الفرنسيون لا يملون من كتابة التاريخ!

blogs السترات الصفراء

أيام قليلة مرّت على التظاهرات الفرنسية "الرائعة" شهدنا جميعًا نتاج 230 عامًا من الحرية السياسة وكيف أنّ الشعوب الحيّة لا تفاوض على حقوقها بل تنتزعها من أفواه الُحكام، فزيادة بِنساتٍ قليلة على أسعار الوقود قادة ثورة عارمة ضد سياسات الرئيس الذي انتخبه الفرنسيون أنفسهم بانتخاباتٍ لا تشبه في نزاهتها أيًّ من انتخابات هذا الشرق.

الثورات أيًّ كان سببها أو منشأها هي جميلة في تجسيدها لرأي الشارع وكيف يخرج الناس مُدافعين عن حقوقهم حتى ضد من انتخبوه ليُمثلهم، فأحدٌ من الفرنسيين لم ينتخب ماكرون على أساس سياسات التقشف التي اتبعها منذ وصوله إلى الإليزيه، وهو ما لم يُعجب الشعب الفرنسي الذي يسعى كما شعوب الأرض إلى حياة أفضل بعيدًا عن إجراءات التقشف.

الشعب الفرنسي الذي قاد أوّل ثورة غيّرت وجه العالم وأجبرت أغلب الملكيات الحاكمة في أوربا على التنازل عن الحكم لصالح الشعب قبل 230 عامًا انتهت بالحكم على الملك لويس السادس عشر بالموت، وإذ لست بصدد التحدث عن مُجريات تلك الثورة غير أنّ قصة إعدام "المواطن لويس كابيت" كما دُعي بعد خلعه من الحكم تُبيّن أنّ دين الطغاة واحد، حيث شكّل إعدام الملك الفرنسي حالة من الهلع في أروقة الحكم في كافة أنحاء أوروبا، التي دعت جميعها إلى الحرب ضد الجمهورية الفرنسية الوليدة، حتى أنّ جمهورية "بروسيا" -التي حُلت بعد الحرب العالمية الثانية- هددت قبل إعدام الملك الفرنسيين بالتدخل العسكري لإعادة النظام الملكي والملك إلى السلطة.

مع أنّ عدد المتظاهرين الفرنسيين اليوم لا يُشكل أكثر من نصف بالمائة من عدد الفرنسيين حسب استطلاعات الرأي، غير أنّ ما نسبته 84 بالمائة من الفرنسيين يدعمون حركة "السترات الصفراء"

من جديد.. وقبل نصف قرن من الزمن قاد الطلبة في الجامعات الفرنسية ثورة هزّت أركان المجتمع الأوروبي وتردد صداها من روما إلى برلين إلى لندن وإلى مدريد، ثورةٌ قادها الطلبة ودعمها عباقرة العصر من أمثال الفيلسوف "جان بول سارتر" وكان أبرز شعاراتها "اركضوا يا أصدقائي.. العالم القديم ورائي" "إن لم تعطني حريتي فسأتولى الأمر بنفسي"، إذا فالحرية والانعتاق من كل ما هو تقليدي وقديم حرّكت آلاف الطلبة آنذاك، والجميل أن سبب تلك الثورة هو طالب ألماني كان يدرس في جامعات فرنسا اعتقلته السلطات الفرنسية فثار لأجله زملائه وتبعهم كافة الطلبة الفرنسيين وانتهت الثورة بتغيير شكل فرنسا والمجتمع الأوربي والعالم أيضاً، من خلال تعزيز حقوق الفرد وحريته ووضعها على رأس أولوية السطات الحاكمة.

ومع أنّ عدد المتظاهرين الفرنسيين اليوم لا يُشكل أكثر من نصف بالمائة من عدد الفرنسيين حسب استطلاعات الرأي، غير أنّ ما نسبته 84 بالمائة من الفرنسيين يدعمون حركة "السترات الصفراء" وهذا ردٌّ واضح على كل مُتشدق يقول بأنّ أعداد المتظاهرين هي ذاتها نسبة المُطالبين بالتغيير، فلم تشهد أي ثورة حقيقة في العالم أجمع مشاركة أكثر من 1 بالمائة من عدد السكان فيما تكون نسبة التأييد الشعب لها على أقل تقدير 70 بالمائة، فالشجعان فقط هم من يقومون بالثورات ويخرجون مُطالبين بحقوقهم وحقوق غيرهم.

وخلال مُتابعتك لما يقوم به الفرنسين أكثر ما يُثير غيظتك في هذه الثورة الجميلة هو وقوف بعض أبناء هذا الشرق موقف المستهزء من فرنسا والفرنسيين، مُذكرين شعوبهم بالنعمة التي حباها الله لبلدانهم بعد اختياره هذا الطاغية أو ذاك ليكون مُسلطًا على رقاب الناس، وكيف استطاع بحكته الإلهية أن يسوس هذا الشعب، في تطبيقٍ حرفي لما يرويه القديس توما الإكويني في كتاب (الخلاصة اللاهوتية -المجلد الخامس ص 142) "أن الكاهن وسيط بين الله والشعب، يسوس بالسلطان الإلهي المرموز إليه بالعصا".

 

والكاهن العربي اليوم هو هذا الطاغية وعصاه هي المدفع والبندقية، وبالطبع فإنّ سياسة الشعب في الشرق دائمًا ما كانت مُرتبطة بنعمة "الأمن والأمان" وأنّها خصيصة هذا الحاكم ومنحةُ من الله، وكثيرًا ما يُرافقها تهديد مُبطن بنزع هذه المنحة الإلهية وتحويل حياتهم إلى دمار، لكن ما يجعل الإنسان يقف مدهوشًا فاغرًأ فاه هو مُطالبات بعض حكومات هذا الشرق للرئيس الفرنسي بعدم قمع المتظاهرين، والله هم ليسوا أكثر من عاهرة تُحاضر بالشرف.