جدي ومفتاح العودة

الطفولة فرح في أوانه ووجع إن صار تذكاراً، لامست بعض صفحات القلب فردني إلى عمر النرجس الذي قُطفَت أُولى أزهاره هذا الصباح. تذكرت جدي الحاج رضوان بهيبته وبنيته التي كانت تهز القرية، كان رجلاً طاعناً في التاريخ وُلد في نهايات القرن التاسع عشر. فاضت روحه والتي لم تكن لتفارق جسده الطيب وتاريخه الأطيب، إلّا في مستهل القرن الحادي والعشرين، مئة وخمسة أعوام ينحت فيها صخور الوطن ليُعمّر منه وفيه. أذكر تماماً كيف بكيناه جميعاً صغارنا وكبارنا، كيف لرجل مثله أن يفارقنا وقد أحببنا الوطن لأجله.

كان يأتي بالوطن إلينا.. يُحدثنا عنه فنُصغي ونُلبي، بالنسبة لي كان الوطن علماً وسروة وزيتونة، وأحياناً يخيل لطفلة مثلي أن جدي هو الوطن، فلربما هو يعرف عنه ما يُنكره الوطن في ذاته. جدي الفلسطيني الهيبة.. العربي اللسان.. ينصب أكتافه فتُسلم عليه أفياء الصنوبر، وتحييه حمائم السلام. تَقاسم مع الأرض زادها، بذر فيها قمحه فتلألأت بسنابل القمح تُحيي شموخه، وقطف من زيتونها ضياء جبهته التي تَرفع الإجلال للوطن.

لطالما حدثنا جدي والذي عاصر كل من الحُكم العثماني والانتداب البريطاني والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وأتقن لغات عدة؛ كيف كنا وليمة شهية لا ينفك مستعمر يُلقي قُيوده علينا حتى يَنهبنا الآخر. كيف تنقلنا من مجزرة لأخرى ومن تهجير لآخر، كيف باعنا هذا واشترانا ذاك، كانت تخنقه العبرات وتغوص عيناه إذا ما تَذّكر أصدقاءه رفاق الوطن وقد ذهب بعضهم مُهاجراً أو أُعدم على عتبات قريته. كان يمسك مسبحته يذكر الله فيها ثم يعد بين خرزاتها برتقالية اللون عشرات القرى والبلدات التي زارها في أرجاء فلسطين.

كانت المئة وخمسة أعوام التي عاشها ميثاقاً شاهداً يُوثق حكاية الوطن بعيوننا نحن كأحفاده، كان شاهدنا على التاريخ.

لجدي والذي درس علوم الدين في الأزهر الشريف وحفظ القرآن كاملاً – ولطالما أخجلنا من تقصيرنا وتَكاسُلنا عن حفظه – مهنة البناء كان يعمّر الوطن بيديه الكبيرتين، فهو ما عاد يثق بأولئك الذي وهناً على وهن هدموا ما بُني فيه. في كل قرية يبني بيوتها ويرفع مآذنها ويشد حجارة كنائسها، يرمم فيها جروحها ويكفكف عنها حزنها وهمها.. فلقي له في كل بيت صديق وتحت كل زيتونة زادٌ من الملح والزيت يتشاركه مع أهلها، فيحفظ حق الود ويصون عهد الأحبة.

تذكرته ويأبى مثله أن لا يُذكر، كانت قصصه دروسي المفضلة، كان منهاجه سهلاً عن العروبة والوطن، لم تكن فلسطين وطنه فقط، كان يحدثنا عن العروبة وطن واحد الشام والعراق ومصر والخليج والمغرب العربي أقوياء بيننا شعرة معاوية وبنيان الأخوة. يتداعى منا وطن فتهب له أوطان، تبكي امرأةٌ فتسير لها جيوش وقوافل، يقع طفلٌ يتيماً فيتهافت له الآباء والأمهات.

كيف لجدي والذي كان يفطر مع إمام مسجد في عكا ويتغدى في منزل أسقف في الناصرة ويروي ظمأه من سامري في نابلس، أن يعلم أننا أصبحنا أبناء الدين الواحد والملة الواحدة نختلف فنفترق وأغلقنا أبوابنا فما سمعنا صراخ أهل حلب ولا العراق، وما شددنا أود بعضنا فمال بنياننا وتصدع ما بيننا، إننا أكلنا يوم أكل الثور الأبيض، وها نحن ننتظر أينا اللاحق وقد سلمنا عدونا زمام أمرنا. جدي كان سمعه ضعيفاً وذلك لتعرضه لضربة قوية من بندقية جندي انجليزي في أيام شبابه، فكان يُعيد علينا القصص ويعلو بها صوته الذي ما زال صداه عذباً يتردد على مسامعي كلما لاح في الأفق ذكره.

كانت المئة وخمسة أعوام التي عاشها ميثاقاً شاهداً يُوثق حكاية الوطن بعيوننا نحن كأحفاده، كان شاهدنا على التاريخ. يتردد صوته في عقلي وهو يغني: والله يادار راحو وطولو صحابك لفديك بدمي على بوابك يادار.. جدي كان يحمل في قلبه مفتاح العودة لآلاف الأصدقاء المبعدين عن الوطن، كيف لا وهو الذي التحمت بيوتهم من عَرَقه يُعمّر لهم فيها حاضراً ومستقبلًا. الحاج رضوان كان سنديانة الوطن تدق جذوره الأرض وتتعلق على أغصانه مفاتيح العودة تستظل في أفيائها العصافير تعشش للوطن وتغني للوطن.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة