إلى العادات والتقاليد، وحلت القبلية الجاهلية مكانة التربية النبوي ظهرت هناك تفرقة بين الذكر والأنثى

وليس أنها ذكرته فقط بل أنها كانت تتذوق معناه وتشرحه أيضا، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنها كانت فقيهة ومتعلمة، بطبيعة الحال أن تلك العلوم هي التي كانت سائدة حينها، وكذلك شأن باقي أمهات المؤمنين الأخريات: كحفصة، وأم سلمة.

والأمر ليس مقتصرا على أمهات المؤمنات والصحابيات بل حتى أبناء التابعين رضي الله عنهم، كما يحكي أهل السير أن سعيد بن المسيب زوج ابنته لأحد تلاميذه، وفي اليوم الموالي قام ذلك التلميذ بتهيئة نفسه للذهاب إلى سعيد فقالت له زوجته علم سعيد عنيدي، وكذلك فاطمة بنت مالك رحمه الله، لقد كان لديه ثلاثة أبناء: يحيى وحماد وفاطمة، لكن علمه ورثته فاطمة فقط، لقد كانت تختبئ وراء ستار بينما أبيها يلقي الدروس في المسجد فإذا ما اخطأ القارئ ضربت في ذلك الستار فينبه مالك القارئ، ويحكى عن جاريتها قصة جميلة؛ لقد خرج رجل الى سوق المدينة فرأى امرأة تبيع الخضروات والبقول وليس عنده مال وقال لها نأخذ منك هذا فإذا كان المساء نعطيك قمحا وشعير فقالت له لا يجوز، لأنه بيع طعام بطعام وليس يدا بيد وبيع جنس ربوي بآخر ليس من جنسه يجوز فيه التفاضل ويشترط فيه التقابض فسأل عنها فقالو انها جارية فاطمة بنت مالك.

فإذا كان جارية امرأة تعرف هذه التفاصيل الدقيقة في الفقه التي لا يعرف بعض رجال ذلك الزمان فما بالك برجال هذا الزمان، لقد كانت النساء مثل الرجال وفي بعض الأحيان أفضل منهم كما رأينا، لكن عندما تراجعت التربية الإسلامية وأصبح الناس يتحكمون إلى العادات والتقاليد، وحلت القبلية الجاهلية مكانة التربية النبوي ظهرت هناك تفرقة بين الذكر والأنثى، فطغت على المجتمعات الإسلامية ما يعرف بالمجتمع الذكوري، مجتمع ذكوري ليس كجنس بل كمفهوم بحيث سنجد نساء بدورهم هم من ساهمن في هذه الظاهرة، كما واقع في عدة مجالات.

 

فنجذ مثلا أن خديجة بنت سحنون الفقيه المالكي بتونس لما كانت تريد أن تفتي للناس في المسائل الفقهية كان عليها أن تفتي إما باسم أبيها أو أخيها، وهذا دليل واضح على أن طبيعة المجتمع كانت تحتم عليها ذلك، فالمرأة ليس عدوها هو الدين أو أخاها أو أباها، بل مجتمعها الذي قيدها بالعادات والتقاليد، وفي بعض الأحيان نجذ أن هذه العادات والتقاليد هي سبب تسويغ الدين كأداة لحرمان المرأة من حقوقها كالتعليم وما شابه ذلك، وذلك إما بتفسير النصوص الدينية خارج نطاقها الزمكاني التي نزلت فيه، أو بدعوى ضرورة التفرغ لوظيفتها التربوية وتارة أخرى باسم الحرص على شرفها وعفتها.

وكأن وضيفتها التربوية يمكنها أن تؤديها وهي لا تفق شيئا من أمور الحياة والعصر والمجتمع الذي يفرض على المرأة بالدرجة الأولى أن تكون أدرى بأمور الحياة من زوجها خصوصا في عصرنا هذا بحيث إن مهمة التربية الموكل إليها تتطلب معرفة التعامل مع أبنائها، ولا ندري كيف يمكنها أن تقوم بأداء وظيفة تربوية، وتخرج نماذجه لحياة لا تعرفها ولا تعرف ماذا تتطلب هذه الحياة وكأن التربية تقتضي الجهل والغباء والعطالة بحيث تصبح أقرب لتنظيف البيت والطفل منها إلى تربيته وكأن بعض الناس أحرص على المرأة من الله الذي شرع لها حدود وظيفتها وهو الذي خلقنا وخلق هذا العالم بتقلب الأحوال والأزمان والفساد والصلاح.

وجب علينا إعادة الاعتبار للمرأة وتبصيرها بدورها كما شرعه الله لها، وإعطاءها ما أعطاه الإسلام في الحياة الاجتماعية وإدراك موقعها في العملية التربويةوجب علينا إعادة الاعتبار للمرأة وتبصيرها بدورها كما شرعه الله لها، وإعطاءها ما أعطاه الإسلام في الحياة الاجتماعية وإدراك موقعها في العملية التربوية
 

وقد يبلغ الأمر لمنتهى الخطورة في بعض الأحيان حينما يتم إيقاف وتعطيل بعض الأوامر والتعاليم الشرعية بدعوى الحماية من الفساد كالخطورة في إلغاء أحكام الشريعة والخروج عليها بحجة عدم الصلاحية لهذا الزمان، لكن هذا الأمرين في النهاية يصدران عن عقلية واحدة، حتى وإن اختلف الاتجاه، ولذلك إن عدم تعليم المرأة هو هدم بنيان المجتمع من أساسه، بحيث إذا فشل دور التربية في إطار المرأة يكون أبلغ أثرا وأخطر شأنا منه في نطاق الرجل لأن المرأة هي المدرسة الأولى للطفل، وإذا فشلت هذه المدرسة في إيجاد جيل واعي فذلك راجع إلى تهميش دور المرأة في المجتمع وحرمانها من حقوقها كالتعليم بحجة الحرص عليها.

 

وأن المرأة التي ادعينا حمايتها أتينا من قبلها وعدنا من حمايتها والدفاع عنها فلم نجدها وصحونا بعد فوات الأوان لنرسلها إلى مؤسسات التعليم فنجد أن المشرفين والمشرفات على العملية التعليمية والتربوية ممن تربوا خارج الإطار الإسلامي وسبقوا إلى التعليم هن قدوتها كل هذا كان يتم باسم الدين وكما أنه لو حدث بعض من المواقف التي كانت في السيرة وعهد الخلافة الراشدة في مجتمعات اليوم لترتب على ذلك مسالك خطيرة من بعض الجهة وسالت دماء غزيرة باسم حماية المرأة.

لذلك وجب علينا إعادة الاعتبار للمرأة وتبصيرها بدورها كما شرعه الله لها، وإعطاءها ما أعطاه الإسلام في الحياة الاجتماعية وإدراك موقعها في العملية التربوية، وإذا لم نقم بذلك فسوف تظل هناك ثغرة التي نتج عنها هذا الخلل في المنظومة التربوية ككل، وسيستمر العجز ويكرس عنه التخلف باسم التدين وتفرغ المرأة إلى دورها التي ندعي أنها ما خلقت الا إليه، وهو الوظيفة التربوية، وإذا لم يتم تحريرها من العادات والتقاليد الاجتماعية تقيدها، غالبا تكون باسم الدين وهي ليست من الدين بشيء، بل تكون ناتجة على يد رواد التربية الاسلامية أو الاصلاح الاسلامي، فسوف يكون خروج عن التعاليم الاسلامية على يد أعداء الدين. وبما نحن نعيش في مجتمعات تعشق الاضطهادات فإن تلك المرأة التي قد اضطهدت من طرف المجتمع لم تجد من تضطهده فلجأت إما إلى اضطهاد نفسها أو أبنائها، والأخطر من ذلك هو لجوئها الى اضطهاد الدين بفحوى أنه ميز بينها وبين الرجل، أو حرمها من حقها، كما سنبين ذلك في التدوينة القادمة.



حول هذه القصة

بشموخ وكبرياء واجه السبعيني الفلسطيني صياح الطوري السجان على أعتاب سجن الرملة، حيث دخله لقضاء عشرة أشهر وراء القضبان لدوره بالدفاع عن قريته بالنقب التي هدمها الاحتلال 137 مرة.

30/12/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة