شعار قسم مدونات

ماذا خسرت اللغة العربية بتخلف العرب؟

blogs اللغة العربية

كنت مدعوا في إحدى الحفلات بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، قام متحدِّثٌ من ضمن المتحدثين، شيخٌ معمم يتحدّث بفخر شديد عن اللغة العربية، بدأ كلامه على طريقة الفخر المعروفة التي لازال الكثير من العرب يتقنونها ولا يحسنون غيرها، فاللغة العربية هي اللغة الأكثر انتشارًا، وهي أوسع اللغات وأغناها بالمفردات، وضرب مثالا على ذلك من كلمة "الأسد" وقال بأن اسم الأسد له ما يقرب من 8000 لقبًا، لا أدري ربما قال هذا الرقم أو ما يقارب منه، فقد أكون أنا بالغت في الوصف، كنت أستمع إلى هذا الكلام على مضض شديد، ولولا الخجل لقمت على الفور وذهبت من مقعدي.

هناك حقائق لا تزال موجودة عن اللغة العربية، فهي من أوسع اللغات انتشارًا في العالم، يتحدث بها نصف مليار في العالم، وأحرفها هي من أكثر الأحرف انتشارًا في العالم بعد اللغة اللاتينية التي هي في الكتب فقط الآن، نسج على منوال اللغة العربية لغات حية باقية كاللغة الفارسية واللغة الأردية ولغات مات حروفها كاللغة العثمانية (التركية حاليًا) واللغة الخامية (الإسبانية حاليًا)، بالإضافة إلى تولُّد كثيرٍ من اللهجات من عباءة اللغة العربية، كاللهجة المصرية والشامية واللهجات المغاربية واللهجات الخليجية، كل هذا يعبِّر عن غناءٍ حقيقيّ للغة العربية، ربما لا يتوفّر هذا الغناء في لغات أخرى كثيرة.

هناك موقفان موقف الدرس اللغوي الحديث الذي يقول بأنه لا فضل للغة على لغة، فاللغة ما هي إلا أداة تواصل بين مجموعة معينة من البشر، وما دامت هذه اللغة تؤدّي هذه الوظيفة، فإذن هذه اللغة فاضلة، وهناك موقف الدرس القديم العربي، الذي يؤمن بفضيلة اللغة العربية على سائر اللغات، وفي هذا المقام من الممكن أن نذكر أساطين اللغة الأول كابن جني وابن فارس وغيرها، وهم ينظرون لهذا الرأي متخذين من آيات كريمات دليلا عليه، مثل قوله تعالي: بلسان عربي مبين.

أنا أؤمن بفضيلة العربية لأن القرآن قد نزل بهذه اللغة، لكنني أؤمن مع هذا أنه لولا القرآن لما كان للغة العربية وزن يُذكر، والقرآن هو العامل الوحيد الذي جعل اللغة إلى الآن حية

أما أنا فموقفي الآن يقع في حيرة التردد، فلو كنت أعيش في القرون التي عاش فيها ابن فارس والمتنبي وغيرهما، حتما لآمنت بأن اللغة العربية هي أفضل اللغات دون منازع، فالإسلام غالب، والعرب فتحوا الدّنيا، والناس ينهالون على تعلّم العربية، لأجل تعلم هذا الدين الإسلامي، أما الآن فالظروف تغيّرت، وانقلبت السفينة رأسًا على عقب فوصلنا إلى قاع المحيط.

سأقول لك-ولا مرارة في ذلك فقد استسغنا الخسارة- إن ما نراه الأن على الحقيقة أطلالا ليس إلا، فاللغات التي أوسعت لكثير من الكلمات والمفردات العريبة مكانًا لها كاللغة التركية والفارسية، لو كان الأمر قديما كالأمر الآن والواقع الآن، لما حدث هذا التأثر الكبير بالعربية، لماذا تذهب إيران الدولة الكبيرة المتضخمة الآن إلى اللغة العربية وتأخذ مفرداتها، فهذا التأثر هو صدى للحضارة القديمة التي انقضت وانتهت.

دعني هنا أسجّل نقطة قبل أن تهرب مني، أنا أؤمن بفضيلة العربية لأن القرآن قد نزل بهذه اللغة، لكنني أؤمن مع هذا أنه لولا القرآن لما كان للغة العربية وزن يُذكر، والقرآن هو العامل الوحيد الذي جعل اللغة إلى الآن حية باقية يتكلّم بها الناس، وهو السبب الوحيد في انتشارها وتوسّعها يومًا بعد يوم. سأستمرُّ هنا في النظرة الواقعية والتشاؤمية، وأخلع عني لباس الفخر المستعار، متسائلا هذا السؤال البدهي: "ماذا خسرت اللغة العربية بانحطاط العرب".

والإجابة على هذا السؤال ليس أمرًا هينا حقًّا، فهو يستدعي مشاهد عدة تتعلّق باللغة العربية، وميادينها في الداخل والخارج، يعني في داخل البلدان العربية، وخارجها، أما في داخل بلداننا الجميلة، فاللغة العربية هي من اللغات المحتقرة من أهلها، منا نحن، نحن نحتقر لغتنا، وهذا أمر طبيعي فاللغة لسان الهوية، ونحن نعاني من أزمة هوية، وبالتالي فنحن عندنا أزمة في لغتنا العادية.

كثير من المؤسسات الرسمية الآن الحكومية وغير الحكومية لسانها غير عربي، فبعض المؤسسات تتحدث اللسان الإنكليزي والبعض الآخر يتحدث الفرنسية، تبعًا لنكهة الاستعمار القديم التي كانت تحته تلك البلد، والتحدث باللغات الأجنبية هو سمة أساسية من سمات مظاهر التحضر والتمدّن، التي تظهر مدى عمق ثقافة الإنسان الذي أمامك، ومن المضحكات المبكيات التي رأيتها أثناء مقامي في غربتي، أن كثيرًا ممن يتشدّقون بكلمة أو كلمتين أثناء حديثهم في بلادهم، إذا خرجوا ووقعوا في موقف حقيقي كي يتكلموا بلغة أجنبية، أصابتهم التعتعة والثأثأة ووقعوا في حيص بيص، على أي حالٍ فهذا واقعٌ يدعو للشفقة، ونفس الأمر يحدث مع مسؤولينا فهم لا يحسنون التحدث بالعربية الفصحى، هذا بالطبع إذا كانوا في صحة وحالٍ جيدة كي يتحدثوا.

مع احتقارنا للغتنا العربية الفصيحة، فإننا احتقرنا أيضًا لغتنا العامّية اللهجات المحلية، وتداخل في هذا الاتجاه، فريق من المتدينين منغلقي الفكر مع الأسف، يظنون أن العامّية هي أحد أسباب تخلفنا
مع احتقارنا للغتنا العربية الفصيحة، فإننا احتقرنا أيضًا لغتنا العامّية اللهجات المحلية، وتداخل في هذا الاتجاه، فريق من المتدينين منغلقي الفكر مع الأسف، يظنون أن العامّية هي أحد أسباب تخلفنا
 

هل يسعى العرب خارجيًا لنشر اللغة العربية؟!، الحقيقة أن هذا السؤال ليس سهلا أيضًا كما يبدو، فالذي يتبادر إلى الذهن ونحن نجيب على هذا السؤال، هو مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وقد حالفني الحظ أن أنخرط في هذا المحيط قليلا وأطّلع على ما فيه، يتداخل هنا موقفان أساسيان في مجال تعليم العربية لغير الناطقين بها، موقف يتزعمه فريق مسلم متدين غاية الإيمان، فهو هدفه نشر الإسلام عن طريق اللغة العربية، وهذا هدف غالٍ ونبيل، لكن المشكلة هنا أنك تضيّق مساحة المستهدفين أثناء التعليم، وقد رأيت مناهج كثيرة، هي كتب في مجال تعليم العربية لغير الناطقين بها، قوامها الأساس هو آيات من القرآن الكريم والسنة النبوية، ولا شك أن مستوى الذي يتعلم العربية ولا يعرف عنها شيئًا -خاصة إذا كانت ليست لغته من الأساس- لا يتناسب مع المستوى اللغوي الرفيع للغة العربية، والنتيجة الحتمية في هذا أن المستهدفين يسقطون واحدًا تلو الآخر، وتكون هذه الطريقة عقبة أمام التعلم.

أما الفريق الآخر فهو متحرر بعض الشيء، لكن ينقصه الكثير والكثير، وسبب هذا تخلفنا الفكري والحضاري، إذا أردت أن تعرف أين نحن في هذا المجال، فقارن بيننا وبين مثلا اللغة الإنكليزية ومناهج تعليمها، الكتب والمناهج التي تدرس للأجانب كلها تقريبًا منقولة من بعض، لا يوجد ابتكار ولا شيء جديد.

بقي هنا أن أنوّه إلى شيء في ختام هذا المقال، وأرجعه مباشرة إلى تخلفنا الحضاري والفكري، هو أننا مع احتقارنا للغتنا العربية الفصيحة، فإننا احتقرنا أيضًا لغتنا العامّية اللهجات المحلية، وتداخل في هذا الاتجاه، فريق من المتدينين منغلقي الفكر مع الأسف، يظنون أن العامّية هي أحد أسباب تخلفنا، وأن الاهتمام بها هو ضد الإسلام وضد القرآن، وبالطبع فإن نتيجة هذا الأمر كارثية، هو أننا ليس لدينا مناهج مدوّنة باللهجات المحلية، التي يتحدث بها ملايين البشر، والحديث هنا ذو شجون.