حكمة الميراث

blogs نقود

في مقال سابق بعنوان "بل {للذكر مثل حظّ الأنثيين}" نُشر قبل أكثر من عام على مدونات الجزيرة، وأعيد نشره قبل أيام، بيّنتُ كارثية الطرح الحديث الذي يزعم أنّ المرأة تحصل على حصة أكبر من الميراث في حالات أكثر، وبيّنا عوار هذا الحساب وأخطاءه العلمية القاتلة، فضلا عما ينطوي عليه من تسليم مسبق بمشروعية مفهوم المساواة الغربي ومحاولة لمحاباة الطرح الليبرالي عموما و"النسوي" خصوصا.

 

وفي هذا المقال سنحاول إلقاء الضوء على أمر آخر، وهو بيان مقاصد هذا الحكم، أي: لماذا حدّدت الشريعة للذكر مثل حظّ الأنثيين في ميراث الأبناء؟ وسنقتصر على هذا النموذج الأكثر شيوعا، وهو توريث الآباء للأبناء، دون الدخول في تفاصيل الحالات الأخرى؛ لأنّها الحالة الأكثر شيوعا، ولأنّها هي أساس الإشكالية في أفكار المتأثرين بالطرح العلماني الغربي الذي يقدّس المساواة بين المختلفين.

 

من قال إنّ المساواة إيجابية دائمًا والتمييز سلبي دائمًا؟

وقبل أن نبيّن ما تبدّى لنا من مقاصد هذا الحُكم الشرعي وحكمة الله سبحانه في ذلك، علينا أن نتساءل: كيف وقعنا في هذا التسليم الذي لا نقاش فيه بمدح المساواة وشجب التمييز؟ أي من قال إنّ المساواة فكرة إيجابية دائمًا؟ إنّنا كمسلمين ندرك إيجابية المساواة حين تكون بين متماثلين: كالمساواة بين ابنين، أو بين عاملين بنفس الدرجة، أو كمساواة الرجل بين نسائه، ونسمّي ذلك "العدل". أما المساواة في الحقوق والواجبات بين مختلفَين في الطبيعة والوظائف والقدرات فهو ليس أمرًا بدهيّا ولا مفهومًا ضمنًا، والتمييزُ في الحقوق والواجبات بين المختلفَين – بناء على قدراتهما ووظائفهما المختلفة – ليس ممارسة سلبية أو مُسيئة.

 

إنّ فكرة المساواة التامّة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات فكرة علمانية غربية النشأة، وهي مبنية على معانَدة لجميع حقائق البيولوجيا والنفس والتجربة الواقعية والتاريخ والوظائف المختلفة لكل جنس من الجنسين. إنّ أولئك الذين يدعون إلى المساواة التامّة بين الرجل والمرأة متنكّرين لجميع القيم الدينية، هم أنفسهم من يتعامل مع الاختلاف في الحقوق والواجبات (إن جاز التعبير) في عالم الحيوان بتفهّم كامل، هذا وهم يزعمون أن الإنسان حيوان متطوّر لا أكثر! فهم يراقبون جميع أجناس الحيوانات، ويجدون التنوع المذهل بين وظائف الجنسين في معظمها، فيتفهّمونه ويدرسونه دراسة علمية، ثم يُبيّنون معالم هذا البناء الأسري المحكم ودوره في استمرارية حياة ذلك النوع من الحيوانات.

الشريعة الإسلامية تؤخذ ككلّ واحد، أي أنّ أحكامها مترابطة ولا يمكن اقتطاع حُكم واحد ورؤية اطّراده وآثار تطبيقه في واقع لا تُطبّق فيه بقية أحكام الشريعة

أما حين يصلون إلى الإنسان، فإنّهم يقرّرون فجأة أفكارا مؤدلجة غريبة لا تنسجم مع الحقائق الفطرية ولا مع منهجهم "العلمي" في دراسة ظاهرة الحياة، فيُخفون بناءً على أيديولوجيّتهم غير العلمية جميع الفروقات بين الذكر والأنثى عند البشر، ويُهدرون قيمة الاختلافات البيولوجية والنفسية والسلوكية وعلاقتها بالبنية الاجتماعية لدى الإنسان، ليقرّروا أنّ كلا الجنسين ندّ، كذكرين يعيشان معا، أو كامرأتين تعيشان معًا!

 

ولهذا نحن ندعو القارئ إلى التجرّد العلمي قدر الإمكان، ومحاولة تجاوز الضجيج الإعلامي الذي رسّخ مفهوم المساواة بين الجنسين في جميع الحقوق والواجبات كما لو كان "حقيقة أخلاقية"، رغم أنها – لو تأملنا – مجرّد أيديولوجيا عَلمانية مخالفة لجميع المعطيات العلمية التي توفّرها دراسة الجنس البشري.

 

العدل في توزيع الحقوق والواجبات

والآن، بعد أن تجاوزنا دهمائية الخطاب العلماني الذي وضع مفهوم "المساواة" في دائرة التقديس، ووضع مفهوم "التمييز" في دائرة الإدانة، نتوجّه إلى المفهوم الإسلامي المقابل. فالتشريع الإسلامي مبني على العدل والحقّ، جاءت الشريعة لإقامة "العدل" بين الناس، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، وقال سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}. وجاءت كذلك لإقامة "الحقّ"، قال سبحانه: {كانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}. وقال عزّ وجلّ: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}، فانظر كيف أخرج لنا من حكمته اسمه "الحقّ" في الآية، وذلك لنعلم أنّ الحقّ في اتباع شريعته، وأنّ الباطل في اتباع الأهواء.

 

ليس في الشريعة إذن قصدٌ للمساواة، والمساواة فيها هي إجراء يُتّخذ لتحقيق العدل في حالة المتماثلَين، كما في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم: "مَن كانتْ له امرأتانِ فمال إلى إحداهما جاء يومَ القِيامةِ وشِقُّهُ مائلٌ" (سنن أبي داود). أما القصد فهو للعدل، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

 

وقد أراد الله العادل الحكيم سبحانه، الذي {يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، أن يكون للذكر من الأبناء مثل حظّ الأنثيين في الميراث. وقد تدبّرنا هذه الشرعة الإلهية فوجدناها مقتضى الحكمة والاتّساق مع سائر أجزاء الشريعة؛ فقد أوجب الله على الرجل أن يكون هو المنفق على الأسرة، أي على زوجه وأبنائه وبناته، فكلّفه بذلك ولم يكلّف المرأة، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}. وبيّن سبحانه أنّ على الرجل دفع المهر للمرأة عند الزواج إلا لو تنازلت هي له عن ذلك عن طيب خاطر، قال تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}. وجعل للمرأة حقّا في مال زوجها، بل أباح لها الأخذ من ماله بالمعروف دون علمه إذا لم يعطها من النفقة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخلت هندُ بنتُ عتبة امرأةُ أبي سفيانَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، لا يُعطيني من النفقةِ ما يَكفيني ويَكفي بنيّ إلّا ما أخذتُ من مالِه بغيرِ علمِه، فهل عليَّ في ذلك من جُناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خُذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بَنيكِ" (صحيح مسلم).

 

فوجدنا عند التأمّل أنّ الذي كُلّف بالإنفاق على زوجته، وجعل الله لها حقّا في ماله ولم يجعل له حقّا في مالها، والذي كُلّف بدفع المهر؛ لجديرٌ به أن يأخذ من ميراث آبائه قدرًا أكبر يُعينه على أداء هذه التكاليف المالية الكبيرة التي لم تُكلّف بها الأنثى، فهذا من رحمة الله بخلقه، فهو سبحانه يريد بنا اليُسر كما قال في كتابه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، فلم يكلّفنا بشيءٍ إلا وقد مكّننا من وسائل أدائه على أتمّ وجه، فإذا عدمنا الوسائل وعجزنا عن تحصيلها عذرنا الرحمن بهذا العجز وقال لنا: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

 

فهذا ما تراءى لنا من حكمة هذا التشريع الإلهي الرحيم، وما تبدّى لنا من ارتباطه ببقية أجزاء الشريعة، ليكون هذا الحُكم في الميراث بمنزلة لَبِنَةٍ تأخذ مكانها المناسب باتّساق في بناء هذه الشريعة المُحْكَم. ولا يقال: إنّ المرأة اليوم تنفق على الرجل، فهذا أولا غير صحيح ومعظم الحالات بخلافه، وهو ثانيا بخلاف الواجب، ونحن لا نُبطل حكم الميراث لتقصير الناس في حكم الإنفاق، بل ندعو إلى إقامة شرائع الله كلّها معًا، حُكم الميراث وحُكم الإنفاق وغيرهما، فلا يظهر بهاءُ الشريعة إلا بأن تؤخذ جملةً.

 

الشريعة الإسلامية حين تعطي للابن الذكر مثل حظّ الأنثيين في الميراث، أو حين تعطي للمرأة الحقّ في مال زوجها وتمنع الزوج الحقّ في مالها، لا تنظر إلى الشريعة الإسلامية حين تعطي للابن الذكر مثل حظّ الأنثيين في الميراث، أو حين تعطي للمرأة الحقّ في مال زوجها وتمنع الزوج الحقّ في مالها، لا تنظر إلى "عدم المساواة" بين الرجل والمرأة في كل حالة منفردة، فلا توجد أي قيمة أخلاقية لهذا المفهوم مجرّدا
 

إنّ الشريعة الإسلامية تؤخذ ككلّ واحد، أي أنّ أحكامها مترابطة ولا يمكن اقتطاع حُكم واحد ورؤية اطّراده وآثار تطبيقه في واقع لا تُطبّق فيه بقية أحكام الشريعة. فالتشريع الوضعي العلماني الذي يجعل الرجل والمرأة متساويان في النفقة (كما يفترض)، والذي يعتبر أخذ المرأة من مال زوجها بغير علمه إنْ قصّر في نفقتها "سرقةً" يُحاسب عليها القانون، هذا التشريع لا يمكنه استيعاب حُكمٍ منفرد يُعطي الذكر من الأبناء مثل حظّ الأنثيين، وهذا هو سبب استهجان أحكام الميراث لمن تشبّع بمعطيات الواقع المريض وجعلها هي الأساس وهي مصدر قيمه! فكيف إذا كان ممّن سلّموا مع ذلك لدهمائية الخطاب العلماني الذي جعل مفهوم "المساواة" في الحقوق والواجبات بين المختلفين في الطبيعة والوظائف والقدرات مفهومًا مقدّسا؟ أما التشريع الإسلامي، فهو بمنظومته الكاملة يستوعب هذا الحُكم، ويُظهر فاعليّته وأهميّته واتّساقه مع سائر أحكام الشريعة.

 

إنّ الشريعة الإسلامية حين تعطي للابن الذكر مثل حظّ الأنثيين في الميراث، أو حين تعطي للمرأة الحقّ في مال زوجها وتمنع الزوج الحقّ في مالها، أو حين توجب على الزوج الإنفاق على زوجته ولا توجب على الزوجة ذلك.. إنها في جميع هذه الحالات لا تنظر إلى "عدم المساواة" بين الرجل والمرأة في كل حالة منفردة، فلا توجد أي قيمة أخلاقية لهذا المفهوم مجرّدا، كما أنّها لا تعطي أي قيمة سلبية لمفهوم "التمييز"، فهو مفهوم مجرّد عن القيمة.

 

أي بكلمات أخرى: نعم هو تمييزٌ بينهما في الحالات المختلفة، أو فلنقل: اختلافٌ في الحقوق والواجبات مبنيٌّ على الاختلاف في الوظائف وفي المستوى البيولوجي والنفسي (قوة الرجل مقابل ضعف المرأة، حمْل المرأة وولادتها وانشغالها بالعناية بالصغار، نفسية المرأة وعاطفتها الفيّاضة الملائمة لحضانة الأطفال الصغار وتربيتهم في المنزل بينما يكون الرجل منشغلا في العمل وكسب المال.. إلى آخر الاختلافات).

 

وقد شرع الله لنا هذه الأحكام لتنظيم علاقات الأسرة وغيرها، وهو سبحانه يعلم أنّها الأصلح لنا، فهو سبحانه خالقُنا، وهو الحكيم اللطيف الخبير القائل في محكم التنزيل: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}. ختم الآية بصفتي العلم والحكمة؛ لتعلموا أنّه أنزل لكم هذه الأحكام بعلمه الشامل الذي لا يغيب عنه مثقال ذرّة من شيء، ومن الحكمة المطلقة التي لا تضاهيها حكمة مخلوق، فكيف بعد ذلك تزعمون أنها لم تعد مناسبة لكم يا مَن تتعاوركم عوامل الضعف والجهل والهوى والشهوة والمصالح الشخصية؟!

 

دحض شبهة المؤلّفة قلوبهم

ولقد بدا لبعض الذين يرغبون بتغيير أحكام الميراث الإسلامية وتبنّي القانون العلماني أن يستشهدوا بمنع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه العطاءَ عن المؤلّفة قلوبهم، أي أولئك الذين أعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلّم من مال الزكاة يتألّفهم به ليُسلموا أو ليقوى إسلامهم، أو كما قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره معرّفًا بالمؤلّف قلبه: "هو السيد المطاع في قومه، ممن يرجى إسلامه، أو يُخشى شرّه، أو يُرجى بعطيّته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جبايتها ممن لا يعطيها، فيُعطى ما يحصل به التأليف والمصلحة".

 

قال أصحاب هذه الشبهة: لقد ذكر الله حُكم المؤلّفة قلوبهم في كتابه فقال عزّ وجلّ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. قالوا: وقد أبطل عمر بن الخطاب هذا الحقّ لتغيّر الواقع، وبناء على ذلك، يمكننا اليوم أن نلغي حُكم إعطاء الذكر من الأبناء مثل حظّ الأنثيين في الميراث!

 

أحكام الميراث فهي ليست مرتبطة بأوصاف متغيّرة، كالفقر وتألّفِ القلوب وأمثالها، بل هي مرتبطة بأوصاف فطرية ثابتة تتمثّل بالفروقات بين الجنسين، وهذه الفروقات لم تتغيّر منذ نزول القرآنأحكام الميراث فهي ليست مرتبطة بأوصاف متغيّرة، كالفقر وتألّفِ القلوب وأمثالها، بل هي مرتبطة بأوصاف فطرية ثابتة تتمثّل بالفروقات بين الجنسين، وهذه الفروقات لم تتغيّر منذ نزول القرآن
 

ولو تأمّل هؤلاء الآية وحقيقة المؤلّفة قلوبهم وحقيقة ما فعله عمر رضي الله عنه لما احتجّوا بهذه الآية؛ فالآية تذكر الفقراء أيضا، والفقير له حدّ يُعرف به، فمن كان ينطبق عليه وصف "الفقير" في المجتمع يُعطى، فإذا أصبح غنيّا ولم يعد وصف "الفقير" منطبقا عليه هل يظلّ يأخذ من مال الزكاة؟ لا يقول ذلك عاقل! وبالمثل نقول: فإنّ هؤلاء الذين أخذوا مال الزكاة تحت وصف "المؤلّفة قلوبهم" لم يعد هذا الوصف منطبقا عليهم؛ فقد أخذوا هذا المال حين كان شرّهم مستفحلا ويُرجى كفّه، أو حين كان إسلامهم سببا لدخول غيرهم في دين الله لأنّهم أمراء مُطاعون، أو حين كانت نيّاتهم ضعيفة في أول الأمر، فلمّا بطلتْ هذه الأوصاف ولم تعد منطبقة عليهم فلِمَ يأخذون أموال الزكاة؟

 

فالمسألة ليست إبطالا لهذا الحكم، بل يعود تطبيقه متى عادت أسبابه ودواعيه، والقضية هي منع عمر هذه الأموال عمّن لم يعد من "المؤلّفة قلوبهم"، لا أنّه أبطل حُكم المؤلّفة قلوبهم. كما لو أننا ألغينا إعطاء المال لمجموعة من الفقراء لأنّهم لم يعودوا فقراء بل صاروا أغنياء، فهذا لا يعني إبطال حقّ الفقير في الزكاة كما في الآية.

 

أما أحكام الميراث فهي ليست مرتبطة بأوصاف متغيّرة، كالفقر وتألّفِ القلوب وأمثالها، بل هي مرتبطة بأوصاف فطرية ثابتة تتمثّل بالفروقات بين الجنسين، وهذه الفروقات لم تتغيّر منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا حتى يُقال إنّ الواقع اليوم يختلف! فالواقع الذي ترتبط به أحكام الميراث هو واقع اختلاف الجنسين بيولوجيّا، والذي تُبنى عليه منظومة مختلفة من الحقوق والواجبات في علاقات الجنسين والأسرة كما أسلفنا، فوجوب إنفاق الرجل ودفعه للمهر وحقّ المرأة في ماله وغيرها من المسائل ما زالت قائمة في الشريعة، وما زال الرجل مكلّفا بها ما دام ذكرا مسلمًا بالغًا عاقلا، فبأي حقّ يدعو هؤلاء إلى إلغاء حقّه الذي كتبه الله له في الميراث؟ وهل أنزل الله آخر كتبه ورسالاته وأحكمَ هذه الشريعة الخاتمة حتى يقول قائلٌ إنها لم تعد قابلة للتطبيق في عصر من العصور؟!

 

وأخيرا أقول: إنّه لا تعارض بين إظهار المقاصد الشرعية في الأحكام وبين التسليم التامّ لله والانقياد بلا لجلجة لشريعته؛ فالذي قال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، هو سبحانه الذي قال في فرض الحجاب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}، وهو سبحانه الذي قال في تحريم الخمر والميسر: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، وذلك لأنّ النفسَ تكون أبصر بالشرائع وأقوى على إقامتها حين تفقه حكمتها ومصالحها ومحاسنها.