هل هناك إبداع في المغرب.. أم مجرد إشاعة؟

إنَّ الحديث عن الإبداع بالمغرب، هو فسحةٌ جميلة، تتركُ لك الحريّة في إخراجِ ما في جبَّتك بخصوص هذه الإشكالية المربكة. الإبداعُ لا يكونُ نابعاً من أي شخص، بل ينبعُ من شخصٍ فنان، امتلكَ هذه الموهبة الربانية، رغم اختلاف الصنف الإبداعي، لكن يظلُّ الإبداعُ إبداعاً فنياً، ذاتيا، بيدَ أن الإبداع يكون مشروطا بالحريّة، كمقوِّمٍ له، وكزخمٍ طاقيٍّ محفِّز للمبدع. عندما يبدعُ شابٌّ في أي مجال، فإنَّه لا يتوخى من وراءِه منفعة، أو غايةً ما، يُبدعُ من أجل إخراج ما بخاطره، فإذا كانت غايةٌ ما لهذا الإبداع تحوَّل إلى مهنة أو حرفةٍ دون هوادة. عند إبداعهِ، فهو لا يعرفُ ماذا يفعل، أو ماذا يتوخى من فعله ذاك، حتى ينتهي منه ثم يستوعب لماذا فعل ذلك. هذا مجرَّد تصويرٍ وتجسيدٍ للإبداع وربطهِ بذاتيّة الفرد المُبدع وحريّته.

قد نتحدثُ عن مجالٍ معين، وهو الإبداع في الأدب، كقفزةٍ نوعية نراها بوضوح في الآونةِ الأخيرة، الأدبُ هو إبداعٌ نبيل قبل كلِّ شيء. يمكن للمبدع أن يبدعَ في الأدب بشتّى أجناسه، سواءٌ في القصّة أو الرواية أو في الشِّعر، دون فرضِ سلطةٍ عليه، أن يَكتُبَ تحت طائلةِ الحرية التي لا مناص منها، الحرية ركيزةٌ أساسيّة في الإبداع الإنساني. يجبُ علينا ألاَّ نصوِّبَ قذائفنا النَّقديّة نحو كلِّ مبدعٍ أصدر عملاً ما، في جنسٍ ما، لا سيما إن كان في بداياتهِ. لأنَّه إبداعٌ أدبي مكونٌ من رؤيةٍ سردية، وتصميمٍ سيميائي، وشخصيات، وأزمنة وأمكنة، وبالتالي وجب احترامه. إذا ارتكب أخطاءً مجحفة، وإذا كانت فقراتهُ متهافتة، وعباراته عرجاء، فلابدَّ من احترامه، والرفع من مستواه، حيث سيتجاوز هفواته بالدُّربةِ والمِراس، وفي نهاية الأمر ستُبرأُ ذمةُ أعماله.

أصبحت التقانة والشبكة العنكبوتيّة تلعبُ دوراً محورياً وهامّاً بخصوص الإبداع، إذْ يُمكنها أن تأخذ كاتباً إلى أعلى المراتب الّتي لم يكن يحلم بها، وتسلّط عليه الأضواء من كلِّ حدب وصوب

إذا امتلك شابٌّ موهبةً ما، في مجالٍ ما، لا يجبُ عليه الاكتفاءُ بقدراته الممنوحة إليه، بل العمل والاجتهاد على تطويرها، إلى أنْ تَصِلَ إلى الأفضل.  في وسطنا المغربي، استوقفتني حمَّى "ماروك ويب أواردس" التي يشارك فيها الشباب المغربي في شتى المجالات، من التصوير، المقالات، إلى أفضل صفحةٍ في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى آخره… أنا لا تهمني المسابقة، بقدرِ ما يهمني احتقار إبداع الشاب المغربي، حيث لا يُعقل أن تجد شاباً كَتَبَ مقالاً معينا بلغةٍ مُحكمة نحوياً وإملائياً، في حين أن الآخر فاز لأنَّه يعرفُ جحافل من الفيسبوكيين، منحوا أصواتهم له ففاز، دون اكتراث للقيمةِ الإبداعيّة، أليس هذا في حدِّ ذاته قتلٌ للإبداع؟

هناك مثالٌ حي، ألا وهو المقارنةُ بين عملين روائيين، فقد يكون الكاتبُ كاتباً محنَّكاً، يكتبُ ببراعة، يتفنّن في السرد، وروايتهُ لا تلقَ الصدى المنتظر، في حين قد نجد كاتباً متوسطاً، كتب عملاً لا بأس به، ولكن به بعض الثغرات المرفوضة، فتجدُ روايته قد قطعت العالم شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوبا، وتمت استضافتهُ في محافل كُبرى، لكن في الحقيقة عمله لا يستحقُّ ذلك، دون مواربة طبعاً.

أصبحت التقانة والشبكة العنكبوتيّة تلعبُ دوراً محورياً وهامّاً بخصوص هذه المسألة، إذْ يُمكنها أن تأخذ كاتباً إلى أعلى المراتب الّتي لم يكن يحلم بها، وتسلّط عليه الأضواء من كلِّ حدب وصوب، لكن ذات يوم ستتهاوى أسهمه في لمح البصر، وسيصبحُ مثقفاً ذو لحيةٍ كثيفة، وشاربٍ كث، يرتادُ المقهى ويلعبُ النَّرد ويحتسي الزنجبيل، لأنَّه وثق بنفسه ثقةً عمياء أردتهُ أرضاً.

ما أضفى على الأدب المغربي قيمةً مضافة، هو بروزُ جيلٍ من الكُتَّاب يُبدعون في القصة وفي الرواية، وتطور حالة القارئ المغربي، والنقد المغربي صار يتسم بالنباهة. رغم هذا لا زلنا نرى تلك المشاهد المقرفة، المتورطة في دوامةِ التشجيع على الرداءة، فلأنَّ الكاتب الفلاني هو صديقه، فإنَّه سيكتبُ عن عمله الروائي مقالاتٍ عديدة بعناوين فضفاضة، وعباراةٍ مترهلة دون معنى. الأدب إنتاج نبيل، ولابد من الحفاظ على نبله. ربطُ الأدب بالإبداع هي مسألة بديهية، فهما في علاقة وطيدة، لا انفصال بينهما. فالأدبُ هو جزءٌ لا يتجزأ من الإبداع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تظاهر مئات الطلاب بالفاشر بدارفور والدمازين بالنيل الأزرق احتجاجا على ارتفاع الأسعار، في حين شهدت الخرطوم تأهبا أمنيا. وتأتي الاحتجاجات في وقت تشهد فيه مناطق بالسودان نقصا في الوقود والخبز.

تصدرت الضفة الغربية المحتلة خطاب حركة حماس، واعتبرتها الساحة الأهم لحسم الصراع مع إسرائيل التي هدد رئيس وزرائها الحركة بـ"دفع الثمن" بعد الهجمات التي شهدتها، بينما شرع الاحتلال بإجراءات عقابية.

الأكثر قراءة