مبارك شاهدا.. ماذا بقي من الثورة؟!

blogs حسني مبارك شاهدا في قضية اقتحام السجون

أطل علينا السيسي الحاكم العسكري لمصر أواخر أكتوبر الماضي ليقول أن ثورة يناير التي أطاحت برأس النظام المستبد مبارك، كانت علاجا خاطئاً لتشخيص خطأ. وبالأمس أطل المخلوع بذاته وبرفقته نجليه علاء وجمال مستجيبا لطلب المحكمة في الإدلاء بشهادته في قضية اقتحام السجون التي يعود تاريخها للعام ٢٠١١ وقت الثورة، والمتهم بها أول رئيس مدني منتخب للبلاد. فهل كان هناك ثورة؟ وهل ما زال هناك أمل لتحقيق العدل؟ الأمر يتطلب الكثير من الوعي والمعرفة لإدراك فداحة الموقف وإضاءة الطريق للتقويم. إن فهم الصورة كاملة عن دورة حياة الثورات وما يتبعها، أمر غاية في الأهمية لنجاحها، إذ أن الثورات ليست من ذوات المرحلة الواحدة، تنتهي في ميدان الهتاف والتظاهر.

 
دعني أخبرك اليوم بالحقيقة الصادمة والتي قد تساعدك لاحقا في مضمار النضال، الحراك الشعبي السلمي لابد أن ينتج عنه تغير جذري في منظومة الحكم حتى يمكن أن يطلق عليه "ثورة شعبية". والحقيقة الأخرى الأكثر إيلاما أن تلك الثورة الشعبية الناجحة لابد أن يتبعها "حرب" كاملة مع أحد تلك الأطراف الدولية المناهضة لها أو المؤيدة للنظام السابق. قد يكون الربط بين الثورة والحرب أمرا صعبا لأولئك الذين يؤمنون بالحراك الثوري أو من تفاءلوا بأحداث الربيع العربي، وعلى الجانب الأخر أمر مبهج لأولئك الذين واجهوا التغيير وحاربوه أو على الأقل كرهوا الربيع والتغيير السلمي. وحتى تؤمن بتلك الحقيقة، دعنا ننظر للتاريخ الذي هو مصدر الحقيقة والبرهان، وهنا سوف أضرب لك مثالاً واحداً لأحد تلك الثورات الناجحة وهي الثورة الإيرانية. نجد في الثورة الإيرانية نموذجا حقق النتيجة المرجوة من الحراك الشعبي بإحداث تغيير كامل وشامل لنظام الحكم في البلاد.

 

يمكنك وصف ما حدث في يناير ٢٠١١ بالموجة الثورية الأولى في طريق الثورة الكاملة، إذا ما كان هناك إرادة حقيقية ومعرفة قوية تمكنك من استكمالها

فبعد أن كانت إيران تحت سيطرة الشاه في ظل نظام ديكتاتوري متسلط تابع للولايات المتحدة الأمريكية في شكل جمهورية، تغير نظام الحكم لدولة ولاية الفقيه الدينية الشيعية تحت مسمى الجمهورية الإسلامية الإيرانية الموجود حتى هذه اللحظة، وهذا لا يعني بالضرورة أن تلك الحالة وذلك النظام الجديد الذي جاء بعد الثورة الإيرانية هو الأفضل من سابقه أو الأفضل بالنسبة للشعب. ولكني هنا أوضح فقط كيف يمكن الحكم على الحراك الثوري الشعبي بأنه ثورة كاملة أم مجرد حراك شعبي أفضى لعدد من الاصلاحات تحت نفس النظام أو أطاح بالرأس وبقي ذات النظام يحكم ويتحكم.

 
وبما أن ما حدث في إيران 1978-1979 كان ثورة كاملة كما تقول النظريات، كان لابد من النتيجة التالية وهي الحرب. فاشتعلت الحرب بين إيران والعراق في العام التالي لعام الثورة الإيرانية، وكان السبب بالأساس والدافع لتلك الحرب هو وقف المد الثوري الذي كان من الممكن أن يطال العراق والدول المجاورة. في ذلك الوقت نجد الكثير من دول المنطقة قد وقفت داعمة للراحل صدام حسين في حربه التي راح ضحيتها من الطرفين قرابة المليون إنسان على أقل التقديرات واستمرت حتى عام 1988، ليس حبا في صدام حسين أو دفاعا عن الحق وإنما خوفا من أن يصل الفكر الثوري بلادهم ويهدد عروشهم. ومن هنا وباختصار شديد نستطيع أن نفهم لماذا كانت الحرب حتمية في حال نجاح الثورة وتغير نظام الحكم. علماً بأن الحرب لم توقف الثورة أو تفشلها، بل حكمت واستقر حكمها حتى وقتنا الحاضر. 

لذلك فالأمر الأخر الجدير بالذكر في هذا المقام هو القيادة، فليس من المنطقي أن تكون الثورة بلا قيادة وأن يترك الأمر للشارع، وإلا فمن سيكون نواة النظام الجديد؟ إلا إذا أردت من الحراك تغيير رأس النظام فقط من باب إشباع رغبة التغيير، وحينها لا تدعي أنها ثورة. وعليه فيمكنك وصف ما حدث في يناير ٢٠١١ بالموجة الثورية الأولى في طريق الثورة الكاملة، إذا ما كان هناك إرادة حقيقية ومعرفة قوية تمكنك من استكمالها. ولعلي أوضح بتفصيل أكثر في مقالات قادمة علاقة الثورة بالحرب وتأثيرها على العلاقات الدولية، في إطار علمي يمكن الاستفادة منه لما هو قادم.