شعار قسم مدونات

"الفهلوة" مع الله

blogs عمل

الدوائر البشرية الكثيفة من حشود المسلمين التي تتحرك بإيقاع فريد حول الكعبة الشريفة كل لحظة، ثم تتزايد تزايداً فارقاً في مواسم الحج والعمرة، لا تنقطع أبدا نهاراً وليلاً، صيفاً وشتاءاً. بل أن هذه الحشود في حركتها المستمرة أبدا توثق مدى روحانية الشعوب المسلمة، وأن المكون الديني هو ركن جوهري في هويتها وتركيبة نسيجها الإنساني. بنفس الإعجاب والانبهار أتأمل جموع المصلين في أيام الجمع، وقد ازدحمت بهم المساجد المتعددة ثم قد يتدفقون إلى الساحات الخارجية والشوارع الجانبية في مشاهد مؤثرة تتحول فيها أجزاء من المدينة إلى مراكز روحانية تنطلق منها الحناجر بالتكبيرات والدعاء.

 

لا يفوتني أيضا المشاهد اليومية لمظاهر الحرص على أداء صلوات الفروض في المساجد والمدارس والمؤسسات بل وكل أماكن العمل، وأتوقف أمام المشهد الدال حين يندفع أحد المتطوعين من الموظفين بالآذان للصلاة، ثم توجه جموع الموظفين للوضوء ثم أداء الصلاة التي تتم أحياناً في ممرات المبنى بعد فرشها بما يمكن الحصول عليه من سجاجيد الصلاة أو حتى صفحات الجرائد اليومية أحيانا. هذه المشاهد في مجموعها تجعل المسلم العربي الشرق أوسطي في حالة من الاطمئنان والسكينة وخاصة عندما تنتهي كل هذه الصلوات والطقوس بتذكير أننا خير أمة أخرجت للناس.

ثم يتلاشى تأثير الجرعة الروحانية تدريجيا وتنكشف أمامنا حقيقة الأمة وقيمتها في المشروع الإنساني العالمي وعلى كل الأصعدة. تنقشع سحابات البخور وتهفت أصوات تردد الأصابع على حبات المسابح الكهرمانية، ونكتشف أننا على الهامش في كل شيء. نعم الأمة الإسلامية وخاصة مكونها الشرق أوسطي على هامش العلم والمعرفة والثقافة والفن والإبداع بل وحتى الرياضة.

 

الفهلوة والقدرات الفهلوية المصاحبة لها أصبحت من مقومات النجاح والتميز وتبوء المناصب بديلا عن القدرات العلمية والمعرفية ومستويات الذكاء الإنساني والعاطفي والاجتماعي

هنا تندفع الأسئلة المحيرة اندفاعات بركانية. كيف تصبح الأمة التي ترتبط بقوة ظاهرة ومعلنة بخالقها ودينها وقرآنها بهذا المستوى من التدهور والانحدار والانزلاق؟ كيف نرضى بهذا الحيز الهامشي على صفحات كتاب العالم المعاصر؟ كيف لا تحفزنا صلواتنا اليومية وتعدد مرات حجنا وكثرة عمراتنا إلى أن نكون حقا خير أمة أخرجت للناس؟

كنت في مرحلة اجتهادية سابقة أعتقد أن الإجابة تكمن في قدرتنا على الفصل الكامل بين الطقوس الدينية الروحانية وبين الأفعال الدنيوية، ثم بدأت تتبلور أمامي وقائع تشير إلى العكس تماما. فنحن نبدأ كل أعمالنا الدنيوية باسم الله ونفتتح كل مناسباتنا ومؤتمراتنا وإنجازاتنا بآيات من الذكر الحكيم. يبدو لنا هنا أن في الوجدان الإنساني العربي الشرق أوسطي مكاناً عميقا للمكون الديني الإسلامي. هذا المكون لا يتم التعامل معه فقط في سياق المسجد والحج والعمرة، ولكنه أيضا له دلالة مباشرة وصبغة مؤثرة على الكثير مما يتم في سياق فعاليات الحياة ومتطلباتها.

 

من هذا المنطلق فقد تتبعت الظاهرة بصورة أكثر عمقا وأكثر انتشارا على الصعيد الجغرافي العربي الشرق أوسطي متأملاً الإنسان المسلم المعاصر في بلدان الخليج والشام والمغرب العربي، وبصورة خاصة مصر البلد الذي كان يتطلع إلى دوره الرائد الموجه لكل الدول العربية، ووجدت ظاهرة متجذرة وجديرة بالفحص البحثي المعمق. هذه الظاهرة يمكن أن نطلق عليها بكل وضوح وتأسيس منطقي وقبول أخلاقي، ظاهرة "الفهلوة مع الله".

حقيقة والمشاهد متعددة، فإن ثقافة الفهلوة لم تعد فقط ثقافة مهيمنة ومسيطرة وإنما أصبحت إطارا لممارسة الحياة بصورة معلنة أو غير معلنة، وبصورة يتحكم فيها الوعي أو اللا وعي. الفهلوة أيضا والقدرات الفهلوية المصاحبة لها أصبحت من مقومات النجاح والتميز وتبوء المناصب بديلا عن القدرات العلمية والمعرفية ومستويات الذكاء الإنساني والعاطفي والاجتماعي.

 

تضاءلت كل القيم وتعاظمت قيمة الفهلوة ورفع البعض بل أحيانا الكثير شعار "أنا فهلوي إذن أنا موجود وناجح ومحبوب". الدال والمذهل والفارق أن ثقافة الفهلوة بكل تبعاتها وإرهاصاتها امتدت تدريجيا من تعاملنا مع الحياة إلى تعاملنا مع خالق الحياة سبحانه وتعالى. لقد اعتقدنا مسلحين بفهلوتنا الزائدة أن الصلاة والصوم والعمرة والحج والزكاة والتحية بالسلام عليكم كافية لكي يرضى الله عنا، وما بعد ذلك فهو مشروع متعمد للضحك على النفس والفهلوة مع الله عز وجل.

ألم يحن لنا أن نتسأل كيف مرت الأمة الإسلامية العربية خاصة بعصور ذهبية فارقة في تاريخ العالم بسبب إنتاجها المعرفي والعلمي والفني والمعماري بل وإنتاجها من القيم الإنسانية والأخلاقية؟ السبب ببساطة أن كل إنسان في هذه الحقبة كان يعتبر كل أفعاله موجهة إلى ومراقبة من الله وكسبا لرضا الله. كان الصانع يطرق أواني النحاس أملا في ثواب مساعدة الناس في طعامهم وشاربهم وليس فقط في المكسب المادي.

 

كان البناء يتوضأ قبل صقل الأحجار ليبني بيوتا بها بركة الله وتكون سكنا وملاذا لإخوانه المسلمين. كان المعلم يشعر في أعماق قلبه وعقله أنه يكاد أن يكون رسولا لأنه محمل بمسئولية نقل المعرفة وتشكيل العقول. كان الطبيب يداوي الجروح لأنه ملاك الرحمة مسلحا بتوفيق الله وراغبا في الحفاظ على خلق الله. كان العالم يقرأ ويبحث ويترجم ويجرب لأنه يعلم أن كلما ازداد علمه زادت خشيته من الله وإدراكه أن أمامنا الكثير والكثير لنتعلم ونكتشف وندرك عظمة الخالق. كان الأب والأم في تلك الحقبة يشعرون بنعمة الأبناء، وأن تربيتهم الفاضلة هي فعلاً نبيلاً للتقرب من الله.

قارن هذا الحالة مع ما نفعله اليوم، فالمعلم الذي أنهى صلاة الظهر وتوجه إلى حجرة الدراسة يصب كل طاقاته على إرهاب التلاميذ ليتيقنوا من أن الحياة أفضل مع دروسه الخصوصية الألمعية التي لا مفر منها. أما الطبيب فقد تجاوز دوره الرحيم وفور عودته من العمرة ما زال يستقبل عشرات المرضي المنتظرين في بدروم عمارته حتى ساعات الصباح الأولى لا يمضي مع أي منهم أكثر من ثلاث دقائق كشفا وتشخيصا وفهما وعلاجا. أما العامل والصانع الذي عادا لتوهم من صلاة العصر بعد أن استهلكا فيها ساعة ونصف يتفوقان على أنفسهما في استهلاك الوقت، وبحيث يتحول ما يمكن إنجازه في ساعة إلى عمل تاريخي تمر الساعات والأيام والأسابيع ولم يكتمل وفي أحيان كثيرة لن يكتمل.

 

حالنا اليوم فهو نتاج شديد المنطقية لسذاجتنا وسطحيتنا وهشاشتنا ونحن نمارس الفهلوة ليس فقط إطاراً للحياة ولكن مع الله الخبير العليم البصير الرقيب
حالنا اليوم فهو نتاج شديد المنطقية لسذاجتنا وسطحيتنا وهشاشتنا ونحن نمارس الفهلوة ليس فقط إطاراً للحياة ولكن مع الله الخبير العليم البصير الرقيب
 

موظفين في شركات وبنوك يحملون مسابح عملاقة بينما شاشات حواسبهم الألية تستخدم لمشاهدة الأفلام وأجمل أهداف كرة القدم أثناء ساعات العمل بينما جهزوا بفهلوتهم الاستثنائية نافذة رقمية خاصة بالعمل ينقرون عليها عندما يشعرون بمرور المشرف أو المدير. علماء وباحثين يبدأون أبحاثهم ودراساتهم ورسائل الماجستير والدكتوراه بافتتاحية بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا من عند الله بينما هو يعلم أن بحثه منقول وأن دراسته مقتبسه بالكامل وأن موضوع الدكتوراه تكرر عشرات المرات في جامعاتنا المحلية والإقليمية.

أنهي مقالي بواقعتين بديعتين لأعلى مستويات الفهلوة مع الله، الأولى زميل ثري قال لي متفاخرا أن الحج هذا العام كلفه مبلغ رمزي لأن قريبه عضو مجلس النواب أعطى له ولزوجته مكانين من حصة حج القرعة المخصصة للمحتاجين والفقراء. نعم ذهب الزميل للحج مع حرمه مغتصبا مكان اثنين من الفقراء المحتاجين، ثم عاد من الحج مستمرا في إرسال الهدايا وباقات الورد لعضو مجلس النواب تمهيدا للحجة القادمة.

 

أما الثانية فهي مع شاب يعمل في الخليج شاءت الظروف أن أشرف على عمله المهني بحكم تخصصي فنصحته بالتركيز وتطوير قدراته والحرص على العمل والإنتاجية وخاصة مع عدد ساعات العمل القليلة نسبيا والمرتبات المجزية، فابتسم واستنكر سذاجتي في بذل جهد في مكان سيتركه بعد عام أو عامين أو خمسة على الأكثر تبعا لتعبيره. ثم نظر لساعته وقال لي، سرقنا الوقت يا دكتور، لنذهب للمصلى فقد حان وقت صلاة الظهر.

يقينا، عندما كان كل ما يفعله الإنسان العربي المسلم الشرق أوسطي بصدق وعمق وإخلاص هو فعل مع الله وإلى الله وبرعاية الله، كانت الأمة الإسلامية وخاصة مكونها العربي متألقاً متفوقاً متحضراً. أما حالنا اليوم فهو نتاج شديد المنطقية لسذاجتنا وسطحيتنا وهشاشتنا ونحن نمارس الفهلوة ليس فقط إطاراً للحياة ولكن مع الله الخبير العليم البصير الرقيب. يا لسذاجتنا ووقاحتنا، يا من تعتقدون أنكم خير أمة أخرجت للناس.