هل رجال عصرنا يحتاجون إلى التعدد؟!

((قال الجمّاز: أردت أن أتزوج جارية بصرية فقالت لرسولي: أريد أن أسمع كلامه، فقعدت قريبا منها فقالت لي :أذكر ما عندك، قلت:عندي دنانير ودراهم وثياب، قالت:ما سألتك عن هذا، إنما سألتك عن الفراش، قلت:واحدة في أول الليل، وأخرى في السّحر، قالت:قم رحمك الله، فإنك إلى قبر أحوج منك إلى امرأة)).

 – أبو حيان التوحيدي البغدادي، البصائر والذخائر، ط1 دار صادر، بيروت 1988، تحقيق د. وداد القاضي.. وجاء في مخطوطة مكتبة جامعة كامبريدج (مصرية) بدل (بصرية)، و(واحد) بدل (واحدة) و(آخر) بدل (أخرى)-.

 

حقيقة لا نستطيع الحكم على صحة الاقتباس أعلاه، من كتاب تراثي، يغلب عليه جمع النوادر والطرائف ما صدق منها وما كذب، ولكن ربما يعطينا لمحة عامة، عن وجود طاقات جنسية كبيرة لدى رجال القرون الماضية، وهذا ليس مستهجنا ولا مستغربا، فكما نتذكر القدماء وقدرتهم على حمل الحجارة الكبيرة ونقلها إلى مسافات طويلة، وقدرتهم على حرث الأرض وحصادها بأدوات بدائية، وغير ذلك مما يدل على قوة بدنية للأعمال التي تحتاج لمجهود عضلي، فالأمر ينسحب تلقائيا على الجانب الجنسي.

 

فإذا كانت الطاقة التي يصفها الاقتباس هي الشيء النادر، أو تعد مما بخس، فحاجة الرجل إلى التعدد تعتبر شيئا مفروغا منه، ولا مناص للرجل من أن يعدد، حيث أن امرأة واحدة لا تكفيه، وهي أصلا تحيض، وتكون في النفاس بعد الولادة وغير ذلك. وكلامي لا يقيم وزنا لمنظمات (التنسون) ومن سار من الرجال في ركبها، مداراة، أو خوفا من الاتهامات المعلبة، بأن المرأة وفق هذا المنطق حين تتزوج يكون الهدف، إشباع الغريزة الجنسية، وهذا-وفق منطق تلك المنظمات-امتهان واحتقار للمرأة ومسّ بكرامتها!

 

الآن لا يحتاج الرجل إلى التعدد، وخاصة أن بعض التقارير تشير إلى تصدر دول عربية قائمة استهلاك أقراص الفياجرا، فبالتأكيد يدل ذلك على ألا حاجة إلى التعدد عند الرجل العربي

وهذه حجة واهية، لأن الحاجات متبادلة وطبيعية، والله تعالى خلق الإنسان ويعلم ما ينفعه وما يضره، ولا شك أن محاولة إنكار الفطرة، والتصدي لها بشعارات واهية يؤدي-كما ثبت- إلى نتائج وعواقب وخيمة… ولكن الأمر الآن مختلف، فطاقة الرجال عموما، ومنهم العرب؛ ما عادت كما كانت، والأجيال السابقة، التي رضعت حليب الأمهات، أو من يحل مكانهن من المراضع، وتربت في بيئات طبيعية، تأكل لحم ماشية رعت العشب النابت من قطر السماء، لا أعلافا معالجة بهرمونات أو غيرها، وكانت ترى الصوص (الكتكوت) ينمو عبر مراحل تمتد شهورا قبل أن يصبح جاهزا للذبح والأكل، لا ما نأكله من فراخ تنمو وتسمن بسرعة خلال أسابيع قليلة، وأقامت الأجيال السالفة أودها من نبات نما من الغيث، ولم تلامس تربته أسمدة أو كيماويات، واستنشقت هواء غير ملوث، فكان هذا يعني قوة البدن، وما يتبعه من (الباه) كما اصطلح على تسمية القدرات الجنسية.

 

الآن لا يحتاج الرجل إلى التعدد، وخاصة أن بعض التقارير تشير إلى تصدر دول عربية قائمة استهلاك أقراص الفياجرا؛ ومع أن تناول تلك الأقراص لا يشير بالضرورة إلى عجز أو ضعف جنسي، بل ثمة أسباب أخرى، ولكن بالتأكيد يدل على ألا حاجة إلى التعدد عند الرجل العربي.. فامرأة واحدة تكفيه بأقراص فياجرا أو بدونها!

 

الحاجة إلى الأيدي العاملة

أيضا كانت حياة الناس شاقة تعتمد على كثرة الأيدي العاملة؛ وأنا شخصيا تزوّج جدي، رحمه الله، كي ينجب مزيدا من الأولاد الذكور كي يقوموا بفلاحة أرضه كبيرة المساحة مقارنة بما كان لديه من الأولاد، ولذا لم يعترض أحد البتة من محيطه الأسري…ولكن وبعد حوالي ثلاثين عاما حين أقدم أبي، رحمه الله، على الزواج الثاني، وكانت الأرض قد احتلت في نكبة 1948 كان ثمة اعتراضات واستهجان شديد، لأن المبرر المتعلق بالسعي لزيادة الأيدي العاملة مفقود تماما.

 

وفي المجتمعات الريفية، ما قبل التغيرات الحادة في الريف، كانت الزوجة الجديدة، تتحمل مع الزوجة القديمة أعباء ترتيب شؤون البيت، والتي تشمل الخبز بالطابون(أو التنور في بلاد أخرى) والطبخ بطرق بطيئة وصعبة، ورعاية الأغنام والأبقار والأرانب والدجاج وربما الحمام، وكذلك العمل في الحقول والمزارع، وما تنجبه الزوجة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو حتى الرابعة من بنين وبنات يعني زيادة الأيدي العاملة في تربية الماشية ورعيها، وزيادة العاملين في الفلاحة وما تشمله من حرث الأرض وبذر البذور وجني المحصول حصدا أو قطفا بأدوات بسيطة. كما أن الزوجات على ذمة زوج واحد قد عرفن التعدد في أسرهن أو أسر أقاربهن قبل زواجهن، فهو أمر عادي وطبيعي بالنسبة لهن، فلا مجال لرفض مألوف متوارث.

 

ربما كان التعدد في زمن ماض دافعه غريزة البقاء، نظرا لتفشي أوبئة كانت تفتك بالناس، والطاقات كانت تفرغ بأعمال يدوية شاقة فعلا، ولم يكن ثمة خصوصية كبيرة في مساكن الناس
 
رفض التعدد والزيجات المريبة

لكن الآن الأمر مختلف، فقد تجد عددا كبيرا من النساء لم تعرف أي منهن التعدد إلا فيما تسمع، فلا أب ولا أخ ولا عم ولا خال ولا حتى ابن عم ولا ابن خال من مختلف الدرجات قد مارس التعدد، فكيف تقبله هي لنفسها؟ بل حتى ما يعتبره رافضو التعدد نوعا اضطراريا من التعدد لوجود ظرف قاهر، كأن تكون امرأة رجل يشتهي أن يكون له ذرية، عاقرا لم يفلح الطب في علاجها، بات مرفوضا عند كثير من النسوة اللواتي يطلبن الطلاق-وهن عواقر- ويفضلن العيش بلا زواج على العيش بوجود الضرة، ولو كانت تقيم بعيدا. بل كثير من النساء يقلنها صراحة أننا نفضل-لو كان لنا الخيرة من أمرنا- أن نكون أرامل لزوج ندعو له ونترحم عليه، على أن تشاركنا فيه امرأة أخرى فندعو عليه!

 

فهل التعدد يلزم الرجل في زمننا هذا؟ وإذا كان الجواب(لا) فلماذا يلجأ رجال وبتواطؤ مع نساء على أنواع زواج (مستحدثة) مثل المسيار والمسفار والسياحي، ناهيك عن القديم-الجديد أي الزواج العرفي، وغيره مما فسد أو بطل أو فيه شبهة وخلاف من زيجات؟ لو كان الأمر والظرف طبيعيا، وثقافة التعدد منتشرة، لما سمعنا بها إلا في حدود ضيقة جدا. صحيح أن تلكم الزيجات الغريبة لا تقتصر بل حتى قد لا يغلب عليها أن يكون الرجل متزوجا، بل قد تكون بين شاب وفتاة لا سابق زواج لأي منهما، ولكن لو أن التعدد مباح عرفا وثقافة لما انتشرت هكذا، لأن الفتاة الطبيعية-عقلا ودينا وخلقا- تفضل الزواج بعقد عادي شرعي ورسمي من رجل متزوج على مثل هكذا زيجات أقل ما يقال عنها أن فيها شبهة أو شبهات!

 

بين زمنين.. من يحتاج التعدد أكثر؟

ربما كان التعدد في زمن ماض دافعه غريزة البقاء، نظرا لتفشي أوبئة كانت تفتك بالناس، والطاقات كانت تفرغ بأعمال يدوية شاقة فعلا، ولم يكن ثمة خصوصية كبيرة في مساكن الناس، بل قد يكون اللقاء بين الزوجين متباعدا، يقتصر على ما يسره الله للإخصاب، وحتى تسخين المياه وتجهيزها للاغتسال لم تكن سهلة، بما في ذلك داخل المدن والحضر حيث تنتشر الحمامات العامة، وبالتالي رجال العصر، تغلب العلم على تراجع طاقاتهم جرّاء عوامل نفسية وغذائية بالحبة الزرقاء، وخصوصية واستقلالية معيشتهم أكثر من الآباء والأجداد، ولكن نساء اليوم عموما يرفضن التعدد بعكس الجدات في زمن مضى. ذلك أن نساء الزمن الماضي لم تسطو على أفكارهن حركات التنسون، ولم يتربين أمام بث درامي صوّر التعدد على أنه خيانة عظمى، وجريمة كبرى يقوم بها الزوج الناكر للجميل، وسأتطرق لموضوع الدراما وعلاقتها بالتعدد في المقال القادم إن شاء الله.



حول هذه القصة

شهدت ميزانيات الدفاع بدول العالم خلال 2018 أكبر زيادة لها منذ عشر سنوات مدفوعة بالزيادات التي شهدتها الدول الأعضاء بحلف الناتو، وكان لافتا تجاوز ميزانية السعودية نظيرتها بفرنسا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة