شعار قسم مدونات

البحث عن السعادة.. هل ستبتسم لنا الحياة؟

blogs تأمل

منذ ولادة الإنسان وهو يتصارع في حلبات يتفاوت فيها الخصوم ويبقى هو الثابت، تارةً يُصارع داءه وتارةً يُصارع رِزقه وتارةً أخرى نفسه أو شراً هاجه، فيتساءل قائلاً: هل هذا قدري المحتوم وقدر الأخرين الرخاء والهناء؟ غير أن في الحكاية معنى آخر قد نجهل سره، ولو عرفناه نعرفه تعليقاً لا تحقيقاً، وهو أن قدرك ليس محتوم عليك لكن يجب عليك أن تخضع لقوانين كثيرة ستُضعف من طاقتك وحزمك. من بين هذه القوانين قانون المتغلب السائد الآن والمهيمن على كل الأصعدة، هنا فقط لن تنصرك المبادئ والقيم أمامه.

ولقد عبر أحد الشيوخ قائلاً: إذا تصارعت المادة مع القيم صرعتها المادة، ولنا في ذلك عبرة في محاكمة الرئيس صدام حسين، حينما قال لقاضي التحقيق إذا خانتك المبادئ والقيم فلا تخنك مبادئ الرجولة.. فلم يُكمل ذاك القاضي المحاكمة وعين غيره، لأن مبدأ فقه الغالب أقوى من مبدأ فقه المتغلب. أي أنا المتغلب عليه قد يضعف ويهن من أجل نفسه وكرامته على قدر عظمة احتياجه، لكن أن يضعف وتهن مبادئه في سبيل بخس أو في سبيل بيع ذمم وقول زور ونصب واحتيال وقتل نفوس بلا ذنب ومصادرة، حق كل هذا هو من قانون فقه المتغلب الذي سيطر على ضمائر الناس، ولقد عبر ابن خلدون قائلاً: إن المغلوب مُولع بإتباع الغالب.

كل هذه المشاهدات تدفعنا إلى الابتعاد عن عالم يسميه البعض المثاليات كالإبقاء على القيم والمبادئ، ويرى البعض الآخر أن الأصل في المبادئ هو من أصل النفعية لا من أصل القدسية. أي أننا إن صادفنا ما نحتاجه في طريقنا سنُقدم قانون المنفعة لا القدسية، والعجيب في الأمر أن الذين عملوا بهذا القانون – أي قانون المنفعة أولى – هم من يملكون قانون القوة – أي قوة المال – والذين تمسكوا بقانون القدسية ضلوا يحررون لقوة القانون حتى ضربتهم عصى فساد القانون وفق من الأقوى.

البحث عن السعادة في هكذا دوامات ومنعطفات، هي من روح وسعت وفهمت هذه المتغيرات، ثم عملت على انتشال نفسها رويداً رويداً حتى يُكتب لها استحقاقها

ولقد وجب علينا التنويه أننا فعلاً ملزمون بالتقيد بالمبادئ والقيم، لكن نحن الآن مطالبون وبقوة أكبر من أي وقت آخر أن نفهم أن التمسك بروح المعتقدات والتسليم بها، لن يمنحنا ما نأمل له من تطلعات ونجاحات ومسرات، ولن تبتسم لنا الحياة إلا إن سايرنا ما تحتاجه الحياة من ضرورة الجمع بين متطلبات العصر ومحكمات الشرع. بالإضافة إلى فهم حقيقة أننا يجب أن نصنع سعادتنا وفق تقديم كل الأسباب وعدم انتظار أحد، لأن الانتظار هو من يجعلك حاقداً لغيرك ومستسلماً لواقعك، ولقد عبر شكسبير عنه قائلا: أنا دائماً سعيد لأني لا أتوقع شيئاً من أحد لأن التوقعات مؤلمة.

والباحث الآن عن محله من الإعراب وجب عليه تحكيم عقله أكثر من تحكيم نقله، لأن الأيام التي ستأتي على الإنسان ستكون أقصى عليه ما لم يعمل بعقله. والتماشي مع كل التيارات هو ليس عنوان من لا عنوان له، بل عنوان من سيصنع عنواناً له. والمقصود هنا أن الصراع حتمي والفائز هو من لم يستسلم لبؤس الحياة وتمسك في أملها وابتعد عن طول أملها الزائف، لأن المتشبثين بالأحلام ليسوا كالمتشبثين في أضغاث الأحلام. والمتشبث في الأمل القائم الذي يفسر وجود شخصية مستلهمة وليس تلك الشخصية المستسلمة لحالها وحال من حولها.

أكيد أن الإنسان سيغير من حاله ولو بخطوة واحدة لكن صادقة، إما أن ننتظر صدق الحياة لنا فهذا من العجاب، وأن نركن لزاوية منتظرين أن تبتسم لنا الحياة فهذا كذلك من العجاب، لأن سر هذه الابتسامة هو من قدر عظمة النفوس وقدر فهم مكنونات الحياة. ولقد أشار بيل غيتس مؤسس شركة ميكروسوفت في نصائحه أن الحياة غير عادلة فلا تنظر عدلها وهو ما عبر عليه من تجربته الشخصية.

إن تذمرنا اليوم حقيقةً هو من وحي واقعنا ولقد نتأسف ملياً حينما تغلق وتصد أبواب كثيرة في وجوهنا، رغم ما نقدمه من أسباب وحراك. في حين تُفتح أبواب دون قرعها لمن لا حاجة لهم بها، وتزيد تدفقات النقود لمن اعتادت خزائنهم عليها، وتنقص على من ضاقت جيوبهم بها. غير أن الأمل باقٍ وسط هذا التدافع المادي الذي أهمل معه كل ما هو جميل، حتى أصبح المرء يُقاس من أسفله أو جيبه لا من أعلاه. وحقيقة البحث عن السعادة في هكذا دوامات ومنعطفات، هي من روح وسعت وفهمت هذه المتغيرات، ثم عملت على انتشال نفسها رويداً رويداً حتى يُكتب لها استحقاقها أينما وجدت ذلك الباب الذي يفتح لها في سبيل ما قدمته من جهد وطول انتظار.