تسويق الذات.. كيف تستثمر في نفسك؟

لنفترض أنك تقوم بجولة تفقدية لإحدى المكتبات في المدينة، وأنت تُقلب الكتب وقع بين يديك كتاب كان عنوانه كيف تكون ناجحاً؟ ستُقلّبه للحظات وتُرجع الكتاب إلى مكانه، ربما يصاحب ذلك ابتسامة سخرية خفيفة، وتقول في نفسك كيف أكون ناجحاً بمجرد قراءة كتاب، بل كيف سأكون مليونيراً بقراءة كتاب لا يتجاوز سعره ربما العشرة دنانير؟ هذا يعتمد على مدى مفهومك لمصطلح النجاح، فالنجاح لا يعني أن تكون مليونيراً، ولا يعني أنك ستحقق كل أحلامك باستخدام عصا سحرية، ولكن النجاح هو أن تحقق ولو جزء مما تريد وتُسوّق نفسك في سوق تُعاني من التضخم في العامل البشري وتقلص في الفرص.

أن تكون ناجحاً يعني أن تحتفظ بالفشل في مسودة الماضي وأن تمضي دون أن تفقد العزيمة. أن تكون ناجحاً يعني أن تصنع لك تاريخاً يتغنى به من بعدك وتجعل لك الأثر الباقي، ولا تركز على جانب واحد فقط من حياتك ولكن ركز على كل أطيافها. تَذّكر عزيمة عمر بن عبد العزيز حينما قال "إن لي نفساً تواقة؛ تاقت إلى الزواج من فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها؛ وتاقت إلى إمارة المدينة فتوليتها؛ وتاقت إلى الخلافة فتوليت الخلافة؛ فتاقت إلى الجنة فأسأل الله أن يدخلني الجنة.

قبل أن تسوق ذاتك يجب أولاً أن تعتبر نفسك مشروعاً أو مؤسسة مستقلة قائمة تتمتع بمجموعة من المهارات والوظائف يعمل بها فريق عمل متكامل يضم شخصاً واحد.

وتذكر قول ابن القيم حين قال "ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها فهمة متعلقة بالعرش؛ وهمة حائمة حول الأنتان والحش". تذكر أن التصور والأحلام هي نقطة البداية للنجاح قال ألبرت أينشتاين "التخيل أهم من المعرفة"، فالأحلام مهمة جداً لأي نجاح وتفوُّق؛ فهي تُساعد على استقرار الفرد واتزانه، فهو يحدد ما يريد في أحلام اليقظة، وإلى أين سيصل، فيجد نفسه ناجحاً قوياً قادراً على تحقيق أهدافه بسهولة ويُسر. ولا تنسى أيها القارئ أن التصور والأحلام لوحدها غير كافية ولكن يبقى التنفيذ هو الفيصل؛ فالإنسان الذي يمتلئ بالحماس والطاقة العالية والقوة العقلية والمعرفية الكافية، لن يصل إلى النجاح المطلوب إذا لم يجعل هذه الأمور موضع التنفيذ. حيث أن جميع هذه المهارات ستكون بلا فائدة وبلا قيمة إذا لم تترجم على أرض الواقع، فالمعرفة بدون التنفيذ يمكنها أن تؤدي إلى الفشل والإحباط.

ماذا يعني تسويق الذات؟
تعددت التعاريف والمقصود واحد، فالتسويق من زاوية تجارية هو مجموعة من الأنشطة والممارسات الإنسانية التي تعمل على فتح ودعم جسور التواصل بين الزبون والتاجر، هذا ما إذا كان المقصود هو تسويق السلعة، ولا يعني التسويق، التزوير واختراع الكذب لغرض الترويج لمنتج معين. لكن التسويق هو التركيز على نقاط القوة التي يتمتع بها هذا المنتج وقد يكون التسويق هو الترويج لفكرة معينة أو خدمة ما. ومن وجهة نظر إدارية يمكن تعريف التسويق على أنه من أهم العمليات الإدارية المطبقة في الشركات والمؤسسات المتميزة، لتعظيم العائد على المستثمرين عن طريق تطوير وتنفيذ استراتيجيات بناء علاقات ثقة مع العملاء المستهدفين والحصول على ميزة تنافسية.

أما التسويق الشخصي أو تسويق الذات هو التركيز على نقاط القوة التي تتمتع بها وتطوير نقاط الضعف التي تعاني منها ومن ثم تقديم النفس للآخرين بطريقة بسيطة ومباشرة. وذلك لإظهار قدراتك ومهاراتك وابداعاتك ومواهبك والخدمات والمنتجات التي تقدمها لكي تصل إلى تحقيق أهدافك. مما يعني أن تسويق الذات هو احداث توازن بين المهارات والخدمات التي تتمتع بها وبين متطلبات واحتياجات سوق العمل. ولكن لتصل إلى تطبيق مفهوم الذات يتطلب منك الإجابة على الكثير من الأسئلة مثل: ماذا تعرف عن نفسك؟ ماهي الانجازات والطموحات التي تسعى لها؟ وكيف تستثمر ايجابياتك؟ وماذا يجب أن تتعلم؟ وماذا يجب أن تقرأ؟ وغيرها من الأسئلة. الإجابة عن كل هذه الأسئلة وغيرها التي تخص تحليل الذات، هي الخطوة الأولى نحو رسم الحاضر وصناعة المستقبل.

في سنة 1998 نشرت مجلة هارفرد بيزنس ريفيو مقالا تحت عنوان "فجر اقتصاد الموظف الإلكتروني الحر" كان بمثابة ثورة تدعو إلى التحرر من العمل الحكومي التقليدي والحصول على الراتب الشهري المنتظم، والانتقال إلى عصر الاقتصاد الجديد الذي سوف يفرض على كل فرد أن يتصرف وكأنه مشروع قائم بذاته، حتى أولئك الموظفين القائمين على مرتبات شهرية. كما دعا المقال إلى تبني فكرة الاستبدال الفوري للموظفين في حالة عجزهم عن تقديم ما هو مفيد وجديد للمؤسسة، وتقييم كل شخص بناء على انجازاته ومشروعاته التي أتمها ليميز عن بقية زملائه، وكذلك للتركيز على قدراته وتطويرها دائماً، وهذا ما يسمى بالاستثمار في رأس المال البشري. ولذلك قبل أن تسوق ذاتك يجب أولاً أن تعتبر نفسك مشروعاً أو مؤسسة مستقلة قائمة تتمتع بمجموعة من المهارات والوظائف يعمل بها فريق عمل متكامل يضم شخصاً واحد.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة