هذا هو سر السعادة الذي يخشى الجميع القيام به

blogs سعادة

"إنه يعلم أن المعتزلة اليوم قليل ولكم يشعر بحب وتقدير لأولئك الذين لا تطيب لهم السكنى إلا داخل أنفسهم ذلك أن قليلا من الناس من يملك نفساً رحبة غنية يستطيع أن يعيش فيها وأن يستغني بها عن العالم الخارجي.. إنه يعتقد دائما أن الزاهدين الحقيقيين ليسوا إلا أناساً لهم نفوس كالفراديس تشقها الأنهار وتنيرها الشموس وتتلألأ فيها الكنوز فهي عالم من الفتنة والسحر لا نهاية لبدائعه وأسراره!"

– توفيق الحكيم، عصفور من الشرق.

لطالما شعرت أنني مختلفة مع العلم أنه يلزمني الكثير من الأكسجين لأحيا تماما كسائر البشر لكنه أيضا يلزمني الكثير من الوحدة أو الخلوة إن صح التعبير فقد قيل إن الخلوة هي أن تكون وحيدا دون أن تشعر بغياب الأخرين من حولك. رحلة سبر غور النفس البشرية هي أجمل الرحلات على الإطلاق وأكثرها إمتاعا وجلالا.

في بادئ الأمر لا تدرك أنك سجين الحاجة تظل مقيدا بأصفادها حتى تستطيع فكها لتصبح طائرا حرا حينها تتحول الحاجة إلى مساعدة تتلقاها وتعطيها من حين لأخر. فأقول اللهم لا تجعل لي حاجة عند أحد من خلقك ولا تحوجني إلى سواك. لم أستطع أن أعنون الفترة تلك من حياتي هي كانت مجرد شعور رائع يزداد ببعض الممارسات المستقلة المعترضة من الخلوة أسعد بها فينبت بي حب جديد له موسيقى مختلفة مما جعلني اتخذ من هذه الممارسات مهاما أسبوعية صلاة أسبوعية فلندعها. أيقظت بداخلي موزارت وأخذتني للنيل ثم جابت بي بحر الكاريبي لأشهد غروب شمسه.

كما يتصرف المحبون إزاء بعضهم كذلك كنت أتصرف أبدي اهتماما متزايدا في هذه الطقوس أكرس وقتا لها اجعلها سرا احرص عليه من الانتشار فقد قيل لي ذات يوم أن الحب يفسده البواح أكثِر لها الزيارات وأشعر بالاشتياقِ حين الغياب. في بداية الأمر لم أفهم سر هذه العلاقة ولم أتكبد عناء الفهم فعندما تشعر بلذة لا يخالجها ذنب لا تطرح أسئلة ولا تبحث عن الأجوبة فهناك أمور تكتفي بها كما هي بلا زيادة أو نقصان. ولكن صدق من قال أن أجمل حب هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر فانا كنت أفتش عن نفسي في أعين الناس ولكني تعثرت بطريقي بحبي لنفسي فأصبح هو غايتي ومطلبي.

ستنمو بداخلك ثقة عمياء وشعور بالاستقلال شعور بالفضول شعور بالحب. ستتخذ الخيال رفيقا فبالخيال سوف تطوف بلادا وستزور أماكنا لم تزرها ولن تزورها في واقع الأمر

ستستمتع أكثر بالخلوة مع نفسك والحديث معها والجلوس على مائدة تجمعك فقط بها. لربما حينها ستدرك دفئ الوحدة التي طالما خشيت بردها وسوف تأكل طعاما لم تدرك لذته من قبل. سيتسنى لك أن تفكر فيما لم تفكر به مع أحد من قبل. لن يستنزف التفكير في مظهرك أثناء الطعام جل تفكيرك ولا أقله حتى ستكون أنت مركز الحديث وهوامشه وستشعر بمركزية لم يستطع أحدهم أن يوفرها لك.

سوف يبدو لك كل شيء أجمل الشمس البحر البشر وحتى المدن فكما قال نصر الله "مذاق المدن كمذاق الحب دائما يتفتح هناك في الوحدة".. لربما فسيتحول برد ديسمبر في لندن إلى صيف باريسي أو شتاء بلادي إلى ربيع أندلسي. ستزداد اهتماما بملابس ترتديها لأنك تحبها لا لأنك تعتقد أنها ستعجب الأخرين ملونة باكستانية مطرزة فلسطينية سوداء سعودية فأنت الأن لا تملك هوية ولا دين لا انتماء الا لنفسك ورغباتك. سيتغير مذاق الليل وسيتبدد ظلامه بنور أبوللو لترى في العتمة ما لم تراه في نهار اليوم. ستقلع عن السجائر فأنت لست بحاجة لها فنيكوتين الخلوة سيغدق فمك وخلايا دماغك باحتياطي نفط فنزويلا.

ستنمو بداخلك ثقة عمياء وشعور بالاستقلال شعور بالفضول شعور بالحب. ستتخذ الخيال رفيقا فبالخيال سوف تطوف بلادا وستزور أماكنا لم تزرها ولن تزورها في واقع الأمر وستقابل أشخاصا طالما وددت لو جمعتك بهم صدفة – لو في الخيال. الخيال هو وليد الوحدة فهو نعمة من يتمتع بها يتمتع بتذكرة أبدية للحرية فالأصفاد لربما تكبل جسدك أما خيالك فهو حر طليق والخيال جانح في الخلوة تراه محبا تراه طائشا ناضجا ثائرا متمردا صابرا أخرقا عاقلا.

لن تجلس لتراقب ساعاتك منتظرا أحدهم لن تتوقع منهم أي شيء لا حضورهم بالوقت ولا غيابهم عن الموعد حتى لن تكترث إن تأخر قطارك فلست أنت الذي تنتظره بل هو الذي ينتظرك. من أعماق خلوتك ستأتي أميرة تدعى الفرح ستدعوك على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا فانتظرها هي من يستحق الانتظار ولا تتعجل فإن أقبلت بعد موعدها فانتظرها وإن أقبلت قبل موعدا فانتظرها. وتذكر أنه في تلك الأوقات التي تكون فيها غائبا عن الجميع سوف تكون أكثرها حضورا مع نفسك.