عمان.. انطباعات زائر

blogs عمان

واجهات حجرية متماثلة، وانضباط في تخطيط المباني وتنسيقها. ذلك ما يلفت القادم إلى مدينة عمان للمرة الأولى. المشهد المعماري للمنازل والبنايات المتجاورة على التلال السبعة الأولى المكونة للمدينة، يخفي ما يمكن للعين المدققة أن تلتقطه على صفحات الصحف السيارة، التي لم تعد تشترى. إعلان يحتل صفحة داخلية كاملة، تنشر في سياقه بلدية المدينة عشرات الأسماء، التي تأهلت للتنافس على ثلاثة وظائف شاغرة: سائق مركبة خفيفة، وسائقا مركبات ثقيلة. هكذا تتجلى صورة سوق العمل، وأزمته الطاحنة.

لا يوحي مشهد عمان ونموها السريع في غضون ثلاثة عقود، بانشغال الناس بأي تغيير راديكالي. ورغم ذلك، يحضر الحلم به تحت سقف الملكية. فاحتجاج الدوار الرابع الذي ما زال قابلا للتكرار، بات أشبه بالفولكلور. أما عدد المشاركين فيه، فأصبح موضع خلاف، بين وسائل نشر الأخبار المحلية؛ هل هم عشرات، أم مئات. المهم أنك أثناء فرارك، من زحمة الاحتجاج المتوقعة ذات يوم، بصحبة سائق تكسي يتقن اللهجة اللبنانية، تتنبه لوجود شرطة مكافحة الشغب في الشوارع الخلفية، وعلى بعد أمتار منها، حافلة صغيرة وأنيقة لنقل الموقوفين.

لا أثر للصخب في الأسواق القديمة، ولا للازدحام الخانق الذي تشتكي منه مراكز المدن، في حين أنه حاضر في الشارع الرئيس لكافة المخيمات، الذي تحولت إلى سوق بحكم المكانة الجغرافية

عمان استوعبت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وجعلتها جزءا من نسيجها. فأنت لن تعثر على حدود بين هذه وتلك، إلا عند التدقيق بحجم الشوارع الداخلية للمخيم، عند فتحاتها المطلة على احياء العاصمة الملاصقة لها. في حين أن سكان العاصمة أنفسهم، يقسمونها إلى غربية وشرقية: الأولى حديثة النشأة، ومنظمة وفيها أحياء مخصصة للنخبة، وعلية القوم. وفيها كذلك الفنادق الفارهة، والمجمعات التجارية، وشارع للمطاعم والمقاهي على ضفتيه اليمنى واليسرى، يسمونه تندرا "شارع المفاجيع". أما الثانية، فتضم الأحياء القديمة القائمة على التلال، وتتخللها مخيمات اللاجئين.

 

في المنطقة المعروفة بوسط البلد، تشعر بنبض التجارة بصورتها المألوفة في المدينة العربية. بل أن المدينة بطابعها الشبيه بطرابلس الشام وبيروت ما قبل الحرب، يمكن أن تجدها هناك. وهنالك يمكن أن تجادل البائع، وتحصل على التخفيض المطلوب، رغم أغلظ الأيمان التي تسمعها منه. في قلب وسط البلد، ستجد كذلك المطاعم ومحلات الحلويات الشهيرة، التي يتغنى بها سكان عمان وروادها. وستجد بلا شك، كشك الثقافة العربية وصاحبه، وفي واجهته صوره له مع الملك والملكة وهما يزورانه. وأخرى له وهو يتلقى من الملك وساما تكريميا. أما الفنادق المتناثرة فهي ضيقة وقليلة الطبقات، وتحمل أسماء تراثية وغربية قديمة. في حين أن المحلات والأسواق، ترفع على مداخلها أسماء أسر أو بلدات بعينها، كسوق ملكو، أو تسميات مختلفة الإيقاع والنكهة؛ كسوق عصفور.

 undefined

لا أثر للصخب في الأسواق القديمة، ولا للازدحام الخانق الذي تشتكي منه مراكز المدن، في حين أنه حاضر في الشارع الرئيس لكافة المخيمات، الذي تحولت إلى سوق بحكم المكانة الجغرافية. ويظهر الصخب هناك، بصيغة أصوات تنطلق من أجهزة تسجيل، تكرر برتابة، أصواتا مسجلة لباعة الدجاج والأقمشة والخضار، وهم يروجون بضائعهم. الأحياء الطرفية الناجمة عن التوسع العمراني قليلة الاكتظاظ، وتشعرك على خلاف سابقاتها بنكهة الريف، لكنها لا تخلو بدورها من خيمة هنا أو هناك، قيل لي إنها تضم بالغالب عائلات بدوية.

 

ثمة بين نخبة الأردنيين المقيمين بعمان، من أصول فلسطينية، ممن ما زال حبل سري يشده الى مربع طفولته في المخيم، رغم اليسر المادي الذي أصابه. فهذا جراح معروف ابتنى بيتا كبيرا في منطقة عمرانية مستحدثة. وهو يقر بأن الصدفة سهلت له فرصة الاطلال كل صباح، على المربع الذي عاش فيه صباه وفتوته، لكنه لا يخفي سعادته بهذه الهدية السماوية. وذاك شاعر وصحفي متقاعد، يدفعه الحنين ذاته، إلى التردد على المخيم الذي عاش فيه، قبل عقود من الاغتراب خارج الأردن. وحدث أن دعا ذات مرة- وهو الشغوف بالتصوير- فتىً عابرا لالتقاط صورة له بهاتفه الجوال في أحد أزقة المخيم. لم يستغرب الفتى ذو المزاج الساخر، طلب الرجل المريض بالحنين فحسب، بل عامله معاملة المصاب بمس من الجنون.