شعار قسم مدونات

هل كان الأب دونا (DONATUS) مسلما؟

الأب دونا (DONATUS)

هناك مثل قديم يقول: «من الأفضل معرفة الغابة من أجل العناية بكلّ شجرة». لا ريب أنّ هذا الكلام، وبهذه الصّيغة من بين أكثر الصّيغ لباقة ضمن الأحاديث التي تدور حول الشّأن الثقافي في الجزائر، فلا يكاد النّقاش يهدأ حول قضية ما، حتّى يظهر آخر، كأنّه الحرب سجالا بين فريقين، فكلّ طرف يدّعي امتلاكه للحقيقة المطلقة، ويقول بأنّه سيّد الحقيقة لا جدال! وقد ساهم غياب رؤية واضحة لدور الثّقافة -باعتبارها مجموعة من الأنساق الرمزية- كصانعة للوعي أو مهذّبة للوجدان، ومساهمة في تحديد أصل الأشياء، في تغذية الخطاب العنيف غير المتوازن، وغير القادر على الخروج والانبثاق وتجاوز حالة الأنا العاجز عن مواجهة الواقع، فالثّقافة تدفع لتقدّم مسيرة الشّعوب، وتقدّم حلولا للأزمات، والمكوّن الثقافي هو في الحقيقة أحد أدوات استراتيجيات مواجهة الموت والفناء.

صحيح أنّ العلاقة بين البشر تكون عبر الخطاب، وبصور أدق عبر المفاهيم التي يولدّها، ومع هذا، لا شيء يبرّر الجدل الواسع الذّي خرج للعلن عند حديث وزارة الثقافة الجزائرية سنة 2015 عن إصدار فيلم عن القدّيس أوغسطين (Saint Augustin 354 – 430 ap. J.-C)، أو حتّى عند تنظيم الوزارة الوصية على الثقافة ملتقى بمدينة عنابة يوم 12 من الشهر الحالي عنوانه: «الأمير عبد القادر والقدّيس أوغسطين، من الإنسانية إلى العالمية»، وكان هذا بمبادرة من سفارة إيطاليا بالجزائر، والمعهد الثقافي الإيطالي بالتعاون مع وزارة الثقافة.

 

لقد سبق للرّئيس بوتفليقة أن زار الفاتيكان في أوّل زيارة له إلى دولة في الاتحاد الأوروبي، واجتمع إلى البابا يوحنا بولس الثاني في نفس الشهر من عام 1999، الذي عبّر له عن أمله في أن تتم المصالحة قريبا بين أبناء الشّعب الجزائري، حينذاك، تحدّث الكثيرون عن فحوى الرّسالة التي أراد الرّئيس إيصالها إلى الجزائريين، وكان من شأن تلك القضية أنّها أثارت نقاشات واسعة، وعلى رأسها قضية فهم الرّئيس، وطريقته في التعامل، ونظرته إلى القضايا الثقافية والتاريخية بصفته رجل سياسة.

لا روما، ولا البربر الرّومانيين حلفاء الإمبراطورية وتابعي القديس أوغسطين استطاعوا إطفاء جذوة النّار المتّقدة ضدّ الاستعمارية للحركة الدوناتية

لا أحد في أيّامنا هذه تحدّث عن الزّيارة التاريخية التي قادت الرّئيس بوتفليقة إلى روما، وبالضبط إلى دولة الفاتيكان، كما لم يتحدّثوا عن رسالة الرّئيس لأسقف الجزائر هنري تيسييه (Mgr Henri Teissier)، حيث عبّر عن تقديره لجهود الحوار التي تبذلها الكنيسة تجاه اليهود والمسلمين، لكنّ كثيرا منهم تحدّثوا عن الملتقى الفضيحة الذّي اعتبروه تزييفا لتاريخ الجزائر، وتثبيتا لنظرية الاستعمار الروماني قديما، والاستعمار الفرنسي حديثا، وطالبوا بضرورة الاحتفاء بالأب دونا (Donatus Magnus-توفي نحو 355 للميلاد) باعتباره شهيدا دافع عن الشّعب الأمازيغي في مواجهة الاستعمار الرّوماني، وذلك قبل ميلاد القديس أوغسطين بسنة واحدة، وقد كان يمكن للنقاش أن يأخذ أبعادا إيجابية كثيرة، لكن بدى وكأنّ المدافعين عن إيديولوجيا معينة يريدون توجيهه إلى حيث يريدون: "الأب دونا النقريني يشبه عبد الحميد بن باديس، هذا في عهد الإسلام، وذاك في عهد المسيحية".

لا شكّ أنّ ثمّة علاقة خاصّة تربط الإنسان بجسده، بأرضه، بروحه، بدينه، لكن ينبغي لهذه العلاقة أن تذهب في اتجاه الحقيقة، عليها ألاّ تخطئ الجوهري على الدّوام. فما معنى الحديث عن مكان ميلاد ابن تبسة (Nigrae) وابن سوق أهراس (Thagaste)؟، لماذا نقطة الحشوة (Point de capiton) هذه؟، لماذا علينا التلاعب باللّساني دوما؟، إلى متى سنكتفي بطرح الأسئلة المتعلّقة بالمعرفة بعيدا عن جدّية التأملاّت؟ ألم يعلم هؤلاء أنّ الحقيقة تتوارى عن اللّغة كما يقول لاكان (J.Lacan)؟، وأنّ الحقيقة تحسن لعبة الاختفاء؟ ما معنى أن نؤكد اكتشافا تاريخيا ننسبه لأنفسنا دون الآخرين؟، لماذا نصرّ على خيانة شيء ما، ونحن نبحث عن السّهولة؟

إنّ الحديث عن الدّوناتيين الأمازيغ الموحّدين المتمرّدين على روما، يفضي إلى الحديث عن الكاثوليك المعتنقين لعقيدة التثليث والموالين لروما، لكنّه لا يفسّر بالضّرورة حرص فرنسا على التبشير بمنطقة جرجرة باعتبارها مركزا سابقا لأساقفة تيجيزي (Tigisi) في بلاد موريتانيا القيصرية في العهد الرّوماني (حوالي 313 للميلاد)، كما لا يمثّل ذلك، من جهة أخرى، تهديدا للعقيدة المسيحية الكاثوليكية التثليثية بصفة عامة، وكنيسة فرنسا وريثة روما بصفة خاصة، فالمكان الذي يعيّن فيه الصّراع، أريد أن تكون له وظيفة، والإيديولوجيا بدورها لها وظيفة الدفاع عن المكتسبات، والمنجزات، وحرب التحرير ماضية في استعادة ما يمكن أن يلوّح بنصر كبير على ما يشكّل رعبا حقيقيا يهدّد الوجود.

والآن، فلنطرح سؤالنا من جديد: هل كان الأب دونا (Donatus Magnus) مسلما؟ بعيدا عن نهم البحث عن الأدوار، سنجيب دون تردّد: لم يكن دونا الأكبر مسلما، بل كان مؤمنا مخالفا لقاعدة الثالوث المقدّس، واستطاع مذهبه أن يشكّل حركة دينية واسعة انتشرت بسرعة في بلاد نوميديا، وقسمت المسيحيين الأفارقة إلى قسمين في القرن الرابع الميلادي، فلا روما، ولا البربر الرّومانيين حلفاء الإمبراطورية وتابعي القديس أوغسطين استطاعوا إطفاء جذوة النّار المتّقدة وضدّ الاستعمارية للحركة الدوناتية التي صار اسمها مرتبطا بعد دونا الأكبر بروبا (Robba) شقيقة الأسقف الدّوناتي أونوراتوس (Honoratus)، فبعد قتلها سنة 434 للميلاد من طرف الكاثوليكيين، رفع ذكراها إخوتها في الدين والوطن، واعتبروها شهيدة، وصار قبرها رمزا كبيرا، إذ لا نموت دون رمز، يا سادة!