الاتحاد الإفريقي.. وحلم الزعامة الضائع

blogs السيسي

شهدت القارة الإفريقية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي تحرر دولها من نير الاستعمار، والذي كان نتاجًا لموجات متتالية ومتصاعدة من النضال والكفاح ضد هذا المستعمر الذي نصَّب من نفسه وصيًا على تلك القارةِ الفتيةِ الغنيةِ بمواردها الطبيعية وقدراتها البشرية الضخمة. وبينما تزعَّم تلك الموجات والحركات النضالية مجموعة من القادة الثوريين في كافة أقاليم القارة، مثل: كوامي نكروما في غانا، ونيلسون مانديلا وثابو مبيكي في جنوب إفريقيا، وباتريس لومومبا في الكونغو، .. نما في نفس السياق حلم الزعامة المصري للقارةِ الشابة في مصر على عهد جمال عبد الناصر، ففي إطار سياسة ناصر الخارجية التي عُنيت بتصدير الثورة في المقام الأول؛ عمل كذلك على دعم حركات التحرر الوطني في أنحاء القارة الإفريقية ماديًا ومعنويًا. 

اعتمد عبد الناصر سياسات تعتبر مصر بمثابة المركز الذي يتوسط ثلاثة من دوائر الانتماء "العربية والإسلامية والإفريقية"، وربما كان ذلك التأكيد المستمر على محورية البُعد الإفريقي في دوائر الانتماء المصري ناتج عن مجموعة من العوامل، منها: حساسية الموقف المصري الذي تمثله الجمهورية المتحدة –آنذاك- والتي تتكون من اتحاد مصر مع سوريا، البلد الآسيوي، بالإضافة لرغبة ناصر الزعيم في تدعيم زعامته في القارة التي كانت تُعد تربة خصبة لذلك في ظل تعالي الدعوات التحررية، وكذلك التقارب المصري مع الشرق -المتمثل في الاتحاد السوفييتي آنذاك- على حساب الغرب –المُستحوذ على القارة الإفريقية وقتها والذي رسخ لفكرة العربي تاجر الرقيق في القارة-.

ومنذ ذلك الوقت؛ وبالرغم من مرور العلاقات المصرية الإفريقية بموجات من التوتر، على عهد السادات بعد توقيع كامب ديفيد –لدعم الأفارقة وقتها للموقف العربي من الصراع العربي الصهيوني، كرد فعل على الدعم العربي للموقف الإفريقي من الأبارتايد-، وعلى عهد مبارك بعد محاولة اغتياله في آديس آبابا –والتي أدت لقطيعة طويلة بين مصر وإفريقيا إثر الحادث-، وبعد ثورة 25 يناير –خشية انتقال عدوى الثورات، أو صعود نظام ثوري يعمل على تصدير الثورة خاصةً في ظل وضع سياسي واقتصادي إفريقي مشابه للواقع السياسي والاقتصادي المصري آنذاك-، إلا أن كل ذلك لم يمنع مصر –قيادةً وشعبًا- من اعتبار نفسها الزعيم الإفريقي الأكبر والقائد الأعظم للأفارقة، حتى وإن لم يعتبرها الأفارقة أنفسهم ذلك الزعيم الأكبر أو القائد الأعظم.

ذلك الحلم الذي جعل من حدث طبيعي مثل رئاسة الاتحاد الإفريقي يتحول إلى الحدث الضخم الذي يتغنى به النظام المصري، والذي تم تضخيمه في الداخل المصري بصورة يتعجب لها الأفارقة أنفسهم

ومع تصاعد الأزمة الأخيرة بين مصر ودول حوض النيل إثر بناء إثيوبيا لسد النهضة على المنبع الرئيسي للنيل –النيل الأزرق- الأمر الذي كان سيضر بحصة مصر السنوية من المياه، والتي أثبتت -بعد الجدل حول اتفاقية عنتيبي بشأن تنظيم العلاقات بين دول الحوض- أن مصر وحيدة في مواجهة تلك الدول، وأن الفجوة قد زادت بينهم خلال العقود الماضية. تضافر هذا العامل مع باقي العوامل السابقة لتشكيل الموقف المصري الحالي المُتمثل في محاولة استعادة ما يُمكن تسميته بـ: "حلم الزعامة الضائع".

ذلك الحلم الذي جعل من حدث طبيعي مثل رئاسة الاتحاد الإفريقي يتحول إلى الحدث الضخم الذي يتغنى به النظام المصري، والذي تم تضخيمه في الداخل المصري بصورة يتعجب لها الأفارقة أنفسهم، حيث يأتي رئيس الاتحاد كل عام بالتناوب بين دول الأقاليم الإفريقية الخمسة، بانتخاب داخلي بسيط بين قادة كل إقليم يضمن حق كل دولة في المرور عليه، ولا يعطي ذلك أي أفضلية لأي إقليم على حساب الآخر ولا لأي دولة على حساب الأخرى.

إلا أن ذلك لم يمنع الساحة المصرية التي تعاني من الفراغ السياسي، والانسداد في آفاق كل المسارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية و… من تصعيد وتضخيم الحدث بالشكل الذي يُرضي الطموح المصري في استعادة هذا الحلم، وإن كان بشكل زائف ككل إنجازات النظام القائم. وكعادة أي نظام استبدادي؛ يظل النظام المصري يسعى نحو السراب. ومن سراب إلى سراب يحيا المواطن المصري في آخر قائمة اهتمامات نظام كل ما ينتظره من مواطنيه التصفيق الحاد للقيادات، والمديح المُبتذل للسياسات، والمشاهدة وانتظار كل ما هو آت.