صدق أبي و كذب السياسي!

يقول قائل: "الخطاب السياسي في بلدنا هو عبارة عن خطوبة يتقدم من خلالها العريس السياسي بمستقبله ومشروعه الضخم المتواجد في مخيلته، والذي يتفاعل معه أهل العروس ظانين فيه الخير فيدعمونه ويؤزرونه حتى يبلغ مبتغاه، ويستكمل مشروعه ويخرجه للوجود. وما أن يأخذ الكلمة والتي لطالما انتظرها أهل العروس الذين يرون فيه ملاذهم ومنجيهم من قهر ما تكبدوه من عناء، حتى يفاجئهم بصراحته الزائدة والجريئة: اشكركم على كل شيء بذلتموه من أجلي، لقد شكل نسبي لكم قوة سياسية ضغطت بها على أعدائي، فقد انسقتم ورائي كالقطيع. الشيء الذي خول لي التغرير بكم واستغلال دوختكم لصالح طموحاتي وما كنت أنوي تحقيقه، والدفاع عنه يوم اعتنقت حزبي ومبادئه، فلا تلوموني لأني خذلتكم واتخذت منكم سُلماً لأرتقي".

المشكل الذي نعيشه في المغرب والبلدان العربية، أن الخطاب السياسي ليس الغرض منه انتقاد منظومة أو حكومة معينة، فالخطاب السياسي في هذه البلدان هو عبارة عن سلاح سام يتم به استمالة الشعوب المستضعفة ومحاولة تزيين الكلام وتزويقه كي يلبي رغباتهم. مثلا نجد شخصاً يتحدث باسم الدين كي يوهم الناس بأنه هو المخلّص، وأحياناً نراه يتحدث عن الحرية المطلقة وكأنها الحل لما يقع في المنطقة.. خلاصةً لما أُريد قوله أنه حتى السياسة أصبحت تجارة مُربحة بامتياز. الدول التي لازالت تُؤمن بالخطاب القبلي لا يمكنها أن تُنتج خطاباً سياسياً علمياً يبث الروح المواطنة والوطنية من أجل مؤسسات فاعلة بقدر ما نرى التواطئات وحضور الفكر القبلي، الذي لازال يأمن بالقرابة الدموية والمجاملات الاجتماعية.

من وجهة نظر فيسيولوجية، يتعذر الحديث عن خطاب سياسي يؤمن بمعنى الممارسة السياسية والتعاقد السياسي بقدر ما يُمكننا الحديث عن عبث سياسي لا أقل ولا أكتر. أضف إلى ذلك مجموعة من الأسباب الأخرى كالأمية.. خلاصة القول لا نريد خطابات ولا كيفية اتقانها، أعتقد بعض الذين صنعوا تاريخ أمم لم يكثروا اللغو ولم يفتحوا مدارس لتعلم الكلام المُنمق. بل نزلوا وجابوا الطُرُقات والناس نِيَام لتفقد شؤون الناس. ومن ثَم البحث عن حلول. رحم الله الفاروق عمر، نريد مثل هؤلاء الذين عرفوا معنى كلمة مسؤول وخشي يوم قفوهم فإنهم مسؤولون يا من تلهثون.

يقضي نوابنا طيلة السنة أوقاتهم متكئين على كراسي مريحة أو في فنادق مصنفة ونقل مجاني مقابل أجر سمين، ثم يطالبون بمعاشات التقاعد!

لو كان أصلاً! الخطاب السياسي موجود ما سمعنا ما نسمع الآن من صفات من مسؤولين سامين حكوميين وآخرين برلمانيين ونواب، يقدفون أبناء شعبهم بصفات ﻻ تليق بالمسؤولية بتاتاً. تكفيك كلمة مداويخ وكلمة القطيع وغيرها من صفات، يجب أن يعلم هؤلاء البرلمانيين أن التمثيلة البرلمانية هي عمل تطوعي غير إجباري، وذلك من أجل المساعدة على إيجاد حلول لمشاكل الوطن ولتخفيف الأعباء عنه، وليس إضافة أعباء جديدة تُثقل كاهل خزينة الدولة – الفقيه الي نتسناو براكتو يدخل للمسجد ببلغتو.. البرلماني تطوع ليحارب الريع وليس للمشاركة في الغنيمة. المواطنون لم يُجبروا أحداً لتمثيلهم، وبالتالي هم ليسوا معنيين بهذه المطالب، فلا أحد سيُصوت لشخص هدفه ضمان تقاعده لأنه تشجيع على الفساد ولن نقبل به.

هناك منظمات إنسانية كمنظمة أطباء بلا حدود يذهب أفرادها إلى مناطق نائية فقيرة وإلى مناطق الحروب وضحايا الكوارث، ويغامرون بحياتهم بدون مقابل من أجل انقاد ناس لا تربطهم بهم سوى الانتماء للإنسانية وهذا في إطار عمل تطوعي إنساني. بينما يقضي نوابنا طيلة السنة أوقاتهم متكئين على كراسي مريحة أو في فنادق مصنفة ونقل مجاني مقابل أجر سمين، ثم يطالبون بمعاشات التقاعد! هذه أكبر خيانة لمن وضعوا فيهم الثقة لتمثليهم والدفاع عن أموالهم وليس لسرقها بالنصب والاحتيال. لكن الامر ليس بالهين أو السهل فأنا أُوجه خطابي لفئة غير متعلمة أصلاً، ماذا ننتظر من مؤسسة تشريعية الربع من ممثليها عجزوا عن الحصول على شهادة بسيطة! هل بإمكانهم وهل لهم القدرة على إيجاد الحلول للمشاكل العويصة التي تعاني منها البلاد؟!

فمن بين الفضائح السياسية التي أصبحت متداولة بين عامة الشعب وأصبح مُسلم بها، ما سمعناه أخيراً حول المستوى التعليمي لبرلماني هذه الامة، الاحصاءات الاخيرة بفعل كانت مؤلمة جداً، فكيف لربع من نوابنا المحترمين لا يتوفرون على البكالوريا. في الحقيقة هو ليس دنبهم وإنما دنبنا نحن الذين قمنا بالتصويت عليهم. 100برلماني بدون بكالوريا، 20 منهم لم يدخلوا نهائياً المؤسسة التعليمية، 5 لهم مستوى ابتدائي، ومنهم لا أقول ليس لديهم شواهد، بل لا يستطيعون قراءة ما يُكتب لهم على الورقة. بعيدون كل البعد عن المجال السياسي، ومنهم من لا يستطيع أن يتلفظ ولو بكلمة باللغة العربية الفصحى، ومنهم من يحضر داخل قبة البرلمان ليأخذ قيلولته وينام، وما خفي كان أعظم، وإذا أسندت الأمور لغير أهلها فانتظر الساعة.

للأسف نحن مسّيرون من طرف جماعة من الكسالى لا مستوى ثقافي لهم ولا تكوين، لا يتوفرون على وسائل تساعدهم على تقرير مصير الأمة من نظرة استراتيجية للأمور ووضع برامج ومخططات. وكذلك ليس لهم نظرة استراتيجية تعتمد التحليل والتنظير والتدبر. هؤلاء يجب التخلص منهم بمبيد الحشرات لأنهم يعبثون بمستقبل الأمة ويقررون مصير 40 مليون مواطن ويضعوننا على كف عفريت أزرق، كيف لهؤلاء أن يَصوغوا القوانين ويوافقوا على اتفاقيات التجارة الحرة؟! نسيت البرلمان المغربي هو الخصوصية المغربية كما الدينية كما السياسية.. هذا هو سبب تخلف المغرب، كيف لبرلماني أميّ لا يفقه شيئاً أن يُنتج منتوجاً جيداً ويُساهم في إنتاج النصوص التشريعية.

الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة، لا يعتبر ضحية بل شريكاً في الجريمة، حيث يستغلون الفئة الفقيرة من أجل كراسي في البرلمان، ونصفهم جاهل لا يستطيع حتى أن يقول جملة مفيدة. لو كنا في دولة تحترم القانون والخطاب الذي تتكلم عنه لحسمت العدالة كلمتها في حق هده المخلوقات الغير معتبرة لأبناء شعبها، وتحتقرهم بشتى الصفات الغير أخلاقية والمحاسبة غائبة والتسيب سيد الزمان. قبل سنوات قليلة، وعند مشاهدتنا للأخبار الوطنية وما يجري من أحداث في الشأن المحلي – عبر الشاشة – وما أن نرى ونسمع من تصريحات للسياسيين من وزراء وبرلمانيين ونقابيين وتشدقهم بالدفاع عن الفئة العمال ومحاربة الفساد وخدمة الوطن..

فإذا بأبي ينطق بعد صمت طويل ويفاجئنا كعادته وينعتهم باللصوص حتى اعتدنا على هذا التعليق بعد كل تصريح. صراحةً لم أكن أوافق أبي على هذه الصفة الملتصقة بالسياسي، خصوصاً مع ظهور وجوه سياسية شابة وذات مؤهلات علمية جيدة، والوعود بالإصلاحات والمشاريع الكبرى وصعود قوى جديدة تَدّعي تمثيل الشعب وما إلى ذلك من مظاهر التغير والتطلع لمستقبل أفضل. كنت واهم من كيد السياسة والسياسيين في المغرب وغرني بأبي غرور المظاهر وحلو الكلام ووجاهة السياسية. ومع مرور الوقت وتوالي السنوات لم تتغير الأشياء إلا بشيء يسير، يخدم الأغنياء وأصحاب الأموال أكثر من الفقراء والمحتاجين الذين قُدر عليهم رزقهم من المساكين والضعفاء والمرضى. أيقنت كثيراً وزال الشك عن صدق أبي وكذب السياسي مع ظهور وثائق بنما وصفقات استيراد الزبل من إيطاليا وتجزئة خدام الدولة وما خفي كان أعظم، لا مجال لتصديق السياسي كيفما كان لونه الحزبي ما دام هو ينعم من خيرات الوطن على حساب المسكين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة