في عالمنا العربي.. هل نحن شعوب فاشلة حقا؟

blogs الفقر

قبيل ثمانية أشهر، كنت قد وصلت إلى ماليزيا حاملاً معي تكرار أبدي من حلقات فكرية مغلقة ومفرغة وقلقة، تتشعب في كل الاتجاهات بلا طائل، كملحمةٍ بين تصورين: أحدهم صواباً لم أقتنع بهِ وبإرادة مأساوية تمارس على الدوام دورها في إحاطتي بالهزيمة ومرض المجتمع الذي نحن فيه والأخر تصور لعالم خارجي خارق. منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها قدماي خارج حدود بلدي، كنت أتفحص كل ما يقع أمام عيني وأرقب كيف يتعاطى الناس مع أعمالهم المختلفة، وعمدت إلى تقصي جذور الحقيقة التي لم تكن معروفة لعالم أخر سوانا (الشعوب العربية بلا غطاء معرفي ووعي سياسي يقيها من فساد الأنظمة).

تلك هي المعضلة التاريخية والتأثيث العقلاني الرديء الذي وُضع في مخيلةِ كل مواطنٍ عربي منذ عقود طويلة، فَولدت هذه الشريحة المكتظة بالبؤس وبأنواع كثر من الرعب والريبة وتشجيع أكثر على إغراقنا في فكرة الضحية التي ظلمت نفسها على الدوام. ولأنني وددت يومًا في أن أطفو في هذا العالم بلا خوف ولا ارتياب، بلا مساءلة وبلا عقاب زاعمًا أن للزيف نهاية وأنا اليمني الذي يحمل تعبه كعدوٍ ومتهم، والفقيه الذي يفهم كل شيء إلا فكرة وجوده التي تناساها كي يستريح!! أتذكر أول لحظة لي في هذا العالم الجديد، حين نهرني موظف المطار بعد أن تحقق من جنسيتي وكأنني الخطأ المضاد لكل صواب قائلًا: "لا سبيل لك هنا" وبكل تيقظ العالم أشار لي: اذهب هناك ليتحققوا منك.

وقفت رفقة أيامي المتقلبة، أبحث عن تلك الدرجة العالية من التحضر، أقلب الحقائق، أتصفح الشوارع وأسيل داخل تفاصيلها بكامل فضولي وصرامتي..

مضيت وخطواتي الثقال التي أفضت عاجزة عن تجاوز المسافات ككل الزيف الذي أحمله – وكفى بالمرء في هذه اللحظات أن يقاوم فكرة الوهم التي عاش معها طويلاً وتجرع فكرة النجاة والبقاء حيًا ولو بنصف ذات – فأنت الذي عشت سنواتك الطوال مثرثرًا لأفكار خارج الوجود وتقلباته، وسط مزاج من العزلة والمرض، في بلدٍ حين كانت النساء تعجن التراب خبزًا، كنت أنت تجاهد بكل صلابة كي لا تبكي فتتساقط دموعك ويصبح هذا الطين مرًا. كان يسألني كإجراء وكان لزامًا على بأن أرد كواجب!! هكذا يمضي قانون هذا العالم المتحرر إلا من نظرته التشاؤمية لك، وكأنك عقل مربوط إلى ركن قديم يرقب أفكار تائهة تشبه عصره.

سمح لي بالدخول أخيرًا غير مقتنع بفكرة أنني إنسان متوحد مع هذا العالم وأراقب ما سيأتي، وأنني شاب وجل وذا استعداد دائم تجاه كل قيم الحداثة، وللعالم الذي تصورت على الدوام بأنه سيصفح عني ذنوبًا تربطني بفكرة مكنية معينة يكاد فصمها مستحيلاً. في أيامي الأولى كنت أتجول داخل حدود هذه البلد حاملاً معي رغبتي في ايجاد عالم بكر بحثًا عن الانتصار الأول وإن بدا خائفًا وهزيلاً، كي أبرهن لنفسي أنني اسيطر على ذاتي، على فاعليتي في تحمل عالم مزدحم يعج بالتهريج. ثم اكتشف انني اتيه بطرق ما بعد انتشائي، فأعود للشعور بتثاقل الزمن في وجهي حين وجدت عالمًا غير مفهوم، عالم يتشبث بالغرابة التي لا تشبهنا، كجزء من معطيات متغيرة على الدوام.

وقفت رفقة أيامي المتقلبة، أبحث عن تلك الدرجة العالية من التحضر، أقلب الحقائق، أتصفح الشوارع وأسيل داخل تفاصيلها بكامل فضولي وصرامتي، رأيت كل ماله علاقة بالبسيط والمتواضع وبريق النشوة ومؤكدات على الجرأة والاستقامة والطموح. كنت أتعامل مع مجموعة من الاسئلة التي تهدف إلى المعرفة والفائدة معًا، تساءلت: عن ذلك الشكل من النظام الذي يجعل من الإنسان أسعد الموجودات؟؟ وكان هذا أول سؤال أوجهُه لنفسي حين انصدمت باستمرار مع التفسيرات التي لم تعطني جوابًا، وكانت الاستعارة دومًا بالتأجيل هي من تمنحني توقفي وعزوفي كليًا عن طرح مثل هذه التساؤلات. وذلك دون وجود براهين حقيقية تقنعني، فأتوقف عن اللجوء إلى الاعتقاد بأن ثمة عالم آخر غير هذا الذي نعرف، وليس هناك من حدس قادر على استيعاب وتمثيل عالم غير مرئي.

صادف توقيت بداياتي في هذه البلد مواعيد اجراء انتخابات رئاسة الوزراء، حدث مثل هذا في مجتمعاتنا العربية، كان يُقذف بالمجتمع إلى حالة من اليقظة. تلك اليقظة التي ترتكز على نسيان كل ما كان والعودة إلى الأزمنة الأولى لتلك الشخصيات التي صعدت إلى السلطة ببراءتها ووعودها التي سيحجبها توحش لاحق. وبذلك تبرهن دومًا على أننا شعوب بعقليات متكررة وأنظمة لا تميل إلى نسيان وعودها بقدر ما تميل إلى التهيج والشدة في تصريف كل نشاط مدهش والإتيان بما هو شاذ وميال إلى الخيال.

أتذكر الترويسة العريضة وألوان الصحف الصاخبة وهي تعنون نقلاً عن الرئيس السابق لليمن (علي عبدالله صالح) في العام 2006م وهو يصرح قائلاً: "هناك مشاريع راقية وممتازة ما ينقصها فقط التشطيبات الفنية" بلغته الفضفاضة والمخدرة، والمشهد لتلك الجموع المتشبثة بعادة التصفيق بعقول نائمة، رغم إدراكهم بأن ذلك الصوت كاذب. وجارنا الذي كان يمارس دوره المتجاوز للوجود الذهني، ببؤس عميق وبإحساس مفرط من الرضى وهو يرتب الصور الدعائية على جدار بيته مُحرضًا المارة وأبناء الحي على تجاوز كل الريبة بانتخاب هذا الرجل، ثم راح يصرخ مهيبًا بالجميع لانتخاب من ظننت بأنه (مخلص اليمنيين والحاجة الداخلية لكل حي).

خاطب الجميع بتلك الطريقة التي لا تنشأ إلا في مخيلات ترَ البداية ولا ترَ نهايتها ثم صاح أخيرًا: "انتخبوه فبفضله تستطيعون اليوم الحصول على 2 كيلو من البطاطس رأس كل اسبوع مقابل دولارين فقط" فكانت الطرفة. رحت أتابع تطورات العملية الانتخابية، اعتقدت أن هناك فرضيات، شكوك، حذر ومعتقدات في كون كل خطوة يجب أن تكون حقيقية في مجتمع أُتبع فيه النهج الديمقراطي على مدى عقدين ونيف من الزمن، وأنهم جزء قديم من التجربة الديمقراطية الواعية التي أفضت إلى وعي مستدام. وأن طبيعة الانتخابات في الوقت الراهن ليست سوى مرحلة أخرى ومجددة لما كان، تمارسها مجاميع بشرية حية وفطنة.

الأموال التي أُعيدت للخزينة قدرت بـ(50) مليار دولار بعد تولي (مهاتير محمد) لمنصب رئاسة الوزراء مجددًا، بعد تنحيه طواعية في العام (2003)
الأموال التي أُعيدت للخزينة قدرت بـ(50) مليار دولار بعد تولي (مهاتير محمد) لمنصب رئاسة الوزراء مجددًا، بعد تنحيه طواعية في العام (2003)

 لكن سرعان ما اكتشفت بأن 22 عامًا من التجربة الديمقراطية والاقتصادية التي تُوصف بالظاهرة، والتي باتت تُدرّس للعالم وتُلقّن كدروس لدولِ العالم الثالث، لم تكن كافية لخلق مجتمع مفتوح العينين، حاضر ومتنبه بعفويةٍ لتداعيات أي حركة غير مألوفة داخل المنظومة السياسية والاقتصادية للبلد. كنت أتصور بأنهم جماعات ووحدات تُمثل المعنى الأصيل للضد لكل ما هو غير أخلاقي أو خارق للقانون، لا باطن ولا ظاهر في العالم يمكن أن يغلب مفاهيمهم إزاء الحياة.

إلى أن وجدت أنني مخطئ، فخلال 10 سنوات استطاع رئيس الوزراء المنتخب في العام 2009 (نجيب عبد الرزاق) نقل مفاهيمهم وتحريكها من الأعلى إلى الأسفل نحو فضاء لا متناهٍ وبلا معنى، بالنسبة لبلد تُعد من مصاف الدول ومن النماذج الأكثر نجاحًا، وذلك من خلال التقديرات التي تشير إلى فقدان خزينة الدولة (4 مليارات دولار) لصالح الأخير. ناهيك عن الأموال التي أُعيدت للخزينة وقدرت بـ(50) مليار دولار بعد تولي (مهاتير محمد) لمنصب رئاسة الوزراء مجددًا، بعد تنحيه طواعية في العام (2003)، وتزامناً مع الحركة القمعية التي مورست بحق معارضي الأول وإغلاق الكثير من الصحف التي حاولت الاحتكاك بالمشهد العام للبلد، وهو ما دفع برجل ماليزيا الأول (مهاتير محمد) للعودة إلى رأس السلطة بعمر 92 عامًا.

على الدوام كنت أتموضع خلف العالم الظاهر وأتخذ موقف وتصور إزاء كل ما هو معروض، ووجدت الآن أن التسلسل الذي كنت أتبعه في تفسيراتي للعالم وتصوره لم يكن سوى علة! حين اكتشفت أن الكائن البشري في كثير من الأوقات يتقمص مفهوم غائم عن الحياة والديمقراطية ولا يضع شروطًا لها، يمارس علاقة بلا هوية في غالب الأحيان تنكره ثم تفضي به إلى فكرة أن "النجاح في تجربة سابقة لا تعني التفطن لما هو آت وأنها قد تقود إلى تطمينات يشوبها الكثير من التباهي الذي يقود في مراحل لاحقة إلى السقوط بصمت" وجدت أن ما نسميه بالشعوب الحية والمتفطنة هي نتيجة لأنظمة تحميها على الدوام، تتكاثر وتندمج معها ثم تفضي سويًا إلى هذا الموروث وهذا الشكل من المجتمعات والدول.

ولقد ظل هذا اللغز يتكرر كل مرة في ذاكرتي (هل نحن حقًا شعوب فاشلة؟) وكنت على الدوام أحاصره بالصمت وأرقبه بالقلق وحيرة ما بعد الفهم، إنه مرض فهم الأشياء من حولك وصعوبة إيجاد الأجوبة لها هو ما يدفعك في غالب الأحيان إلى الارتباك الفاضح، والوقوع في مسافة فارغة لن تمتلئ ما دمت حبيسًا لأفكار زرعت في داخلك بفعل أنظمة كانت هي فشلنا وعثرتنا على الدوام.