مارييت.. والذهب المسلوب!

مارييت.. والذهب المسلوب!

عرفنا في مقال سابق – مارييت.. ورحلة البحث عن العجل أبيس! – أن نشاط مارييت في مصر واكتشافاته الأثرية المتتالية وصلت به لشهرة عالمية ونال على إثرها الإعجاب من العلماء والسياسيين على السواء، وكان ممن انبهر به وبطموحه؛ الدبلوماسي الفرنسي بمصر المهندس الشهير فرديناند ديليسبس – صاحب مشروع قناة السويس – الذي استمع لآرائه ومقترحاته بخصوص الحفاظ على آثار مصر، فأعجب بفكرته فطرحها من جانبه على الخديوي سعيد باشا عام 1854، الذي تجاهل الأمر.

 

وبعد ذلك بثلاث سنوات وأثناء الاستعداد لزيارة الأمير نابليون – المرجوة – لمصر وجّه الخديوي دعوة لمارييت عن طريق الحكومة الفرنسية؛ وأثناء حضوره كلفّه بالتنقيب عن بعض القطع الأثرية الثمينة كي يهديها للأمير، ودعَمه بالمال ومنحه رفاصا حكوميا ليستخدمه في تنقلاته؛ فبدأ عمله بهمة عالية وبدأ التنقيب في منطقة سقارة وتوسع نشاطه حتى بلغ أبيدوس بسوهاج وطيبة بجنوب مصر؛ وتحصل من خلال تلك الحفائر على كنوز ثمينة.

 

ولما ألغى الأمير نابليون زيارته لمصر؛ استغل ديليسبس الأمر فطلب من الخديوي تعيين مارييت مفتشا عاما للآثار المصرية، كما طالبه بإنشاء متحف وتعيين مارييت أمينا له، فاستجاب الخديو وأنشأ دارًا متواضعة للآثار وبجوارها بيتا لمارييت عبارة عن مكان مهجور تملؤه الهوام ولكنه كان سعيدا به، ثم بدأ في تشغيل عدد كبير من الأهالي في عمليات حفر رسمية موسعة في عشرات المناطق في آن واحد.

 

حاول مارييت أن يفرض نفسه على الاكتشافات الأثرية وأن يجعلها حكرا عليه؛ لكنه لم يستطع ذلك رغم قيامه ببعض الأمور التي كان من شأنها أن توصله لهدفه

ولكن كان أسلوبه في الحفر والتنقيب فجًا متهورًا حتى أنه لم يتورع عن استخدام الديناميت، هذا فضلا عن أنه لم يسجل أية معلومة عن أي أثر اكتشفه ولم يقدم عنه أية ملاحظات، فقد كان مهموما بالحصول على كميات كبيرة ليُظهرها أمام الآخرين ليفخر بها، وقيل أنه استولى على محتويات 300 مقبرة في منطقتي الجيزة وسقارة فقط، ولكن مما يُحسب له أنه استطاع الكشف عن معبد حتشبسوت بالقرنة، كما أظهر معبد حتحور الكبير، ومعبد أمون بالكرنك هذا فضلا عن كشفه لأكثر من 15 ألف أثر مصري آخر،  وبالرغم من الانتاج الضخم من المكتشفات الأثرية التي نتجت من تلك الحفائر إلا أنها لم تجد من العناية والاهتمام ما يناسبها.

 

حاول مارييت أن يفرض نفسه على الاكتشافات الأثرية وأن يجعلها حكرا عليه؛ لكنه لم يستطع ذلك رغم قيامه ببعض الأمور التي  كان من شأنها أن توصله لهدفه، فقد كان الخديوي سعيد لم يكن ليُهمه من شأن مارييت غير مواءامات سياسية فقط، وكان باستطاعة الخديوي أن يقطع عنه الاعتمادات المالية المخصصة للمتحف دون إخطار سابق، حتى أنه – أي الخديوي – لم يكن ليبالي بتجريد المتحف من أي قطعة أثرية يريد اهداءها لأي زائر مقرب، ولذا فقد لجأ مارييت إلى العمل على استثارة الوالي نحو الآثار فعمل على إغراق المتحف بالآثار المُبهرة التي تجلب بصر الخديوي؛ فاستُثير فعلا واستمر في تقديم الدعم لمارييت!

 

وذات يوم سمع مارييت أن حاكم طيبة استولى على تابوت حجري مزخرف بالذهب – للملكة اعح حتب أم الملك أحمس – وجرده من زخارفه وحاول إرسالها إلى الخديوي كمجوهرات ثمينة، فجُن جنون مارييت واتجه نحو طيبة مستقلا رفاصه النهري وفي الطريق أوقف المركب التي كانت تحمل تلك المجوهرات فأخذها باعتباره المسئول عن آثار مصر ومفتشا عاما، وبعدها قدمها بنفسه هدية للخديوي وإحدى زوجاته، ففرح الخديوي بالهدية وأمر بإنشاء متحف جديد كي يُعرض فيه ما تبقى من آثار الملكة – أم أحمس – دون الذهب المسلوب!