علم الجهل.. كيف يتم العبث بالعقل الجمعي العربي؟

طرح علي صديقي المثقف سؤالاً حول مصداقية صحيحي البخاري ومسلم. لم أكن متفاجئاً من السؤال ولكني تفاجأت من أن شخصاً على درجة من الثقافة والعلم والتدين وصل به الحال أن يفكر بتلك الطريقة العوراء. لست هنا لأهاجم حرية التفكير، بل إنني مع حرية التفكير السليم الخالي من المؤثرات. فما هي المؤثرات التي تخلق حالة من "الدوغماتية" للأفكار الساذجة في العقل الجمعي للمجتمع؟

في محاولتي للبحث عن الأفكار الدوغماتية الهدامة للمجتمعات العربية وجدتها كلها تتمحور في محاربة الإسلام كنظام حياة صالح لكل زمان ومكان. وسأستعرض في هذه المقالة وجهة نظري للإجابة على سؤالين رئيسين: لماذا يحارب الإسلام كنظام حياة؟ وكيف تتم محاربته من خلال علم الجهل (Agnotology)؟

في العام 1993 وبعيد سقوط الاتحاد السوفيتي كنت قرد قرأت مقالة في مجلة نيوزويك تفيد أن الخطر الأحمر قد انتهى ولا بد من توجيه الجهود صوب الخطر الأخضر (كناية عن الإسلام). وكان مفكرون أمريكيون من قبيل دراكر قد استشرفوا آنذاك محاربة "الإرهاب" قبل ظهور تنظيم القاعدة. فلماذا يتم التخطيط الاستباقي للانقضاض على "الخطر الأخضر" في الوقت الذي كانت جل أنظمة العالم الإسلامي ديكتاتورية علمانية؟

 

بعد سقوط الشيوعية أدرك القائمون على رسم استراتيجيات أمريكا أن العالم كله سيكون رأسمالياً دون منافسة لكنهم أدركوا أيضاً أن المنافس الوحيد لمستقبل الرأسمالية هو الإسلام حتى لو جيء به للحكم ديموقراطياً. فالإسلام نظام حياة متكامل فيه تنظيم للسياسة والاقتصاد والمجتمع. وهو نظام لو تم تطبيقه سيحرم المستفيدين من الوضع القائم من ميزات كبيرة نتيجة للعدل والمساواة التي يقوم عليها الإسلام، وهو نظام تخلت عنه الأنظمة العربية بعد سايكس-بيكو لكنه استمر في قلوب الشعوب، وهو نظام حاربه العلماني في تركيا قرابة ثمانين عام لكن الشعب التركي عاد إليه بلمح البصر، وهو نظام أدرك البوسنيون أهميته -بعد بعدهم عنه لعقود- عندما ارتكبت المجازر بحقهم لكونهم كانوا ينتمون إليه ولو شكلياً.

 

لا يمكن التحكم بتفسير القرآن إلا من خلال السنة النبوية المطهرة، فهي شارحة ومفسرة ومفصلة له. وهنا يتضح الخطر الجسيم المتمثل في فصل القرآن عن السنة من خلال حملات التشكيك الممنهجة بالسنة

ربما يحتاج هذا الموضوع لمساحة أكبر مما أملك الآن حتى يمكنني التفصيل فيه لكن أهم ما في الأمر أن الإسلام، بلا شك، هو من يستطيع إحداث التغيير في الأنظمة الحاكمة للشعوب العربية منذ الحرب العالمية الأولى، وهذا هو السبب الأساس في تطبيق مرتكزات علم الجهل من أجل تأسيس حالات دوغماتية تحارب الإسلام على مستوى العقل الجمعي العربي.

يعد البروفيسور الأمريكي روبرت بروكتر من جامعة ستانفورد الأمريكية أول من ابتكر مصطلح "علم الجهل" (Agnotology) ليصف فيه التأسيس الاجتماعي للجهل من خلال نشر معلومات، تبدو على أنها علمية ولكنها مضللة، من قبل الإعلام والأجهزة الحكومية والشركات الكبرى. ويتم تأسيس الجهل من خلال ثلاث مراحل: الحرمان من المعلومات، ثم نشر الشك في المفاهيم القائمة، ثم تأسيس مفاهيم جديدة. وهذه المراحل الثلاث تدار بشكل ممنهج فيما يعرف بإدارة الإدراك (Perception Management) الجمعي.

في استقرائي لما ينشر هذه الأيام على الإعلام المرئي والمكتوب ووسائل التواصل الاجتماعي وجدت مشاهدات كثيرة من المنشورات التي إن جمعت وصنفت لن تتخطى مرحلتي التشكيك أو التأسيس لمفاهيم جديدة تلغي المفاهيم الإسلامية القائمة. أما مرحلة الحرمان من المعلومات فهي غير قابلة للتطبيق بشكل تام بسبب سهولة الحصول عليها من الإنترنت، ومع ذلك فقد عمدت بعض الدول العربية إلى تشويه المناهج التعليمية حتى وصلت إلى حذف اسم محمد (عليه الصلاة والسلام) واستبداله بـ (منير) كناية عن الحركة "التنويرية" التي تقود أو يراد لها أن تقود نشر الجهل المؤسس في المجتمعات العربية.

هناك آلاف الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي تنشر النكات حول المفاهيم الإسلامية، وغيرها من الآلاف التي تظهر على أنها باسم شيوخ دين تنشر فتاوى "سخيفة"، ناهيك عن استضافة الإعلام للكثير من السفهاء الذين أريد لهم أن يلبسوا العمامة ليتحدثوا في أمور من شأنها تشويه الصورة الذهنية للإسلام. وفي مقابل ذلك هناك مراكز تدعي أنها بحثية تحاول دس السم في الدسم لتأسيس مفاهيم دوغماتية تطيح بأصول الدين. أحد أبطال تلك المسرحيات كان شاباً مصرياً عشرينياً أقدم على تأليف كتاب "أكذوبة الحجاب" وتمت استضافته على قناة مصرية وقد فشل حينها أن يقرأ آيات الحجاب من سورة النور من مصحف مفتوح أمامه. الأهم من ذلك أنه تبين أن ذلك الشاب حاصل على دبلوم ميكانيك فيما يصف نفسه على صفحته في فيسبوك أنه باحث في علوم القرآن.

قد يخرج البعض ليقول أن تلك كانت حادثة فردية، لكن ماذا عن حادثة الأمين العام لـ "مؤمنون بلا حدود" في الأردن؟ ذاك الذي احتجزته السطات الأردنية بسبب بلاغ كاذب ادعى فيه أنه تم الاعتداء عليه من قبل جماعة "إرهابية" ليتبين أن الأمر كان مسرحية من نسج خياله تم تنفيذها بالتعاون مع ابن شقيقته فتم وسمه بالـ "كاذب بلا حدود" على مواقع التواصل. الحكم الفيصل على تلك الجمعيات والمراكز البحثية التي تنادي بـ"الحرية" و"المساواة" و"العدل" و"العقلانية" و"التنوير" أن تتسم بالشفافية وتفصح عن مصادر تمويلها، أو أن تضع تقارير ربيعة عن أدائها المالي، فكما يقال: قل لي من تصاحب أقول لك من أنت.

وقد خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أسابيع ليطالب بتحييد السنة النبوية والاكتفاء بالقرآن الكريم. تلك الحادثة لم تكن عبثية بل مقصودة جداً رغم أن الكثير مما يتحدث به الرئيس المصري يعد مادة للترفيه والنكات على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن التصريح العلني بتلك الفكرة يشي بالكثير عن نوعية تحالفات الدول العميقة في المنطقة والتي تستهدف الإسلام خوفاً منه على مصالحها وعلى مصالح من تعمل لصالحهم.

 

ففي فيديو مسرب من فرنسا وتم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت مجموعة من "المشايخ" والعلمانيين في حوار لتأسيس اتحاد من "المشايخ" برعاية فرنسية من أجل إحداث التغيير من داخل الإسلام، وقد طالب أحد المشايخ بالدعم من الاتحاد الأوروبي من أجل تحقيق أهداف ذلك الاتحاد. وفي معرض إجابة أحد المشايخ على سؤال حول كيفية العمل على آيات القرآن غير المراد لها بالانتشار قال أننا لا يمكننا حذف آيات القرآن ولكن يمكننا التحكم بالتفسير!

نحن بحاجة لإحياء الدين في أنفسنا ولسنا بحاجة إلى أجندات بترودولارية لتجهيلنا فيه أو لتفصيله على مقاسها
 

لا يمكن التحكم بتفسير القرآن إلا من خلال السنة النبوية المطهرة، فهي شارحة ومفسرة ومفصلة له. وهنا يتضح الخطر الجسيم المتمثل في فصل القرآن عن السنة من خلال حملات التشكيك الممنهجة بالسنة. مما لفت انتباهي أن كل من يشكك في السنة يحاول ربطها بمدى استيعاب العقل للنص، وهذا خطأ جلي. فالعقل لم يستوعب فكرة جاليليو – وهو إنسان – عندما قال أن الأرض كروية، فما بالك بخالق الكون ورسوله الأمين؟ والعقل لم يستوعب فكرة الإسراء والمعراج في زمن لا طائرات فيه ولا مركبات صاروخية! لكن الأسوة هنا ما قاله أبو بكر رضي الله عنه "إن كان قال فقد صدق".

لعل في جواب أبي بكر رضي الله عنه الإجابة الشافية على المشكين في السنة النبوية المطهرة، فجوابه جملة شرطية يتحقق جواب شرطها (الصدق) بتحقق الشرط نفسه (القول). فمن شكك في حديث فعليه أن يناقش منهجية الوصول إلى صحة الحديث وليس في "عقلانيته". ويدرك المتتبع لعلم رجالات الحديث المنهجية المحكمة التي بني عليها هذا العلم. ثم إن أبا بكر، ونحن من ورائه، صدّق الرسول صلى الله عليه السلم بخبر السماء، أي بالقرآن كله، فمن شكك في عقلانية السنة النبوية فلا شك أن ذلك يقوده إلى الشك في صدقية القرآن. فالصحابة الذين رووا الحديث هم من حفظوا القرآن وجمعوه وكتبوه، فكيف نصدقهم هنا ونكذبهم هناك؟!

وعند الحديث عن العقلانية التي تستوجب منهجي الاستقراء والاستنباط للحكم على الأمور وجدت أن ما جاء به السير جون ستيوارت ميل في موسوعته الضخمة (A System of Logic) عام 1834 حول أسس الاستقراء في افتراض الحقيقة وأهمية ربطها بالتجربة من أجل التحقق منه استنباطاً، وجدت كل ذلك وأكثر موجوداً في كتب علماء المسلمين في القرون الوسطى. لكني وجدت من يشكك في السنة النبوية المطهرة طبلاً أجوفاً لا يتبنى استقراءً ولا استنباطاً. وفي المقابل وجدت جهلاً مجتمعياً متراكماً في الكثير من الأمور الدينية مثل المبالغة في عزو الفشل إلى السحر أو الحسد، أو امتهان المرأة، أو العقدة في التعامل مع الأديان الأخرى، أو حتى حالة الانفصام التي يعيشها الكثير من المسلمين الذين يمارسون عباداتهم ولا يطبقون مكارم الأخلاق. الخلاصة، نحن بحاجة لإحياء الدين في أنفسنا ولسنا بحاجة إلى أجندات بترودولارية لتجهيلنا فيه أو لتفصيله على مقاسها.



حول هذه القصة

حقق مشروع لمقاومة التصحر في منطقة نينغشيا شمالي غربي الصين نجاحا مبهرا باستخدام تقنية لاستصلاح الأراضي الصحراوية. وخلال 17 عاما أسفر المشروع عن استصلاح مئات الكيلومترات المربعة من أراضي المنطقة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة