عزت شحرور.. في الليلة الظلماء يفتقد البدر

blogs عزت شحرور

يصادف هذا الأسبوع الذكرى الأولى على رحيل ابن ترشيحا عزت شحرور الذي درس في جامعة الصين للعلوم الطبية في مدينة شنيانغ (شمال شرق البلاد) عام 1987، وسافر إلى كوريا الشمالية وحصل على شهادة دراسات عليا في الطب الشرقي من جامعة بيونغ يانغ للطب عام 1989، ثم عاد إلى الصين ليحصل على شهادة اختصاص وممارسة الطب التقليدي الصيني من جامعة الطب والعقاقير الصينية ببكين عام 1994.

 

دشن شحرور حياته المهنية دبلوماسيا في سفارة فلسطين لدى كوريا الشمالية في الفترة من 1987 حتى 1990، وانتقل بعدها للعمل في سفارة فلسطين لدى جمهورية لاوس حتى عام 1993، قبل أن يعود إلى بكين مرة أخرى ويواصل عمله مسؤولا إعلاميا ومتحدثا باسم السفارة الفلسطينية لدى الصين حتى التحاقه بقناة الجزيرة عام 2002. الطبيب والدبلوماسي الفلسطيني، مؤسس ومدير أول منصة إعلامية عربية مكتب الجزيرة في بكين الصين.

 

كانت الضرورة التاريخية التي جاءت في اللحظة المناسبة لتصنع منه إعلامي بعد عمله كدبلوماسي حيث قدر له أن يكون الإعلامي العربي الأول في الصين الذي يعمل في الفضائيات فبانضمامه لقناة الجزيرة كانت أولي خطواته الإعلامية كتب "كان منا أول مراسل صحفي في التاريخ هو أخونا الهدهد الذي نقل الخبر بكل أمانة وبأفضل ما يكون النقل الصحفي بجمل قصيرة وواضحة" تمتع بثقافة عربية إسلامية صينية ونضالية ثورية عميقة صقلتها التجارب وبعقله العلمي العملي البرع في تمازج وتماهي الثقافة العربية والصينية، وبمجهوده وإرادته الصلبة بالإضافة إلى جاذبية شخصيته وقدرته على الإقناع.

 

كانت الدبلوماسية سلاحه الوحيد رغم كثرة الوسائل الأخرى متمردا على واقع مرير متحديا أن يحدث اختراقا عظيما، وها هو قد اخترقه، ففي سنوات قلائل استطاع الدكتور عزت أن يترك إرثاً كبيرا

استحق عن جدارة لقب "سفير الثقافة العربية في الصين، وسفير إعلام العرب في الصين" ها هو قد مر عام على رحيل فارسنا المغوار ولم تغب آثاره، حيث كتب -منطق الطير في العودة إلى الذات "أنه يرد أن يعود إلى أصله كطائر" وكتب "لكل هذه الأسباب فإنني وبكامل قواي العقلية قررت أن أقفز من سفينتكم الغارقة تلك وأنجو بريشي وأعلن براءتي من إنسانيتي وعودتي إلى ذاتي مع أبناء جنسي من معشر الطير أحلّق وأغرد مع أسرابها".

 

عزت شحرور حلق طائرا في سماء الدنيا بدماثة الخلق وبارتفاع الثقافة، رغم ثقل ما يحمله من علم ومعرفة إلا أن تحليقه في ارتفاعات عالية لم تمنعه أن يتمايل دائماً بين سطور الدنيا متعرجا بعلم غزير وعمل فريد، كان الإخلاص هو أهم ما يميزه رغم كثرت الخصال الفريدة في شخصيته، عرفناه أخا كريما وصديقا ودودا، الدكتور عزت شحرور الدبلوماسي المميز والإعلامي المخضرم، نجم من نوع مختلف، يجمع بين أصالة الماضي وعراقة التاريخ بطعم الحداثة والتطور في ميدان الإعلام كانت له بصمته وفي مناصرة قضايا الأمة له كلمته، أنجز عدة لقاءات مع شخصيات صينية ودولية معروفة كمستشار مجلس الدولة الصيني تانغ جيا شوان ووزير الخارجية الصيني وانغ إي، والرئيس الكوري الجنوبي الراحل ري مو هيون، والتركي رجب طيب أردوغان، وكذلك بان كي مون عندما كان وزيراً للخارجية، وغيرهم من المسؤولين وأصحاب القرار.

 

نسج علاقة مميزة مع الجانب الصيني حيث كنا في أحد الاجتماعات وسمعت مساعد وزير الخارجية الصيني يقول له: "أنت نجم تتلألأ في سماء الصين" برحيل روحك الطاهرة ستبقي أعمالك العظيمة تحلق في فوق رؤوسنا تنير لنا طريق رسمته بصدقك وانتمائك وأخلاقك ومهنيتك، دبلوماسيتك الفريدة جعلتك تترك المجال لأنك لا تقبل الفساد أو الإفساد. حرفيتك الإعلامية اخترقت سورا عظيما بعملا فريدا يبقي مضيئا متلألأ في سماء الصين وفي فضاء الدنيا كلّها.

 

كانت الدبلوماسية سلاحه الوحيد رغم كثرة الوسائل الأخرى متمردا على واقع مرير متحديا أن يحدث اختراقا عظيما، وها هو قد اخترقه، في سنوات قلائل استطاع الدكتور عزت أن يترك إرثاً كبيرا بين محبيه ومريديه، بين زملاءه ومعارفه، أنشأ أول قناة اتصال عربية صينية شعبية بتأسيسه مكتب الجزيرة في مطلع القرن الحالي، كان له الفضل في افتتاح اول عين فتحتها الجزيرة في سلسلة تغطيات مباشرة ومكثفة أصبحت فيما بعد "سنة حميدة" بفتح عيون أخري على بلدان أخري (كما كتب).

 

وجعل من سور الصين العظيم جسرا للتواصل الثقافي والحضاري، وكتب أيضا "قصة الجزيرة بعد عشرين عاما على تأسيسها ملأت فيه الدنيا وشغلت ناسها، وهي قصة نجاح أفتخر وزملائي في مكتب الصين جدا بأننا جزءاً من صناعها" نعم صناعتك نافعة يافعة نفتخر إننا عرفناك وعايشناك إنها قصة نجاح عربي بامتياز لم تكن هي البداية كما لم تكن النهاية، عمله في مكتب الجزيرة كان استكمال لعمله كدبلوماسي إعلامي.

 

بدأ عزت شحرور رحلة البحث والاستكشاف والتي لا تنتهي بانتهاء حياته، فها هو قد دق ناقوس المعرفة والثقافة التي سوف نسير خلفها دائماً باحثين عن الحقيقة والمعرفة التي حاول أن يضئ شمعته الثقافية نورا يرشدنا
بدأ عزت شحرور رحلة البحث والاستكشاف والتي لا تنتهي بانتهاء حياته، فها هو قد دق ناقوس المعرفة والثقافة التي سوف نسير خلفها دائماً باحثين عن الحقيقة والمعرفة التي حاول أن يضئ شمعته الثقافية نورا يرشدنا
 

كان حر الكلمة وكان جهورا بالحق، مهما كلفه من ثمن، شحرور الإنسان كشحرور المهني، متخصص دائماً بما هو مثير للإعجاب والاندهاش والمحبة، خصائل لا تعد جمعها بشخصيته الفريدة المميزة فهو الطبيب المثقف الدبلوماسي الإعلامي المهني المحترف المبدع ويكاد يكون مخترعا، ولم لا، فمن يستطيع أن يمزج بين ثقافته العربية الأصيلة وعلمه الصيني الواسع يستطيع أن يخترع لونا جديا من العطاء والانتماء، فحبه للصين كان بشكل حذّر وعطاءه لفلسطين بكل ما قدر، (أسس أول موقع فلسطيني باللغة الصينية)، وتماشياً مع بروز الإعلام الجديد، ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد اقترح شحرور ونفذ إطلاق مواقع خاصة بشبكة الجزيرة باللغة الصينية على مواقع التواصل الاجتماعي الصينية بهدف زيادة تعريف المواطن الصيني بالقضايا العربية.

كان الفلسطيني الأول بكل أعماله، وعربي الانتماء بكل أفعاله، المسلم الباحث عن الحقيقة مهما تعرض من متاعب، بدأ رحلة البحث والاستكشاف والتي لا تنتهي بانتهاء حياته، فها هو قد دق ناقوس المعرفة والثقافة التي سوف نسير خلفها دائماً باحثين عن الحقيقة والمعرفة التي حاول أن يضئ شمعته الثقافية نورا يرشدنا ويدلنا على طريق نحتاجه جميعا، ربط بين الطب العربي الشعبي وبين الطب الصيني التقليدي، بين عادت وتقاليد المجتمعين العربي والصيني، أنه طريق الثقافة والمعرفة والإبداع طريق الانتماء الصادق.

كان ندائه الأخير معبرا صادقا وفي ذات السياق لحياته كلها وختاماً أوجه ندائي الأخير ناصحاً أبناء العائلات الفلسطينية والعربية الموقرة مثل عائلة حبش وشاهين والدوري وسنونو وأبو الريش والديك وحتى الدويك وغيرهم بأن تعود إلى أصولها وأن يهديها الله لأقرب من هذا رشدا. فإن: " كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا". (داعياً الله بأن يهديكم ويخلص الدنيا من سيئات أعمالكم ويرزقكم فؤاد طير ويحشرنا معا في جنات النعيم).

نعم إنه يمثل حاله التغريبة الفلسطينية حيث توفي الدكتور عزت شحرور يوم 23 ديسمبر/كانون الأول 2017، عن سن ناهزت 55 عاما جراء نوبة قلبية مفاجئة في العاصمة بكين وذلك قبل الانتهاء من صيننة موقع الجزيرة الذي واكب انطلاق موقع الجزيرة باللغة الصينية بعد أسبوع من وافته، واتشحت الأسرة الإعلامية والجالية العربية في الصين بأسرها بالحزن فقد كان بالفعل واحدا من الرجال الذين يتركون بصماتهم في الحياة ويجبرون التاريخ على أن يذكرهم في سطوره بأحرف من نور، كي نقوم باستحضارهم كلما دعت الحاجة ففي مثل هذه الليالي الظلماء يفتقد البدر.