شعار قسم مدونات

خذوا العبرة من حياة سوار الذهب!

blogs سوار الذهب

ما أجمل أن ترحل وتترك خلفك سيرة عطرة، يذكرك الناس بخير ما قدمت، لا سيما وإن كان لك منصب أو كنت صاحب شأن، فكيف وأن كان معها بذل للحياة من أجل الغير. كثيرا ما يرحل أصحاب المناصب وتتبعهم لعنات المستضعفين وذلك لظلمهم وتسلط البعض على رقابهم وتضيقهم على سعة حياتهم والسعيد حقاً من ملك التصرف في حق الغير لكنه آثر سلامة نفسه من القيل في الدنيا ومن العذاب يوم الآخرة.

 

ما فعله سوار الذهب كان مثالاً للرجل النزيه الذي قدم مصلحة بلاده على حظوظ نفسه، آثر أن يترك خلفه أثراً طيباً وفكرا نيرا عسى أن يقتدي به من بعده

لما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن الولاية حذر من طلبها وبين أنها قد تهلك صاحبها (إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة) لأن التعلق بها أمر خطير والظلم فيها والبعد عن القسط جد يسير وقل أن تجد ملكاً من ملوك الأرض يُصرف عن الانشغال بها وبزينتها بعد أن يذوق لذتها ويتهنى بنعيمها.

 

مرت على الناس شخصيات سجل التاريخ لها مواقف مشرقة وذكريات ناصعة، بعضهم ممن مكن الله له من سياسة الناس فشهد عهده العدل بين الناس والسعي في قضاء حوائجهم. من هذه الشخصيات ذلك الرجل الذهب رحمه الله الذي شهد له أهل السودان بطيب معشره وحسن خلقه وحبه للخير وسعيه في نشره بين الناس.

 

ولد المشير عبدالرحمن سوار الذهب في العام 1935 م في مدينة الأبيض، تلقى تعليمه في الكلية الحربية السودانية وتخرج منها في العام 1955م، تسلم السلطة وعين رئيسا لجمهورية السودان في العام 1985م وسلم السلطة طواعية في العام 1986م شغل بعد استقالته منصب رئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية. هذه الأحداث باختصار لأن الغرض ليس سرد سيرة حياته فكل أهل السودان مدركاً لها متابعاً لتفاصيلها، لكن الحديث هنا عن قيم عظيمة ضربها الرجل في مسيرة حياته. وعن فقد لرجل أمة في زمانه يحتاج الناس أن يقتفون بعضا من سيرته العطرة.

 

تقلد المشير عبدالرحمن سوار الذهب الحكم ثم تنازل عنه طواعية وقل أن يحدث ذلك من ملك أو زعيم وقد عهد على مر عصور أن من يصل لسدة الملك لا يفارقها إلا بالموت أو تنزع عنه بالقوة لكن ما فعله الذهب كان مثالاً للرجل النزيه الذي قدم مصلحة بلاده على حظوظ نفسه، آثر أن يترك خلفه أثراً طيباً وفكرا نيرا عسى أن يقتدي به من بعده. ثم بعد مغادرته لسدة الحكم ما جلس يترفه بما يحظى به من تتبعهم ملحقات السلطة، بل انخرط في عمل عظيم شرف به وتعطرت به سيرته حيث عمل رئيسا لمجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية التي كان جل عملها في الدعوة وبذل الخير للناس.

 

رسائل من حياة المشير ووفاته

في حياة المشير سوار الذهب على البساطة وتركه لملذات الدنيا وموته وقد بعد عن ملهيات السياسة رسائل..

– تقلد سوار الذهب الحكم ثم تنازل عنه فزاده الأمر عزا ورفعة وإطراءً حسنا بين الناس، وفي ذلك رسالة لكل حاكم أن التغيير ليس ضعفاً وأن التنازل ليس هواناً وإنما حيث دارت المصلحة ينبغي أن يتبعها المرء.

 

– أن المسؤول كلما كان قريباً من الناس، من همومهم، من مشكلاتهم كان قريباً من قلوبهم إذا تكلم سمع له وإذا وجه استجاب الناس له وإذا فارقهم تبعته دعواتهم.

 

توفي المشير سوار الذهب راسما بذلك خارطة طريق للحاكم الذي لم تلهه السلطة عن أبصار طريق الحق والعمل لأجله والاهتمام بقضايا الناس والنزول لحاجاتهم

– قال صلى الله عليه وسلم : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم) فكان نعم الرجل الذي أحبه الناس (تصلون عليهم) أي تدعون لهم فكان كل الناس يذكره بالخير عند المحافل وبعد موته امتلأت الصفحات بالدعاء له والترحم عليه.

 

– عاش سوار الذهب وسلم يداه من سفك الدم الحرام وأكل المال الحرام فسلم عرضة من ألسنة الناس لأنه أصلح أولا ما بينه وبين الله فأصلح الله ما بينه وبين الناس فعاش بين الناس بحسن سيرة ومات والناس تذكر له كل خير.

 

– مات المشير سوار الذهب وقد ترك خلفه سيرة عطرة لحاكم مخلص وعامل متقن وزاهد في السياسة وتبعاتها فهلا تعلم منه من جاء بعده.

 

– توفي المشير سوار الذهب راسما بذلك خارطة طريق للحاكم الذي لم تلهه السلطة عن أبصار طريق الحق والعمل لأجله والاهتمام بقضايا الناس والنزول لحاجاتهم، بل وكرس جل وقته للعمل الخيري والدعوي نسأل الله أن يتقبله في جنات النعيم وأن يغفر لنا وله أجمعين.

 

– الحياة قصيرة ومهما بلغ المرء فهو غير مخلد، والسعيد من أتعظ بغيره وتعلم من تجارب الذين سبقوه، ومهما ملك المرء نهاية المطاف حفرة ضيقة يكون بعدها أما نعيم مقيم أو عذاب مهين.

 

– قال الخليفة عمر عمر رضي الله عنه: (لو طالت بي حياة لما أقررت والياً أكثر من أربع سنين) إن كان عدلاً ملَّه الناس، وإن كان جائراً فيكفيهم من جوره أربع سنين)، فطول المدة مؤذن بالملل، ومن تقلد منصباً عاش فيه زماناً ولم يحقق شيئاً فليترك المجال لغيره، فطول مكث الماء يفسده.

 

نسأل الله أن يجنب أهل السودان الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحقن دماءهم، ويحفظ أعراضهم، وأن يحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم ونعيذه أن يغتالوا من تحتهم ..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.