شعار قسم مدونات

هل يمكن للإله أن يكسر قوانينه الخاصة؟

blogs الكون

في أية لحظة بالضبط بدأت في التساؤل؟ لا تقلق لن أقول لأحد، ليس عيبًا أو خطأ أن تتساءل عن أي شيء طالما تعتقد أنك إنسان يمتلك عقل ومسؤول عن أفكاره وقراراته، لكن دعنا نقول أنه، في اللحظة التي امتدت يديك للضغط على الرابط للدخول إلى هذا المقال، فأنت تريد أن تجد إجابة تهدئ من ثقل بعض أسئلتك، أو حتّى ربما تكون قد دخلت إلى هنا متمسكًا ببعض الأفكار ظنًا أن التدوينة تنتقدها، لكن هذا الطريق – في الحالتين – لا يقدم إجابات، بل يحاول أن ينظّم حيرتك، دعنا من ذلك الآن.

  

هل تعرف تلك المشكلة الفلسفية الشهيرة التي تقول: "هل يمكن للإله أن يخلق صخرة لا يمكن له أن يكسرها؟"، من حين لآخر تدور تلك الأسئلة في وسائل التواصل الاجتماعي، ما تراه في السؤال هو أحد أشكال "التناقض" الذي يستخدم لإظهار أن الإله قد يكون غير قادر على فعل شيء ما في الحالتين، فإذا خلق الصخرة لا يمكن له أن يكسرها، وإذا لم يخلقها فهو إذن غير قادر تمامًا على الخلق، بالتأكيد قد جالت تلك النقطة بين أفكارك في مرحلة ما، أو هي لا زالت تفعل، لكنّي في الحقيقة لا أود أن أتطرق لها بالطريقة التي عُرضت عليك من قبل.

  

لفهم ما أقصد دعنا نسافر معًا إلى الماضي، قبل حوالي تسعمائة سنة قال القديس الكاثوليكي الإيطالي توماس أكويناس أن هناك ثلاثة أشياء لا يمكن للإله أن يفعلها، الأول هو أن يصنع نسخة من ذاته، والثاني هو أنه لا يمكن أن يُذنب، والثالث هو أنه لا يمكن للإله أن يصنع مثلثًا مجموعة زواياه أكبر من 180 درجة، وما يقصده أكويناس في الحالة الأخيرة هو أن الإله لا يمكن أن يتدخل لكسر أو لوي عنق فيزيائي في الطبيعة، لأنه هو من خلق قوانينها.

 

يفسر فيبر ظهور الحداثة والعقلانية بعقلنة التيار الديني. بمعنى أوضح، نشأت الحداثة والعقلانية في تلك اللحظة التي ترك الدين فيها الماضي المبني على تدخّل أعمال غيبية في حياة البشر

يرى بعض الفلاسفة الذين يعملون في نطاق العلم والدين أنه يمكن لله أن يعمل بشكل غير مباشر عبر التحكم في الظروف الأولية للكون، ثم إطلاقها كقوانين صارمة لا يمكن الخروج عليها لكنها بشكل غير مباشر تخدم إرادته، لكن بحلول القرن العشرين، وظهور نظرية الفوضى اقترح جون بولكينجهورن أنها، يقصد نظرية الفوضى، لا تقدم فقط حدودًا لما يمكن أن نعرفه عن العالم، بل توفر أيضًا انفتاحًا وجوديًا يستطيع الله من خلاله العمل دون انتهاك قوانين الطبيعة.

  

من جهة أخرى كان روبرت راسل، في العام 2006، قد اقترح أن الله يمكن أن يعمل ضمن الأحداث الكمومية، أي ضمن النطاق دون الذري الذي تعمل خلاله الطبيعة عبر عدم القابلية للتحديد Uncertainty، ما يجعل من عدم القدرة على التنبؤ أو وقوعها ضمن نطاق الاحتمالات ليس فقط جزءًا من مشكلة العلماء وجهلهم أثناء التجريب، بل هي مركب أساسي في جوهر الطبيعة، بالتالي فإن هذا من شأنه أن يسمح لله أن يتصرف بشكل مباشر في الطبيعة دون أن يتعارض ذلك مع قوانينها، بمعنى أن محاولات راسل وبولكينجهورن هنا لا تقول بتدخل الإله في قوانين الطبيعة، رغم أنه بالفعل يتصرّف بشكل ما.

  

الآن دعنا نذهب إلى سورين كيركجارد، الفيلسوف الدنماركي الوجودي، والذي قال أن ما فعله النبي إبراهيم حينما أقدم على ذبح ابنه هو قمة الإيمان، لقد أقدم على فعل ينافي كل رغباته وغرائزه، وقام بكسر كل القواعد الأخلاقية والفطرية، بسبب أنه قد صدّق الوحي الذي يخاطبه رغم أنه كان من الممكن أن يكون أي شيء آخر، بالتالي قام ابراهيم – مسؤولًا مسؤولية كاملة عن قراره – بالمضي في خطته، التي نجحت كما نعرف، لكن الحكاية لها بقية.

 

لقد خرج النبي إبراهيم من تلك التجربة ليس كما دخلها، ذلك لأنه قد أصبح مدركًا بحلول تلك اللحظة التي رفع فيها السكّين عن رقبة ابنه اسماعيل أن هناك شيء قد انكسر، وأنه – عن طريق الدين – يمكن أن تتوقف بعض القوانين – أيًا كانت – عن العمل، في تلك النقطة يظهر إيمانويل كانط ليقول أنه، لهذا السبب تحديدًا، كان على ابراهيم أن يلتزم بالقانون الأخلاقي، لأنه الملاذ الآمن للبشرية، لكن قبل أن تبدأ بتحليل تلك النقطة دعنا نتأمل أحد آراء ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني الكبير.

 

في كتابه "الأخلاق البروتستانتينية وروح الرأسمالية"، المنشور قبل أكثر من مائة سنة، يفسر فيبر ظهور الحداثة والعقلانية بعقلنة التيار الديني. بمعنى أوضح، نشأت الحداثة والعقلانية في تلك اللحظة التي ترك الدين فيها الماضي المبني على تدخّل أعمال غيبية في حياة البشر، عبر الحسد مثلًا أو الأعمال السفلية أو أي شيء خارج عن نطاق قوانين الطبيعة التي تحكم العلاقة بين قطعتي صخر كما تشرح قدر التأثير المتبادل بين جسمي وجسمك إذ نقف في الشارع ونتجادل حول نتائج مباراة الزمالك الأخيرة. يسمي فيبر تلك الفكرة بـ "نزع السحر عن العالم"، وهو تعبير أخذه من الشاعر الألماني فريدريك شيلر، ليشير به إلى أحد أساسات طبيعة مجتمع الحداثة، بجانب مجموعة أخرى من القواعد كالبيروقراطية، والفردانية والديمقراطية.

 

من وجهة النظر تلك، لم يعد العالم حديقة كبيرة مسكونة بالأرواح، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الناس سيتوقّفوا عن الاعتقاد في الآلهة، أو حتّى وجود الملائكة أو الجن أو تصديق الأساطير، لكنه فقط يعني أن التفسير الأسطوري للعالم لم يعد مُرض كما كان من قبل، وأن غموض ظواهر الطبيعة يتعلّق بأسباب يمكن شرحها عبر الطريقة العلمية، كل شيء يسير بقوانين الطبيعة، القوانين التي خلقها الله.

 

حسنًا، اقتربت نهاية حديثنا معًا، لكن دعنا الآن نرجع للخلف قليلًا، تحديدًا قبل ألفي وسبعمائة سنة، في تلك اللحظة التي اكتشف فيها فيثاغورث، في أثناء بحثه عن الحقائق، أن كل شيء يرتبط بالأعداد، حتّى الموسيقى في حد ذاتها ما هي إلى متتاليات عددية تحكمها قوانين بسيطة يمكن التوصّل لها واستخدامها لتوليد المزيد من الموسيقى، لو قررت تأمل تلك الفكرة قليلًا لتعجبت حقًا، خذ مثلًا بتلات الأقحوان أو أي نبات آخر، هيكلة القواقع، تقاسيم الوجه، تحركات البشر عبر الإنترنت، حتّى بعد فيثاغورس بمئات السنين نكتشف أنها تتبع ما نسميه بـ "سلسلة فيبوناتشي".

 

هنا يتوصّل فيثاغورث إلى فكرة كانت ثورية في وقتها تقول أنه "طالما أن الأعداد تدخل إلى كل شيء، فالأعداد إذن هي روح هذا العالم"، بالتالي فإن التقرّب من الألهة يكون بدراسة تلك الأعداد واستكشاف عالمها. بمعنى أكثر وضوحًا، حينما تهتم لسبب ما بالتأمل في الرقم 5، فأنت لا تدرسه لأنه يمثل صفة للأشياء، 5 تفّاحات مثلًا أو 5 أطفال أو 5 كتب، ولكنك تتأمل العدد 5 لذاته، لما يمثله من جوهر الكون.

 

طبيعة الاستثناء هي تلك النقطة التي يتصوّر الإنسان معها أنه يمكن خرق القواعد الأساسية لكل شيء وأي شيء، بأية طريقة، سواء لخدمته أو للتأثير عليه، وذلك هو ما يستحق التأمل
طبيعة الاستثناء هي تلك النقطة التي يتصوّر الإنسان معها أنه يمكن خرق القواعد الأساسية لكل شيء وأي شيء، بأية طريقة، سواء لخدمته أو للتأثير عليه، وذلك هو ما يستحق التأمل
 

لهذا السبب لا نعرف إن كان كل الإنتاج المنسوب إلى فيثاغورس هو فيثاغورسي أم لا، لأنه بالنسبة للمجموعة التي كوّنها كان كل قانون رياضياتي يكتشفه أحدهم هو قانون فيثاغورسي، أي منسوب لرؤية فيثاغورس، لكن الذي يدعو للتأمل هنا هو تلك الحالة من التصوّف التي صنعها فيثاغورث وأتباعه، تلك التي تعني أن قوانين الرياضيات ليست منفصلة عن معتقداتك الدينية، بل هي هدف للاعتقاد الديني، بذلك يمكن للمنطق أن يقع في جوهر الاعتقاد الديني، تلك النقطة التي يرى البعض أنها كانت أحد القواعد التي بني عليها التقدم الحضاري الغربي في مرحلة ما.

 

هل يمكن أن يحدث ذلك؟ هل يمكن أن نعيش في كون خلقه الله لكنه لم يرد التدخل في قوانينه لأنه هو من خلق القوانين بالأساس؟ هذا سؤال مهم، ويثير الكثير من الجدل العميق جدًا طوال الوقت، ولا مشكلة من ذلك، بمعنى أنه قد لا يفيدك أو يضرك أن تقتنع بأي من الفكرتين لأن هناك أطروحات فلسفية تتصور وجود الكيان الإلهي في كل الأحوال.

 

لكن الأكثر أهمية، كما أظن، هو سؤال آخر عن طبيعة الاستثناء، تلك النقطة التي يتصوّر الإنسان معها أنه يمكن خرق القواعد الأساسية لكل شيء وأي شيء، بأية طريقة، سواء لخدمته أو للتأثير عليه، ذلك هو ما يستحق التأمل. الأكثر أهمية كذلك هو سؤال آخر: هل يمكن لإيمانك بالله ألا يتعارض مع قوانين الطبيعة التي يحاول العلم أن يستخرجها؟

 

نعم، في الحقيقة، واسمح لي هنا أن أوضح أن غالبية الفلاسفة المهتمين بمجال العلم والدين، وغالبية العلماء كذلك، يتفقون على أنه لا تداخل بين النطاقين، كلٌ في حاله. نحن نعرف أن البشر من كل الديانات تقريبًا على جوائز نوبل في العلوم، وإحصاءات ايلين أوكلاند خلال أكثر من عقد ونصف تقول أن هناك نسبة لا بأس بها من العلماء الذين لا يتعارض إيمانهم، أيًا كان شكله، مع العلم.

 

ما نتحدث فيه هنا ليس، إذن، محاولة للإجابة عن السؤال عنوان المقال، ولا حتّى محاولة للتعمق في الحديث عن قضية جدلية نشرت فيها مئات الورقات البحثية والكتب، لكنه محاولة للتأمل في نتائج أفكارك عن العالم والله، وكيف يمكن لها أن تؤثر على كل شيء آخر في حياتك، هناك العديد من وجهات النظر بالطبع، لكن الخطأ يقع حينما تتصور أن قناعاتك تتعارض – لا شك – مع العلم أو الواقع أو الحداثة أو قوانين الطبيعة. صدقني، يمكن أن توجد نظرية تجمع كل الأطراف التي تتصور أنها متنافرة معًا.