أبحاث الخلايا الجذعية.. هل اكتشفنا حقا سر الخلود؟

لزمن طويل كانت فكرة الخلود والشباب الأبدي منحصرة في أدب الخيال العلمي والقصص الخيالية، ولكن جائزة نوبل للطب لعام 2012 قد جعلت البعض يعيدون التفكير ماليا في هذه المسألة، العالمان جوردون وياماناكا نالا الجائزة لتمكنهما من إعادة برمجة خلايا متخصصة لشخص راشد لتصبح خلايا جذعية قادرة على التحول إلى أي نسيج للجسم بعدما كنا نظن أنها رحلة في اتجاه واحد، يصعب فعلا تصديق الأمر لكنه حصل ليحدث بذلك ثورة عظيمة في مجال الطب التجديدي.

   
لا يسعني إذن إلا أن أضع لكم ذلك في السياق العام كما أراه أي الخمس محطات البارزة في تاريخ علم الأحياء التي مرت وستمر بها الأبحاث في مجال الهندسة الوراثية، بدأً بالمرحلة الأولى سنة 1995 قبل ذلك كنت إذا احتجت إلى الأنسولين مثلا، كشخص مصاب بالسكري تحصل عليه من خنزير أو بقرة أو كلب أو حيوان في خطر، لتحقنه لنفسك، هذا الأنسولين ليس بشريا وبالتالي يسبب أعراض جانبية ولهذا الغرض قام الباحثون بتعديل فطر مجهري لينتج لنا الأنسولين البشري، كانت هذه هي المرحلة الأولى من الهندسة الجينية، في مرحلة ثانية سيقوم الباحثون بجعل عضو بشري مثل حنجرة أو مثانة ينمو، لكي يتم زرعه لدى شخص ما عن طريق عملية جراحية، هاته المرحلة من الهندسة الجينية لم تكن لها أي علاقة مع الخلايا الجذعية.

   
في المرحلة الثالثة.. هنا سنتحدث عن الخلايا الجذعية وكيف سيستطيع من خلالها الباحثون إصلاح عضو في الجسم، فمثلا إذا كنت مصابا بداء السكري من النمط الأول، حيث البنكرياس يكون عاجزا عن إنتاج الأنسولين أو غدتك الدرقية غير قادرة على إنتاج التيروكسين فبدل أن يحقنوه للإنسان، يقومون بتعديل العضو الموجود في الجسم دون إزالته لكي ينتج الأنسولين أو التيروكسين.
  

تطمح الفرق العلمية عبر هذا المشروع الخيالي جعل الجلد أكثر شبابا، ثم العضلات ثم القلب فبقية أعضاء الجسم، لنصل لمرحلة يصبح بمقدورنا جعل الجسم يعود إلى حالته حين كان عمره لا يتجاوز 25 سنة

أما المرحلة الرابعة هي بكل بساطة: الخلود! إذا ما قومنا بتعديل الأعضاء على مستوى الجسم كله فستكون بداية أول جيل سيعيش إلى الأبد بينما نحن نكون آخر جيل يموت، ما أقصده بالخلود هو القدرة على العيش من 500 إلى 5000 سنة بجسد سليم لشخص عمره بين ثمان سنوات وخمس وعشرون سنة. وفي المرحلة الخامسة للهندسة الجينية سنتساءل، ما الحاجة لجسم بشري؟  فريمان دايسون كان يقول بأن الشكل الأفضل للإنسان هو سحابة بخار وزنها 50 كلغ بعرض كوكب كامل وتسبح في الفضاء وقد نطور أنفسنا لنستطيع العيش على المريخ بدون بذلات فضاء أو في عمق المحيطات، أمور يصعب تصديقها لكن بالعلم تخلق المعجزات.

  

إذن هذه هي المراحل الخمسة للهندسة الجينية لنعود الآن لموضوع الخلايا الجذعية وما آل له العلماء في هذا الباب، حُقِق هذا الإنجاز على مرحلتين على يد العالمان جوردون وياماناكا اللذان فازا بجائزة نوبل للطب، في السيتينات من القرن الماضي قام جوردون بتجاربه حيث أخذ بويضة ملقحة لضفدعة وأزال النواة، ثم أخد خلية أمعاء لشرغوف وأزال لها نواتها أيضا ليضعها في البويضة الفارغة، خلية الأمعاء هاته، عكس ما كان متوقعا، أصبحت مثل خلية جذعية جنينية ذو خاصيتين أساسيتين قادرة من جهة على الانقسام والتكاثر ومن جهة أخرى متعددة الاختصاصات.

 

ما جاء به العالم ياماناكا هو مشابه لما سبق، حيث أخذ خلية بالغة من موضع ما من الجسم في حالته كانت خلية لجلد فأر وبإدخال جينات مختلفة جعل الخلية تعود إلى حالة الخلية الجذعية الجنينية المرغوب فيها، وهذا النوع من الخلايا الجذعية يمكن استخدامه لعلاج عدد من الأمراض كما أنه مصدر لعدد من المشاكل الأخلاقية والقانونية لو حاولت الحصول عليه من جنين، فأما إن أخدت عينة من جلدك وطبقت عليها المراحل السالف ذكرها وبالتالي إرجاعها لحالتها الأولية ثم جعلها تنمو لتعالج بها غدتك الدرقية التي لا تنتج التيروكسين أو البنكرياس الذي لا ينتج الأنسولين فسيكون أمراً مذهلا!

ستظهر العلاجات الأولى خلال العشرين عام المقبلة، ما دامت الاختبارات القائمة حاليا هي فقط على خلايا يتم زرعها في المختبر ولكن تحقيق ذلك في المختبر وتطبيقه داخل جسم الإنسان أمر ليس بالهين، تطمح الفرق العلمية عبر هذا المشروع الخيالي جعل الجلد أكثر شبابا، ثم العضلات ثم القلب فبقية أعضاء الجسم، لنصل لمرحلة يصبح بمقدورنا جعل الجسم يعود إلى حالته حين كان عمره لا يتجاوز 25 سنة ليغدو بذلك جسدك الجديد الذي ستقضي به من 500 إلى 5000 سنة، 50 أم 70 سنة ليتحقق كل هذا لا يمكن أن نجزم لكن في الآن نفسه لا يمكن أن ندحض مدى التطلعات والتقدمات العلمية الملموسة سنويا وعالميا في هذا الباب.

 

وفي الحقيقة أنهُ منذ اكتشاف تكنولوجيا الخلايا الجذعية الجنينية، والمُستنسخة، والمُحفزة، تثور أسئلة أخلاقية كثيرة حولها وحول أهدافها المباشرة والغير مباشرة، مما استلزم وضع قواعد وقوانين جامحة للانطلاق المهول لتطبيقات هذه التكنولوجيا، بينما لا ينبغي لنا أن نرفض كل علم الخلايا الجذعية بطريقة أخلاقية، ولا أن نخلط بين كل تقنيات علم الخلايا الجذعية والريبة فيها جميعاً، وذلك لأن تقنيات الخلايا الجذعية المُستنسخة والمُحفزة ذات أهمية قصوى في العلاج الطبي.

 

فهي صالحة أو طالحة مثل كل اختراع علمي حسب استخدامها، تعمل لصالح البشرية أو ضدها. وسوف أوضح هنا الجانبين، فاستخدام تقنية الخلايا الجذعية المُستنسخة لصنع فرد له نفس الشفرة الوراثية تسمى "الاستنساخ الإنجابي" "Reproductive Cloning"، قد يكون سلبياً، في المقابل نجد أن "الاستنساخ العلاجي" "Therapeutic Cloning" يستخدم تقنية الخلايا الجذعية المُستنسخة لصنع الأعضاء أي لاستبدالها بالأعضاء التالفة لدى المريض، وهي تقنية مشاكلها الأخلاقية أقل بكثير أو شبه منعدمة.

 
ربما سيفتح استنساخ البشر المجال للدول لتوليد جيش من البشر المُستنسخة وإمكانية اللعب فيهم جينياً لإعطائهم قوات خارقة، لا يستبعد أن تكون مثل الذي نراه في أفلام الخيال العلمي مثل سلسلة أفلام X – Men، أو لما لا القيام بالخلط جيني ما بين الإنسان والحيوانات مثل إنسان وعنكبوت لتوليد Spider-Man، ومخلوقات أخرى من رحب الخيال وبذلك لن يكون البشر أحراراً فعلاً كما ولدتهم أمهاتهم وبالتالي ستكون نهاية البشر على يد البشر. ومن هنا أرى ضرورة الالتزام في مجال الخلايا الجذعية بالجانب العلاجي، وهو ما يؤيده حتى الآن الكثير من العلماء في هذا المجال. فإذا لم يسلك هذا الاتجاه وانحرف عنه فأنه بذلك سوف يزيد البشر آلاما ولن يقللها. لكن شئنا أم أبينا على طريقة ما نشاهده في أفلام الخيال العلمي مراوغون ومخادعون للموت.. هكذا سيعيش يوما ما سكان هذا الكوكب!



حول هذه القصة

حقق مشروع لمقاومة التصحر في منطقة نينغشيا شمالي غربي الصين نجاحا مبهرا باستخدام تقنية لاستصلاح الأراضي الصحراوية. وخلال 17 عاما أسفر المشروع عن استصلاح مئات الكيلومترات المربعة من أراضي المنطقة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة