شعار قسم مدونات

هكذا كانت قصتي في حفظ القرآن الكريم

blogs قرآن

القرآن، ذلك الكتاب المستبين وخير الحديث الذي يحمل بين دفتيه نور القلوب والعقول والأرواح، يتمنى حفظه الصغير والكبير لفضله الذي لا نعده ولا نحصيه، كيف لا وحفظه تجارة مع الله لا تعرف البوار وشفاعة يوم لا ينفع مال ولا بنون، يقود إلى الجنة من جعله أمامه ويجعل صاحبه من صفوة الخلق في الأرض ويكون له ذخرا في السماء وحجة يوم القيامة ونجاة من النار.

وقد بدأت رحلتي مع حفظه قبل أربع سنوات وأنا ابنة السابعة عشر حين كنت في المرحلة الثانوية من تعليمي بعد أن حفظت جزء عم وأنا صغيرة في المسجد، ثم انتقلنا في السكن إلى مكان آخر وكان هذا عائقاً لي فانقطعت عنه. شائع أن حفظ القرآن يبدأ في سن مبكرة لكن لا يحول التقدم في السن دون ذلك ما دمنا نمتلك همة وعزيمة، والمتأمل يجد أن الصحابة الذين فتحوا الروم والفرس ونشروا الاسلام رضوان الله عليهم حفظوه كباراً.

عدت إلى القرآن لتعود البهجة إلى أيامي والتحقت بمسجد حفظت فيه الزهراوان (سورة البقرة وآل عمران) اللتان تحاجان عن صاحبها، لم يكن الحفظ سهلا في بدايته لقلة فهمي فكنت أستعين بالتفسير وأشرح ما لا أفهمه وأبحث بجلد. وقد تخللت هذه السنوات الأربع فترات انقطاع اكتفيت فيها بالمراجعة وكنت أحياناً أتركها، ظننت خلالها أن القرآن سيعطلني عن دراستي فأرداني ظني وخيبني، بل لاحظت بعد فترة من التجارب أن أيام إخفاقي كنت فيها بعيدة عن القرآن، أما التي نجحت فيها فقد كنت ملازمة له كظلي الذي لا يفارقني، كنجاحي في الباكالوريا بتقدير ودخولي كلية الطب.

حفظ القرآن الكريم كاملاً هدف نبيل لكنه مجرد بداية فقط في الطريق معه الذي لا ينتهي، وصدق الله حين وصفه بـ "وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ".. كيف لا وهو كلام الله الذي ليس كمثله شيء فأقبل عليه وانهل من خيره

وقد كانت سنتي الأولى في الجامعة عسيرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى كظروف الإسكان الجامعي والابتعاد عن البيت وصعوبة الطب والتغيرات الكثيرة مما جعل حفظي متذبذبا، فالتحقت في الصيف بعد انتهاء العام الدراسي بمخيم القرآن حيث عوضت ما لم أحفظه فترة الدراسة. أما في سنتي الثانية جامعي فلم يكن ختمي لكتاب الله مدرجا ضمن أهدافي السنوية، فلم أكن أحفظ إلا نصف القرآن وبقي لي الكثير، كنت انهض صباحاً لأحفظ ثمنا بعد صلاة الفجر ثم انطلق إلى الجامعة، لا أدري كيف توالت رسائل الله علي، فكنت كلما أردت التوقف عن الحفظ جاءتني إحداها، كرفيقة تروي لي حكايتها مع ختم القرآن فيزيد شوقي، أو قصاصة كتب عليها "ما زاحم القرآن شيئاً إلا باركه" قبل فترة الامتحانات بالضبط فتشعل همتي، أو كلمة محفزة من والدتي التي لا تدري كم احفظ كيوم قالت: "حين تختمين كلام الله حفظاً ستكتمل بك فرحتي".

أدركت حقا أن الموفق من وفقه الله وبث في قلبه الصدق للوصول، الصدق الذي يجعلك تسابق الشمس في شروقها فيداعبك ضوؤها الأول وأنت مع آيات الله تحفظها، الصدق الذي يجعلك تبكي شوقا بمجرد قراءة آية عن فضل القرآن وحمله وتحفظ في الباص والسفر والمرض وفترة الامتحانات وفي كل أحوالك، يتحجج الكثير عن حفظ القرآن أنهم لا يملكون وقتا كافيا وأنهم منشغلون دوما، والحقيقة أن الوقت المناسب لن يأتي أبدا ما لم نخلقه نحن في غمرة انشغالنا وكثرة واجباتنا بالمجاهدة والمثابرة والمصابرة والاستعانة بالله وترك العجز.

ضاعفت مقدار الحفظ في شهر رمضان وفي الأوقات التي قلت خلالها الواجبات والدروس والمحاضرات الجامعية ،و ما إن انتهى عامي الدراسي كنت قد أتممت عشرون حزبا فضلا من الله ونعمة، فعدت إلى مدينتي والتحقت مباشرة بمخيم تحفيظ القرآن الكريم أين أتممت الحفظ وأكرمني الله بختمه وأسأله أن يتقبله مني وأطمع أن أكون من أهله وخاصته.

قرأت يوماً أن الإنسان عندما يختم يقبل ملك بين عينيه، لست أدري صحة هذا القول لكنني أحسست بشعور تستحي أمام وصفه الأبجديات وأنا أتلو آخر آيات سورة الأنعام، فضلاً عن السرور الغامر في عيون أمي وأبي ودموع إخوتي وصديقاتي وكل من حضر وشاركني الفرحة. حفظ القرآن الكريم كاملاً هدف نبيل لكنه مجرد بداية فقط في الطريق معه الذي لا ينتهي، وصدق الله حين وصفه بـ "وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ".. كيف لا وهو كلام الله الذي ليس كمثله شيء فأقبل عليه وانهل من خيره الوفير واعطه أفضل أوقاتك لا فراغاتها توفق في حفظه ونيل شرف حمله وسترى كيف سيجعل حياتك فيضا من النور وصدق الشاعر حين قال فيه:

هو للحيارى في الدياجي مرشد ومساعد في حالة الإخفاق
هو للعطاشى واحة مخضرة ترويهم، أنعم به من ساق 
هو للوحيد مؤانس في وحشة ومنفس في حالة الإرهاق