شعار قسم مدونات

باريس عاصمة الحرية تنتفض للعبودية!

blogs السترات الصفراء

احتجاجات أصحاب السترات الصفراء في فرنسا لم تكن احتجاجات جائعين كما يمكن أن تكون في بعض الثورات عبر التاريخ، وليست احتجاجات على فساد مستشر في أركان الدولة ومؤسساتها كما هو الحال في أنظمة بلادنا، وليست مطالبة بحرية مفقودة أو بحقوق مسلوبة ومصادرة من قبل نظام دكتاتوري فاسد ومتسلط. كل هذه الأسباب التي قد تدفع الشعوب للثورات ليست موجودة في فرنسا، إذاً لماذا هذا الضجيج والفوران والغليان في الشارع الفرنسي؟

تحليلات كثيرة وآراء متضاربة أشبعت الحدث، وأرهقت عقل وفكر المتابع، سواء اقتربت أو ابتعدت عن جوهر الأسباب. يبدو أن للمسألة بعدا آخر بعيداً عن هذه التحليلات أو نظرية المؤامرة والأيدي الخارجية، ربما هو بعد يدخل ضمن أولويات المستهلك الفرنسي خصوصا والعالم الغربي عموما، الذي يعيش قلقا وتخوفا من انتشار هذه الشرارة إلى حقول يابسة أخرى في الجوار. سأجرب أن أدلي بدلوي مقتربا من زاوية ربما تكون بعيدة عن الأنظار أو مستترة خلف بهرج الرفاهية التي تبهر أنظار البعيدين. شيء ما يشبه العبودية لكنه مختلف عنها شكلا وليس مضمونا، ذلك الذي يمكن أن تلحظه العين البصيرة مختبئا في زاوية ما داخل صخب الحياة المترفة.

هل انتهت العبودية؟

لا شك أن العبودية في شكلها التقليدي قد انتهت منذ قرون مضت بعد أن ذاق الإنسان منها ويلات وقهر حفلت به الكتب والروايات والقصص المختلفة، لكن هل يعني هذا أن العبودية بمستخرجاتها وليس بشكلياتها انتهت فعلا؟ أم أنها ربما ظهرت بصور مختلفة وأساليب ناعمة المظهر لتؤدي إلى ذات النتيجة التي كانت العبودية التقليدية تؤديها؟

فإذا كان الهدف من العبودية أصلا سرقة جهد الإنسان لمصلحة جهة معينة، وتسخيره على مدى ساعات يومه ونهاره لها، وإذا كان المعنى أن يسخر الإنسان فكره ووقته وتعبه ليهبها إلى جهة أخرى، فإنني أستطيع أن أقول واثقاً أن العبودية لم تنته في عالمنا، لكنها لبست ثوباً مزركشاً وقناعاً جميلاً، جعلت الإنسان يضع قيد عبوديته في يديه وعنقه راضيا ومبتسما وسعيداً، فما هو اذاً شكل هذه العبودية الجميلة؟

الإنسان يتطور:
نقطة التحول الحقيقية في التكنولوجيا الحديثة بدأت فعلياً عندما تحولت من وسيلة لخدمة الإنسان، وتطوير أدواته لزيادة الإنتاج، وتحسين مردوده المادي، إلى وسيلة ترفيه تهدف إلى زيادة رفاهية الإنسان

حلت التكنولوجيا الحديثة مكان الكثير من أدوات الإنتاج بهدف زيادته واختصارا للوقت المبذول في العمل، فقد أصبح الفلاح يستخدم الجرار بدلا من المحراث القديم، ودخلت الحصادة الآلية لتنجز العمل الذي كان يستغرق أسابيعا في حصد المحصول يدويا، وأخذت السيارات والشاحنات دورا هاما في سرعة وسهولة النقل، وغير ذلك من إسهامات كثيرة للثورة التكنولوجية التي قدمت بالفعل خدمات جلّى للإنسان، وحملت عنه أعباء كثيرة، وساهمت في زيادة الدخول للأفراد والشركات والمعامل على حد سواء. لم يكن ذلك ليرهق الإنسان أو يشعره بضغوط نفسية، بل على العكس، فقد تفاعل بشكل إيجابي مع هذا التطور، ولا سيما أن هذه الصناعات كانت تتمتع بجودة عالية وعمر فني مديد.

هل بقيت التكنولوجيا خادمة للإنسان فعلا، أم أنها تحولت مع الأيام إلى شكل آخر مختلف عما ألفه الناس منها؟

إن نقطة التحول الحقيقية في التكنولوجيا الحديثة بدأت فعلياً عندما تحولت من وسيلة لخدمة الإنسان، وتطوير أدواته لزيادة الإنتاج، وتحسين مردوده المادي، إلى وسيلة ترفيه تهدف إلى زيادة رفاهية الإنسان، وإشباع غريزته التي تسعى على الدوام إلى كل جديد لقاء ثمن يجب أن يدفعه لها، بالإضافة إلى ما أفرزه هذا التطور السريع في شتى المجالات من نمط حياة جديد قوامه الاستهلاك والرفاهية ومتابعة دور الأزياء و"الموضة" في كل مفاصل الحياة، ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية في الصراع بين الإنسان والتكنولوجيا ومفرزاتها المحسومِ سلفاً في غالب الأحيان لصالحها وليس لصالحه، فكيف تم ذلك؟ وعلى ماذا اعتمدت التكنولوجيا في معركتها هذه؟

الشهوة وحركة الحياة:

خلق الله الانسان خلقاً إبداعيا متميزا، جمع فيه المتناقضات المتصارعة بداخل هذا التركيب المعجز، فبالإضافة إلى العقل والقلب والروح كانت النفس التي هي بمثابة المحرك الأساس للشهوة في كيان هذا المخلوق، والتي من خلالها تتحرك عجلة الحياة معتمدة على هذا الركن الأساسي النَّهِم إلى كل شيء يقدم لها المتعة والترفيه والإحساس الكاذب بالسعادة.

ولبيان حقيقة ما تقدمه الشهوة في حركة الحياة فعليا، تعالوا نتخيل الحياة في غياب هذه الشهوة في النفس البشرية، هل كنا سنجد مثلا ألوان الثياب الزاهية وتفصيلاتها المختلفة؟ أوهل كنا سنشاهد الورود والزهور تزين الساحات والبيوت؟ أو الأنواع المختلفة من الأطعمة والأطباق اللذيذة والحلويات المتنوعة؟ أو الانواع المختلفة من السيارات والأثاث وأجهزة المحمول والهاتف النقال…إلخ؟ وهل كانت المرأة لتستخدم مئات الأنواع من أدوات التجميل والزينة لتظهر بالمظهر اللافت للنظر؟ وهل كانت ستحتاج إلى عمليات التجميل المختلفة من تكبير وتصغير وشفط ونفخ؟ وهل كانت ستتواجد الرغبة لدى الإنسان للعمل والكد وجمع المال للحصول على المزيد والمزيد من مختلف الأشياء التي تتطلبها النفس؟ وهل كنا سنجد المعامل والشركات والمصممين والمبدعين اللاهثين بكل جد لتقديم كل ما هو جديد يثير غريزة المستهلك؟

بالطبع الإجابة على كل ما سبق هو "لا"، وهذه كانت في الحقيقة نقطة البداية في العبودية الجديدة التي نعيش نتائجها اليوم، حيث استشعرت الشركات ورجال الاعمال هذه الحاجة في النفس البشرية ووضعتها قيد الدراسة والبحث لاستكشاف أسرارها وطبيعة رغباتها، ووظفت من أجلها كل وسائل الاعلام والدعاية لتستثيرها لكل جديد يقدم لها، وعندها سيبدأ الإنسان بالكد والعمل ومضاعفة الجهد ليمتلك ثمنا لكل هذه الكماليات، التي أصبح يتصورها ضرورة من ضروريات الحياة لا يستطيع العيش بدونها.

لم يعد الهاتف المحمول الذي دخل السوق منذ أشهر قليلة صالحا للظهور به في مجتمع الأصدقاء، لأن هناك نسخة منه أحدث وبميزات جديدة ظهرت في الوسط، وبالتالي أصبح استبداله فرض عين، وهذا يحتاج إلى مال، والمال يحتاج إلى عمل وجهد. ولم تعد السيارة التي اشتراها أحدهم منذ عام أو عامين مثار إعجاب من الآخرين بعد أن أصبح في السوق طراز محدثّ عنها، وهذا الفستان أصبح "موضة" قديمة ومن المخجل الظهور به في الوسط الاجتماعي الراصد الناقد، حتى قَصة الشعر أصبح لها أشكال وأنواع و"موديلات "مختلفة، وقس على ذلك أمورا أخرى من اللباس والطعام وأثاث المنزل وفرش البيت وأدواته الكهربائية المختلفة، كل ذلك يحتاج إلى المزيد من المال يصب في جيوب الشركات المختلفة لقاء ما تقدمه للنفس الجائعة لكل جديد.

لاحتجاجات الفرنسية وغيرها مما يتوقع البعض حدوثه في دول أخرى، ليست سوى ثورة عبيد لهذه التكنولوجيا، تريد أن يتاح لها مزيد من هذه العبودية المرغوبة
لاحتجاجات الفرنسية وغيرها مما يتوقع البعض حدوثه في دول أخرى، ليست سوى ثورة عبيد لهذه التكنولوجيا، تريد أن يتاح لها مزيد من هذه العبودية المرغوبة
 

لم يعد الإنسان ينتظر أن يتعرض ما عنده من أجهزة وأدوات للتلف ليسعى إلى تبديله، بل يكفي أن يكون في السوق ما هو أحدث أو ما هو أجمل، لذلك لا نستغرب ونحن نتجول في شوارع المدن الأوربية من وجود أجهزة كهربائية مختلفة في القمامة وهي صالحة للعمل، وقد تجد أثاث بيت كامل، وفي أماكن خاصة تجد حتى السيارات التي استغنى عنها أصحابها بالرغم من أنها لا زالت في حالة جيدة تسمح لها بالخدمة، وعن أكوام اللباس والاحذية حدث ولا حرج.

لهذا يشعر الإنسان في مثل هذه المجتمعات أنه بحاجة إلى مزيد من المال، الذي لا يأتي إلا بمزيد من العمل، وكأن هذا الإنسان عبد رقيق لدى أصحاب الأموال من شركات ومعامل ومحلات تجارية ودور الأزياء وغيرها، تنتظر منه أن يقدم لها ما جناه لقاء هاتف محمول بغلاف مميز أو ببرنامج الكتروني جديد أو بسعة أكبر. إنها عبودية من نوع آخر، وعلاقة جديدة بين سيد جديد اسمه التكنولوجيا ومملوك لها اسمه المستهلِك النهم، والنتيجة هي ذلك الجهد المسروق والمال المقدم لهذا السيد عن طيب خاطر ورغبة تحركها شهوة نفس لا تشبع.

أخيراً.. إن الاحتجاجات الفرنسية وغيرها مما يتوقع البعض حدوثه في دول أخرى، ليست سوى ثورة عبيد لهذه التكنولوجيا، تريد أن يتاح لها مزيد من هذه العبودية المرغوبة، وإلا فماذا ينقص هذه المحتجة التي يزيد من راتبها كل شهر 300 يورو فقط، أو ذلك المحتج الذي لا يستطيع أن يتناول العشاء خارج المنزل دائما، مقارنة بمن ثار في بلداننا بحثا عن الحرية والكرامة والعيش الكريم في وطن مقهور مسلوب من عصابات فاسدة لا يهمها الوطن ولا المواطن.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.