التعليم الجامعي.. معرفة حقيقية أم استعراض فارغ؟

blogs جامعة

في لحظات تجلت فيها التأملات حول ما تعلمناه، وتدحرجت فيها الحيرة على أسطح جهود الإصلاحات، وما يجب أن يكون في عالم النخبة الأكاديمية، ووسط دعوات الانطلاق نحو المستقبل في التعليم الجامعي، دون التركيز على الأبعاد الثقافية لمثل هذا النوع من التعليم، تبدى لي وقد أكون مخطئاً أن كل الجهود المشكورة التي بذلت يبذلها المخلصون للارتقاء بالتعليم العالي تفتقد إلى التكامل، وخلاص النية. ففي العقدين الأخيرين طغت على التوجهات التربوية الجامعية جملة من التغيرات التي اهتمت بالظاهر على حساب الباطن، والتفتت إلى مواكبة التحديثات الفيزيقية على حساب التنمية الداخلية، إلى الحد الذي غلب عليها مقاصد سوق العولمة، ومنح الشهادات التي لم يعد للخريج من خلالها وطن ولا عنوان.

صحيح جداً أن التعليم الجامعي الحديث قد اهتم بالتقدم التقني والتكنولوجي، وحقق مشكوراً جملة من المراتب المتقدمة رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها المجتمع الفلسطيني، إلا أنه لم يقتحم الجسم التربوي الثقافي، ولم يمس الغرض الحقيقي منه وهو الإعداد القيمي المرتبط بطبقة النخبة، فقد مس رغبة الطلبة الجامحة في الحصول على الشهادة أو الدرجة العلمية، وأصبح من خلاله الحصول على الدرجات هو الهدف الأكثر الحاحاً من التعلم والتدريب والعائد الذاتي. فتكون فكرة خاطئة لدى الخريجين مفادها أن الحصول على الشهادة الجامعية يمثل حقاً في أن توفر له الدولة فرصة عمل وأمراً ملزماً للحكومة بضرورة توظيفه، وهذا غير صحيح من وجهة نظري لأن وظيفة التعليم الجامعي تدريب الطالب على تسويق نفسه من خلال المهارات التي من الواجب أنه اكتسبها داخل الجامعة الحقيقية التي تهدف للمساهمة في التنمية، وليس زيادة أرباح مالكيها أو اتساع نفوذ القائمين عليها، رغم ضرورة التزام الدولة بضرورة توفير مقومات الاقتصاد العام للمجتمع.

خلال السنوات السابقة نمت لدينا ثلاث منظومات للتعليم العالي من حيث الملكية مما أدى إلى تسليع التعليم، وارتفاع معدلات الحرمان من فرص التعليم لبعض الفئات الفقيرة، ومحدودي الدخل

خلال السنوات السابقة نمت لدينا ثلاث منظومات للتعليم العالي من حيث الملكية: تعليم عالي حكومي، تعليم عالي خاص، تعليم عالي عام، مع التشابه في الإشراف العام وشكل المباني والمرجعية الدينية والوطنية، مما أدى إلى تسليع التعليم، وارتفاع معدلات الحرمان من فرص التعليم لبعض الفئات الفقيرة، ومحدودي الدخل، وتفريغه من هيبته عندما تتسابق فيه الجامعات في بداية كل عام إلى الاعلانات الهادفة لاستقطاب الطلبة، بل والاتصال بالطلبة أو ذويهم لإقناعهم بالانتساب لها. ورغم أن تطوير التعليم العالي ضرورة أمن قومي، ويتطلب جهوداً متواصلة في عمليات التنوير الثقافي للحيلولة بين تيارات المظهر الحداثي، وبين شيوع ماضوية التمسك بالقيم الظاهرية، إلا أن التناقضات الفكرية والتجاذبات السياسية سحبته في اتجاه الاستحواذ على الفرص وليس استقطاب المواهب، وتكون ما يسمى بالزمرة الأكاديمية التي لا تقبل دخول العناصر الجديدة والتي تحاول بشتى السبل قضم الجهود الجديدة، لقناعتهم الضيقة بأن هؤلاء ما جاءوا إلا لمنافستهم، وليس لتكامل الأدوار معهم.
  

وهنا نحاول بيان نوع جديد من الأنساق الجامعية القائمة على الاستقطاب بالعلاقات بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، حتى وإن كانت مرتبطة برغبات المتعلمين رغم أن أغلب الأهداف الاستراتيجية للجامعات نصّت في اتجاه التعليم الديمقراطي، والتدريس الممتع، فتولد على المدى البعيد أنماطاً من النديّة بين الطالب وأستاذه حتى بعد الحصول على الدرجات العليا والانخراط في الزمالة الأكاديمية. ومبلغ القول: إن اصطلاحاتنا التعليمية وجهودنا في الارتقاء بالتعليم العالي مشدودة إلى الخارج في تطلعاتها، ومشدوهة إلى الظاهر أكثر من الباطن، فالمشكلة الحقيقية تكمن في ثلاثة عوامل رئيسية في الوقت الراهن، هي:

1- طرق التعليم النمطية وأزمة الثقة في منح الحرية الأكاديمية
2- خيارات المجتمع وأولوياته في الطلب على العلم والإنفاق عليه.
3- القصور الشديد في الثقافة لدى الجماهير حول مفاهيم التعليم العالي.

ولعل البند الثالث هو الأخطر من وجهة نظري، لأنه لو كان التعليم الجامعي يقوم بدوره الحقيقي في خدمة المجتمع، لوجد حلولاً منطقية لمشكلاته، أو دفع في اتجاه ألا يكون حيادياً يمجد الماضي ويعتمد ثقافة الذاكرة، ويقيد طموحات طلابه بالحصول على الشهادات فقط. إن السكوت المجتمعي المرتبط بعدم وجدود البديل، ومردوده على الحياة العامة، وما بينته الخبرات الماضية من أن انعدام الحوار والوفاق وانتشار الفساد المنمق في الجامعات قد يؤدي إلى شكوك لدى الرأي العام في جدوى الاصطلاحات التعليمية، وهذا يستوجب إيقاف التردي الذي وصل إليه التعليم العالي في سياق هيمنة السوق وأن تتحمل الحكومة مسؤوليتها بمشاركة مدنية محايدة في البحث عن مواطن الخلل بين أروقة الجامعات والعمل على معالجتها.