لماذا اختفت بواخر القمر السعودي؟

ربما سأل سائل: "لماذا باعت شركة السعودية للملاحة الباخرتين اللتين كانتا تنقلان الحجاج المصريين على الرغم من المكاسب الظاهرة التي يتوقعها كل مَنْ يرى البواخر حافلة بالركاب؟"، حقيقة الأمر أن هناك عوامل كثيرة تجعل من هذا الاعتقاد الظاهر (أي الاعتقاد في المكاسب الطائلة) مجرد وهم، كما هو الوهم الشائع عن الأرباح الخيالية لشركات الطيران، بينما تلك الشركات تعاني في موازنات تشغيلها واستمرارها أكثر من أي مجال آخر لاستثمار الأموال.

  

ويكفي لبيان هذه الحقيقة أن نقارن بين ظروف تشغيل هذا الخط الملاحي في نهاية الثمانينيات وظروف تشغيله بعدها بخمس سنوات فقط. فعلى سبيل المثال فقد تغيرت نوعية الركاب بحيث أصبح نموذج راكب الباخرة هو ذلك الراكب الحريص على إنفاق أقل قدر من المال على رحلته، وهو ما يعني أن الراكب حريص في الغالب الأعم على تجاهل الإنفاق.

 

وقد لاحظ هؤلاء العاملون في البحر عن حق أن الارتفاعات المستمرة في أسعار تذاكر الطيران في ذلك الوقت، لم تواكبها في الوقت ذاته ارتفاعات مماثلة في أسعار البواخر، فإذا علمت أن الراكب المصري مثلا يوفر بركوب الباخرة (في المتوسط) 60٪ من تكلفة الانتقال إلى السعودية، أدركت على الفور مدى الفارق بين مستويين أو نموذجين من مستويات الإنفاق. فوجئت بهذه المقارنة، فقد كانت معلوماتي من رحلاتي الأوروبية أن ثمن تذكرة الباخرة يعادل تمامًا ثمن تذكرة الطائرة، وأن الفارق في تكلفة الطيران المرتفعة عن تكلفة البواخر يغطي نفقات إطعام الراكب على مدي أيام رحلة الباخرة.

 

ونعود إلى ما يرويه الملاحون والعاملون عن اقتصاديات تشغيل سفينتهم، وهم يقولون إن مطاعم وكافتيريات الباخرة أصبحت لا تعود على الشركة المالكة بالفوائد التي كانت تحققها مع الركاب القدامى، فقد شهدوا حقبة من الزمن كان يصعب على الراكب فيها أن يجد لنفسه مكانا في المطعم من شدة الإقبال عليه، بينما ترى مطعم الباخرة اليوم خاليا إلا من عشرة أو أقل من الركاب.

 

باخرتنا (أو عَبْارتنا) التي أتحدث عنها يلزمها ٥ آلاف طن من المياه العذبة، يكلفها الطن الواحد في مصر ٣ دولارات، وفي السعودية ٧ دولارات، وهي لهذا تتزود بالمياه من مصر، على حين تتزود بالبترول من السعودية

وبالإضافة إلى هذا فإن البواخر تفتقد اليوم موردا مهما وهو شحن السيارات، بسبب التغير في السياسات المصرية الحاكمة للاستيراد وتقييد السماح بدخول السيارات المستعملة، فقد كانت الباخرة الواحدة في الرحلة الواحدة تنقل ما لا يقل عن 170 سيارة تتقاضى الباخرة أموالا مجزية من رسوم شحنها، دون أن تبذل جهدا يذكر، فالسيارة تتحرك حين تدخل وحين تخرج، وفيما بين ذلك لا تتحرك ولا تأكل ولا تشرب، على عكس الراكب ومتاعه!

 

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد من الظروف التي تلعب ضد اقتصاديات النقل البحري، بل إن هذه البواخر أصبحت في المقابل مطالبة بنفقات متزايدة كل يوم، وفي كل رحلة كذلك. وعلى سبيل المثال فإن باخرتنا (أو عَبْارتنا) التي أتحدث عنها يلزمها ٥ آلاف طن من المياه العذبة، يكلفها الطن الواحد في مصر ٣ دولارات، وفي السعودية ٧ دولارات، وهي لهذا تتزود بالمياه من مصر، على حين تتزود بالبترول من السعودية.

 

وتسدد البواخر الآن مبالغ كبيرة كرسوم لسلطات الموانئ، وباخرتنا هذه كانت تسدد لميناء السويس (في نهاية الثمانينيات) حوالي سبعة آلاف دولار في المرة الواحدة، على حين أنها تدفع أقل من ذلك بكثير في ميناء جدة، لأنها أيضًا بحكم الشركة التي تملكها سعودية الجنسية.

 

ثم إن البواخر (شأنها في هذا شأن كل آلة) تنخفض قيمتها سنة بعد سنة، وتبلغ باخرتنا 17 عاما من العمر، حيث أصبحت قيمتها السوقية حوالي 3٫5 مليون دولار، بينما كانت قيمتها السوقية حين كانت في الثانية عشرة من عمرها حوالي ٦ ملايين دولار. ومن الطريف أن هذه الباخرة تمضي بها السنون حتى تباع بالكيلو، أي حديدًا خردة، وخشبًا خردة.. وهكذا.

 

لست أحب في حديثي عن باخرة رحلة العمرة أن أمضي من دون أن أشير إلى حقيقة أنه كان مسموحًا لركاب الباخرة بحدود لا نهاية لها من الوزن، ومع هذا فإني اكتفيت في الذهاب والعودة بحقيبة اليد الصغيرة التي تمكن من الحركة بسهولة. وعندما وصلت إلى ميناء جدة اكتشفت أنهم لن يسمحوا لأحد بالخروج إلا بعد انتهاء جميع الركاب من تسلم الحقائب، وهو ما لن يتم إلا بعد انتهاء ختم الجوازات كلها، في عنق زجاجة بيروقراطية يتمثل في ضابطين فقط.

 

وكان معنى هذا أن أنتظر ساعات وساعات، لكني فكرت في فكرة أخري، وهي أن أستأذن السلطات في أن تلحقني بركاب الباخرة السابقة الذين كانوا قد أوشكوا على الخروج جميعا، وقد حاولت مع كل مَنْ قابلت من السلطات السعودية أن يجدوا لي منفذًا للخروج، والحق أنهم كانوا، رغم تعجبهم من هذه الحالة النادرة، سعداء بهذا الراكب الذي ليس له متاع غير حقيبته، وتركوني أخرج مع ركاب الباخرة التي وصلت إلى الميناء قبل باخرتنا بأكثر من ساعتين.



حول هذه القصة

انتهى عام 2018 والحرب في سوريا واليمن مستمرة، انتهى والإرهابيون حول العالم يزرعون الموت والخوف، انتهى والسياسيون عاجزون عن محاربة الاحتباس الحراري، لكنه انتهى أيضا بأخبار جيدة هنا وهناك.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة