حين لا ينفع اعتدال الجالية المسلمة

لا أظن، اليوم، أن الصورة الوسطية الاعتدالية المروجة من طرف القائمين على مجالس شؤون الجاليات الإسلامية، مند أحداث يناير الإرهابية ضد صحيفة شارل إيبدو الساخرة ومجزرة باريس في أواخر الفترة التي تلتها، ستنجو هذه المرة من التبخيس والازدراء والخدش المعنوي أو أنها ستتفادى أن تكون عرضة لنقد قاس، اعتبارا لمكانتها الرمزية كهيئة تمثيلية محصنة قانونيا وتحوز ثقة السلطات الغربية.

وأشك أيضا في أن تتبنى شريحة كبيرة من علماني أوروبا الأكثر اتزانا (دون ذكر من هم أكثر تطرفا في هذا الجانب المبدئي) أو تسلم و تقبل كالعادة بتأويل سياسي خارجي للحدث الإجرامي الواقع في محيط بلدانها، أو أنها ستقتنع بتلك النوايا الحسنة المطمئنة المتضمنة في خطابات الجالية المسلمة، وتغض الطرف عن الأسباب الداخلية التي بينها الزحف البطيء لغول التطرف الديني في ميتروبول حواضرها، أو أنها ستضع في حساباتها أن القناعة الإيمانية السليمة، للجالية المترددة على مساجد أوروبا، ستبقى دائما في منأى عن الشبهة وبريئة.

الفرنسيون الأن، عند تبرير تصرفاتهم الحازمة في الردع العيني والمعنوي للأصولويات الدينية، يترافعون بحجج سياسية سيادية، على أنهم أدرى بتدبير اختلافهم الداخلي

فأغلب علماني أوروبا الآن ارتكسوا إلى خنادقهم وقفزوا خطوة أيديولوجية إلى الخلف ولم يعودوا يجدون الجاليات الإسلامية بعيدة عن كل تلك الأمور الدموية المخزية بل صاروا هذه السنة يعلنون في خرجاتهم الإعلامية، متهجمين عليها دون تحفظ، أنها بدورها تقتسم عن جهل أو بدون وعي، نفس الجذور الإيديولوجية للعنف الأصولي المستنبط من النص الديني المقدس مزايدين عليها في معتقدها بشكل غريب. ذلك بأنها تتبنى اسم الجلالة الله، الذي ينادي به منفذي الهجمات الدموية الذين لا ينسون في كل مجزرة أن يباركوا ويختموا غزواتهم دوما باسمه مع العلم أنه الطقس الديني الأكثر ذكرا في صلاة المسلمين! فإذن حتى الخرجات السلمية المعتادة، للجاليات المهاجرة المعتنقة للديانة الاسلامية، التي تدعو لها للتعبير عن التضامن التام وإظهار حسن النية، والتأكيد كل مرة على أنها معنية بخطورة الاعتداءات الإرهابية على التعايش السلمي، لن تشفع لها هذه المرة أمام المتشككين الحانقين، وما أكثرهم حاليا في وسائل الإعلام.

وفي نفس الوقت لن يبتلعوا الطعم، ويقروا بسهولة، سريان فكرة مدى صدق الجالية المهاجرة المتدينة في سعيها للاندماج بعفوية داخل نواة المجتمع الغربي، أو تبرهن لهم هي بالمقابل على تعاضدها وخضوعها لقوانينه المتعالية الصارمة وإجراءاته العزلية وحياده البارد تجاه مكانة وقدسية الدين وقيمه فوق أراضيه، أو أنهم سيصدقون فعلا كيف أرسلت بعض الجاليات إشارات غير مشروطة بقبول الذوبان في لحمة وحدة المجتمع، القائم أولا ومبدئيا، على سمو القوانين الوضعية، الرابضة تحت ظل عرش العلمانية التي تتشرب منها روحها ورموزها الكبرى؛ فكأنهم يا ترى، استجابة، سيطأطؤون هاماتهم مباركين لها هذا بثقة وسلاسة.. هيهات. فكل هذا ربما لن يشفع لها أمام الإحساس القوي بالريبة والحذر والشؤم تجاهها، مع فوران الغضب المتصاعد داخل دوائر اليمين الأوروبي الأكثر حنقا وعداءا بالمطلق لوجود المهاجرين المتحدرين من الدول الإسلامية.

الفرنسيون الأن، عند تبرير تصرفاتهم الحازمة في الردع العيني والمعنوي للأصولويات الدينية، يترافعون بحجج سياسية سيادية، على أنهم أدرى بتدبير اختلافهم الداخلي، وضبطه على إيقاع الهاجس الأمني الذي صار بوتيرة متصاعدة يقض مضجع المواطن الفرنسي المسالم والعادي. أما حمل القبعة اليهودية أو تعليق الصليب أو لف الحجاب الحركي الإسلامي حول الرأس كله فهو في عرفهم نظير شعار إيديولوجي ديني يبث خطابا دعويا مبطنا. فقانون العلمانية في فرنسا، الذي أنهى علاقة الدولة الجمهورية المحايدة مع المؤسسات الدينية، يمنع بالمطلق إشهار للرموز بدوائره السيادية فلقد أجمعوا على قناعة جديدة: المسلم المهاجر المتحزب عقديا، دوما في موقع الشكوى من الآخر، خاصة إذا كان علمانيا.



حول هذه القصة

بشموخ وكبرياء واجه السبعيني الفلسطيني صياح الطوري السجان على أعتاب سجن الرملة، حيث دخله لقضاء عشرة أشهر وراء القضبان لدوره بالدفاع عن قريته بالنقب التي هدمها الاحتلال 137 مرة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة