شعار قسم مدونات

كيف يؤثر الانسحاب الأميركي على الخريطة السورية؟

blogs القوات الأمريكية في سوريا

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب القوات الأمريكية المتواجدة على الأراضي السورية بشكل مفاجئ، حيث أعلن انتصار التحالف الدولي على داعش وانهاء الوجود الأمريكي هناك. هذا القرار كان صادماً لعدة جهات أبرزها قوات سورية الديمقراطية حيث الميليشيات الكردية الانفصالية تشكل غالبيتها. كما أن هذا القرار لقي صدى شبه موحد من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية الذين رفضوا القرار ودعوا ترامب لمراجعته لما له من تبعات سلبية سواء في محاربة داعش أو مهاجمة تركيا للأكراد في شرق الفرات حيث تقوم بتحضير عمليتها.

 

أما في الداخل الأمريكي، فقد كان هناك شبه إجماع بين الديمقراطيين والجمهوريين في مجلس الشيوخ على رفض القرار لأسباب مختلفة. هذا الرفض تمثل برسالة قادها عضو مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور ليندسي غراهام – المعروف بتأييده لأغلب مواقف ترامب – يدعو فيه الرئيس الأمريكي لإعادة النظر بالقرار والإبقاء على القوات الأمريكية. الرسالة عبرت عن قلق كاتبيها من استغلال إيران للموقف والسماح لهم بالسيطرة على مناطق قوات سوريا الديمقراطية.

 

كما أن الرسالة تخوفت من عودة داعش المكسورة والغير مهزومة لاحتلال أراض من جديد وبالتالي تكون فد ضاعت جهود الولايات المتحدة في محاربة داعش. وأوضحت الرسالة أن شركاء الولايات المتحدة لن يثقوا بها إذا استمرت في نهج "الشراكة ومن ثم الانسحاب". أما روسيا، فرحبت بالقرار حيث دعت منذ دخول القوات الأمريكية للخروج من سورية باعتبارها قوات غير شرعية.

الانسحاب الأمريكي قد يشكل كارثة على الثورة السورية إن تم ترك شرق الفرات لنظام الأسد والإيرانيين. فالأتراك لن يحاولوا دعم الجيش الوطني السوري في مواجهة نظام الأسد والميليشيات الإيرانية

السؤال الذي يتبادر للذهن هو لماذا قرر ترامب سحب القوات الأمريكية في هذا التوقيت؟ الرئيس الأمريكي كان قد وعد ناخبيه في حملته الانتخابية بإعادة الجنود إلى ديارهم بعد القضاء على داعش في سورية والعراق وحرص على تنفيذ وعوده الداخلية والخارجية الواحدة تلو الأخرى في محاولة لكسب الجمهور الأمريكي لإعادة انتخابه. في صيف هذه السنة، أعلن ترامب أنه يريد أن يعيد هذه القوات ولكن فريقه الأمني تدخل بشكل مباشر لحثه على عدم القيام بذلك لأن داعش لم تنته بعد ولعبوا على وتر وجود قوات وميليشيات إيرانية في سورية.

 

منذ ذلك الوقت سارع الدبلوماسيون والسياسيون الأمريكيون لوضع استراتيجية تجاه سورية أولا لثني ترامب عن سحب القوات وثانيا لكسب ثقة الحلفاء الأوروبيين وفي الشرق الأوسط وكذلك الشركاء في الداخل السوري. تم تعيين جيمس جيفري ليكون مسؤولا عن الملف السوري وقام بجهد كبير للترويج لتلك السياسة الجديدة. على الرغم من أن السياسة لا تتحدث عن الإطاحة بنظام الأسد ولكنها تهدف لتغيير سلوكه بشكل جوهري ولإخراج الإيرانيين من سورية بشكل دائم.

 

هذه السياسة هي دعوة غير مباشرة لبقاء الأمريكيين في سورية لأطول مدة ممكنة حيث أن هذين الهدفين – عمليا – ليسا قابلين للتحقيق في المدى القريب. في الجهة المقابلة، هذا الأمر لا يناسب الأتراك الممتعضين من الوجود الأمريكي الذي يدعم الميلشيات الكردية الانفصالية والذي يهدد أمن تركيا.

قبل اتخاذ القرار، تناقلت الأخبار حدوث اتصال بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي حيث نوقشت القضايا العالقة بين الدولتين منها الوجود الأمريكي شرق الفرات وقضية غولن وأمور أخرى. أردوغان شدد في محادثاته مع ترامب في مناسبات عدة عدم رضاه عن الدعم الأمريكي للأكراد ودعوته لتسريع تطبيق اتفاق منبج، ولم يترك الأتراك مناسبة إلا وذكّروا نظرائهم الأمريكيين بقضية شرق الفرات. بعد الاتصال، أعلنت الخارجية الأمريكية عن اتفاق تركي-أمريكي لشراء أنظمة الدفاع الصاروخية والجوية الباتريوت بمبلغ يقدر ب 3 مليارات ونصف.

 

علما أن تركيا قامت بالاتفاق مع روسيا لشراء منظومة S-400 المماثلة، الأمر الذي أثار غضب الولايات المتحدة حينها. من الواضح أن تركيا رضيت بالمقايضة وبفعل أي شيء حتى تأخذ زمام الأمور في شرق الفرات ولكيلا تحدث أي مواجهات عسكرية بينها وبين الأمريكان في سورية. وتاليا، جاء إعلان ترامب بعد أن أخذ ما يريد من الأموال بالإضافة إلى إزالة أمر من قائمة وعوده الانتخابية.

إذا تفاهمت تركيا مع أمريكا لتسلم كامل المنطقة لها فسيكون هذا الأمر أحد أكبر مكاسب الثورة عسكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا ليتحسن موقفها في المفاوضات السياسية
إذا تفاهمت تركيا مع أمريكا لتسلم كامل المنطقة لها فسيكون هذا الأمر أحد أكبر مكاسب الثورة عسكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا ليتحسن موقفها في المفاوضات السياسية
 

ويبقى سؤال عن الخريطة السورية بعد الانسحاب الأمريكي. لا شك أن الانسحاب الأمريكي سيترك فراغا أمنيا وسياسيا في شرق الفرات، لأن المنطقة يتم إدارتها بإيعاز أمريكي حيث أن المجالس المحلية السياسية المُعينة تعمل تحت إمرتهم مقابل الحماية العسكرية. لذلك، ستصبح المنطقة ضعيفة وعرضة للهجوم من ثلاث جهات: تركيا وداعش ونظام الأسد (وحلفائه). داعش منكفئة ومكسورة ولكن ليس من المستبعد أن يتم إعادة إحيائها عن طريق دول لها أجندة خاصة وعلى رأسها إيران ونظام الأسد. حيث أن هذا الأمر ثبت في السنوات الماضية عندما كانت المعارضة السورية تسيطر على ما نسبته 70-80 بالمئة من الأراضي ومن ثم ظهور داعش لتسيطر على معظم مناطق المعارضة ومن ثم يقوم نظام الأسد بدعم من روسيا والميلشيات الإيرانية باحتلال تلك الأراضي.

 

أما نظام الأسد وحلفائه، فهو بالتأكيد مهتم لاسترداد حقول النفط التي تسيطر عليها وتديرها الميليشيات الكردية الانفصالية، وأيضا لفتح ممرات برية أقصر بين طهران وحلب وطهران ودمشق (منطقة التنف). أما الأتراك فهم مهتمون بتأمين حدودهم الجنوبية ومن الصعب أن يقوموا بالسيطرة على كامل شرق الفرات ولذلك فهي قد تكتفي بالمساحة الشمالية المتمثلة بطريق القامشلي-منبج.

الانسحاب الأمريكي قد يشكل كارثة على الثورة السورية إن تم ترك شرق الفرات لنظام الأسد والإيرانيين. فالأتراك لن يحاولوا دعم الجيش الوطني السوري في مواجهة نظام الأسد والميليشيات الإيرانية. توجد بين تركيا وإيران تفاهمات بشأن قواعد الاشتباك بين الطرفين وزيارة روحاني إلى تركيا غداة إعلان الانسحاب الأمريكي تأتي لوضع تفاهمات لمرحلة ما بعد الانسحاب وربما تتضمن تنسيق هجوم مزدوج على مناطق شرق الفرات. أما إذا تفاهمت تركيا مع أمريكا لتسلم كامل المنطقة لها فسيكون هذا الأمر أحد أكبر مكاسب الثورة عسكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا ليتحسن موقفها في المفاوضات السياسية وكذلك سيكون تحت يدها حقول النفط التي ستكون ورقة بيد الثورة ضد نظام الأسد وحلفائه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.