الحراك الشعبي في السودان بين صراع القوى وتطلعات الشعب

يبدو أن جهات كثيرة محلية وإقليمية متناقضة في توجهاتها، تُراقب عن كثب ما يدور في السودان هذه الأيام ولبعضها المصلحة في الانقضاض على ثورة الشعب السوداني، وللآخر المصلحة في إبقاء نظام البشير. وبما أن نظام الخرطوم يرفع شعار ما يُسمى "الإسلام السياسي" ويمعن في التماهي معه، إلا أن لقواعد الإسلامي السياسي قول آخر كما هو حاصل في الزخم الذي اكتسبته الاتجاجات الشعبية. سنتعرف من خلال هذه المدونة على القوى ذات المواقف المتناقضة داخلياً وخارجياً ومواقفها من الحِراك الجماهيري الحالي تأييداً وتخذيلاً وعلى طريقة عملها، ونتعرف كذلك على سيناريوهات التغيير في السودان على ضوء حقائق الواقع.

المجموعة الأولى
داخلياً هناك جهات داخل الحكومة ضَعُفت مراكزها خلال السنوات الأخيرة في إطار التزاحم الداخلي على مراكز صنع القرار. هؤلاء يسعون لتحميل البشير كل المسؤولية، وربما هللوا لسقوطه نكاية بمن أخذوا منهم السُلطة. من ضمن هؤلاء أصحاب المناصب الذين أصبحت مناصبهم ديكورية، وكذلك المؤتمر الشعبي الذي أسسه الراحل الدكتور الترابي (رحمه الله) إبان المفاصلة الشهيرة عام 1999 بين الإسلاميين في السودان. هؤلاء يعتبرون البشير قد خان ميثاق الحركة الإسلامية، أو بالأصح اختطف الإسلام السياسي وحرّفَهُ عن مساره تماماً.

المجموعة الثانية
وهم المتحكمون في مواقع القرار ومنهم من يُسمون بالقطط السمان الذين استحوذوا على السُلطة والثروة واكتنزوا الأموال عبر السنين. فهؤلاء هم الذين يدعمون استخدام السُلطة للقوة لفض المظاهرات بما في ذلك قتل المتظاهرين، لأن زوال حكم البشير يعني بالضرورة خسارة فادحة لهم. من ضمن هؤلاء المتنفذون داخل السُلطة والجماعات المسلحة الموالية للسلطة وحتى القيادات العسكرية التي سعت الحكومة لإرضائها بالامتيازات خلال السنوات الماضية. ضمن المجموعة الثانية أيضاً ما يسمى بأحزاب الفكة، وهي مجموعات صغيرة سواءً أكانوا ممن حملوا السلاح ضد الحكومة من قبل ودخلوا لاحقاً في اتفاق مع الحكومة، أو كانوا معارضين انشقوا من أحزابهم السياسية فدخلوا في الحكومة فيما بعد. العامل المشترك بين هؤلاء أنهم تمت ترضيتهم بوظائف حكومية رفيعة أو مبالغ مالية. فهؤلاء ليس من مصلحتهم سقوط الحكومة.

المجموعة الثالثة

على المستوى الإقليمي هناك كتلتان متصارعتان على المستوى العربي، وهما الكتلة التي تقودها السعودية وتشمل الإمارات ومصر والبحرين وتلك التي تقودها تركيا وقطر.

وهي مجموعة المعارضة السياسية الخارجية والداخلية وهي مجموعات مختلفة تتفق على معاداة الحكومة، ولكنها لا تتفق على برنامج معين لما سيكون عليه نظام الحكم في عهد ما بعد البشير. هؤلاء جميعاً ظلوا يسعون لإسقاط الحكومة منذ استيلائها على السُلطة في 30 يونيو 1989، ولكن يبدو أن همتهم قد فترت وطال عليهم الأمد، وهم في الحقيقة وجه آخر للحكومة. بمعنى أنهم والحكومة وجهان لعملة واحدة. هؤلاء لا يُفضلون إسقاط الحكومة بقدر ما يُفضلون الدخول معها في ترتيبات سياسية وينتظرون العروض التي ستقدمها لهم الحكومة. 

بالنسبة لهؤلاء سقوط الحكومة لا يضمن لهم الحصول على ما يمكنهم الحصول عليه في حال الدخول في التفاوض مع الحكومة. والسبب في ذلك أنهم يفتقرون إلى برنامج طموح يقنعون به الشعب السوداني للتصويت لهم في انتخابات ديمقراطية حرة. إذا فشل هؤلاء في الدخول في ترتيبات مع الحكومة، فمن مصلتهم ركوب موجة التغيير واختطاف الحِراك الجماهيري. مشكلة هؤلاء هي أنهم غير متجانسين في توجهاتهم السياسية والفكرية. ومن بين هؤلاء الأحزاب التقليدية والعلمانية بشقيها اليساري والليبرالي، بالإضافة إلى الحركات المسلحة، وقد لا تكون الديمقراطية الحقيقية عاملاً مشتركاً بينهم.

المجموعة الرابعة
خارجياً على المستوى الإقليمي هناك كتلتان متصارعتان على المستوى العربي، وهما الكتلة التي تقودها السعودية وتشمل الإمارات ومصر والبحرين وتلك التي تقودها تركيا وقطر. بالنسبة للكتلتين يعتبر نظام البشير منتهي الصلاحية لذلك فإن تعاطيهما مع ما يدور في السودان يكتنفه الغموض. غير أن هناك مؤشرات تُبين موقف الكتلتين من حكومة البشير. الكتلة السعودية تفضل بقاء نظام البشير وترجو منه موقفاً واضحاً معادياً لقطر ومنحازاً بالكامل للكتلة السعودية. هذا الموقف تؤكده تغريدة ضاحي خلفان – مدير شرطة دبي سابقاً – تعليقاً على ما يجري في السودان بقوله: "أثبت عمر البشير أنه قائد عربي يقف بجوار العرب وقت المحن". 

علماً بأن تغريدات ضاحي خلفان تُعبر بالضرورة عن الموقف الرسمي للدولة. هذا فضلاً عن التغطية الحذرة لأحداث السودان في القنوات العربية. لعل زيارة البشير السرية إلى سوريا يوم 17 ديسمبر 2018 ولقاء بشار الأسد تصب في مصلحة هذا المحور السعودي الذي يغازل نظام الأسد. أما بالنسبة للمحور التركي القطري فعلى الرغم من مخاطبة أمير قطر للبشير وطمأنته له بأن قطر تقف مع السودان، فإن تقرير فوزي بشرى (وهو بمثابة سلاح ثقيل لا يستخدم إلا عند الضرورة) في تغطية قناة الجزيرة لأحداث السودان يحمل أكثر من معنى ظاهر.

من المؤكد في موقف الكتلتين، أن الكتلة التركية القطرية تدعم التغيير المفضي لتمكين الإرادة الشعبية باعتباره داعماً لخط التغيير في المنطقة العربية في سياق الربيع العربي. بينما الكتلة السعودية تدعم الأنظمة القديمة المناهضة لثورات الربيع العربي. وعلى الرغم من أن نظام البشير ينتسب إلى الإسلام السياسي المحارب من الكتلة السعودية، فإن دعم هذه الكتلة لبقاء نظام البشير هو لقطع الطريق أمام أي تغيير يفضي إلى نظام ديمقراطي حقيقي يصعب التحكم به.

هذا المعسكر بدا نجمه في البروز بعد مقتل الصحفي جمال خاشوجي والصعود المتوقع للديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي في الانتخابات القادمة بعد أن مُنى الرئيس ترامب بهزيمة في الانتخابات النصفية.

فنظام البشير، إذن، بالنسبة للمحور السعودي الإمراتي المصري هو الجن الذي يعرفونه وهو خير من الجن الذي لا يعرفونه. لابد أن نذكر هنا أن الحِلف السعودي حالياً أصبح حاله كحال النسر الجريح جرحاً غائراً، بعد قرارات الكونغرس الأمريكي المعادية للأمير محمد بن سلمان واتهامه بأنه وراء مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، مما أضعف موقف هذه الكتلة محلياً وعالمياً.

المجموعة الخامسة
عالمياً هناك معسكران في الغرب، أولهما داعم للأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي باعتبارها مؤتمنة على مصالح الغرب ويسهل توجيهها والتحكم بها لأنها في الغالب تفتقر إلى الشرعية وتستمد أسباب بقائها من الدعم الغربي. هذه الكتلة وراءها اللوبي الصهيوني واليمين المتطرف المعادي مبدئياً للعرب والمسلمين. وبما أن الرئيس الأمريكي الحالي ترامب هو ضمن هذا المعسكر، فقد انتفى الحديث في الدوائر الغربية عن حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي، وحل محله الحديث عن محاربة الإرهاب وهو في الواقع يعني محاربة التنظيمات السياسية التي يمكن أن تفوز حال إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة.

والمعسكر الثاني هو المعسكر الذي يرى أن دعم الأنظمة الدكتاتورية ضد إرادة الشعوب له تداعيات سالبة على المصالح الغربية في المدى البعيد، لاسيما بعد ارتفاع مستوى الوعي لدى الشعوب العربية. هؤلاء يرون ضرورة ترك الشعوب العربية لتقرر مصيرها دون تدخل سلباً أو إيجاباً. ويبدو أن هذا المعسكر بدا نجمه في البروز بعد مقتل الصحفي جمال خاشوجي والصعود المتوقع للديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي في الانتخابات القادمة بعد أن مُنى الرئيس ترامب بهزيمة في الانتخابات النصفية.

بالنظر إلى كل هذه المصالح المتقاطعة ودورها المحتمل في تحديد النتائج النهائية للحراك الشعبي الحالي في السودان، لابد من التأكيد بأن ما يدور في السودان لا يقف وراءه جهة بعينها – على الرغم من أن كل التيارات السياسية تتغنى بليلى السودان. الشعب السوداني صبر على حكومة البشير أكثر مما صبر على أي نظام آخر في تاريخ السودان الحديث. على الرغم من الوعود المتكررة على مدار ثلاثة عقود، أصبحت صفوف الخبز والبنزين تمتد لمسافات طويلة.

فضلاً عن حرمان الناس من أموالهم المودعة في البنوك وحتى من مرتباتهم بدعوى عدم وجود أوراق نقدية كافية. كثير من العائلات فقدت أحبائها في المستشفيات لعدم وجود مبالغ نقدية لدفع تكاليف العلاج! الوضع أصبح لا يطاق. على الرغم من أن نظام البشير يتغنى بانتمائه للحركة الإسلامية، فإن قواعد الحركة الإسلامية على امتداد المدن والقرى هي التي تتصدر الحِراك الجماهيري. وبالتالي ليس صحيحاً القول بأن الحِراك السياسي السوداني يُعادي ما يسمى بتيار الإسلام السياسي، ولا يعادي أي جهة بعينها بقدر ما يرفع جدول أعمال المواطن العادي الذي يتطلع إلى العيش الكريم. خلاصة القول، إن مستوى الوعي الجماهيري في السودان يجعل من الصعب على أي نظام سياسي قادم استغفال الشعب وضغضغة مشاعره بأي شعارات، بخلاف توفير الحياة الكريمة وتحقيق النمو الاقتصادي الذي يكفل تبوء السودان لموقعه الطبيعي بين الأمم، بالنظر إلى موارده الطبيعية والبشرية المهدورة في الحروب العبثية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة