أشرف نعالوة.. شهيدنا الحيّ

blogs - الشهيد أشرف نعالوة

عُمري فداء العظيم الّذي فاز على نفسه برجولته، والّذي حوّل لحظته إلي عُمرٍ فينا، دمه صواب القلب قبل القِبلة. إلى الثائر الذي بدّد الشكّ وأَوجَز الإيمان بمولوتوفه أمام جيب يخرق جسده بلفحة ريح، للّذي أوشك أن يلتقط نَفَس اللحظة لآخر عمره، يُبقيه حيّاً في بَرزخه، للنار التي في صدره، حُرقةً وحريقاً ونوراً وقوّةً فيه، لآخر لحظته، إنّها عُمرنا وعارُهم.

قد رحل الّذين تُحبهم البلاد ويحبون البلاد مداداً، وتركونا في سؤال عن معنى الحياة ومعنى الخلود، عن زمنٍ يّرمى بنا أمام الجبن والذلّ ويُزجُّ فينا بالمقابر أحياء، عن معنى الوفاء للأرض وللّذين سبقوهم فرساناً. في هذه الأيام يستشهد الّذين حملوا الأوطان وحملتهم، الّذين جعلوا الريحَ سرجَهم تسحبهم للأعالي، لمكانٍ يعلو علينا ويعلو بهم، هكذا دون أيّ سؤال يغادرون. يتركون الإجابة لنا، يعلمونا كيف نصطفّ اليوم بخفّةٍ لا بثِقل العبارات وأزمة السياسة الذليلة، يبقون لنا الأثر دوماً ويرحلون باكراً.

ها قد ترجّل الّذي كنا نحسبه صبيّاً، وفاز الفوزَ الّذي نتمناهُ ولا نسعى له، وتركنا كما تركنا الّذين سبقوه، تركنا في شُبهةٍ مع أنفسنا في حزن مُميت، نأكل لحمَنا خجلاً من صَنيعهم ونرفع هاماتنا عالياً بهم. وفي كلّ مرة يرحلُ أحدهم، يعيد البوصلةَ من جديد نحو المُضيِ لا الوقوف، أمام كل هذا الخذلان، يعيدنا لضمائرنا الحرّة. ويُنكّس أمامنا أوسلو ويعيد رسم الوطن كلّه، من شماله حتى جنوبه وشرقه حتى غربه، ولا يستثني شبراً واحداً من هذي البلاد.

للّذين غادرونا باكراً، لكل شهداء هذا الوطن: لقد كان نوركم ساطعاً، قد ظلّل على نور القمر هذه اللّيلة، سننام ونحن أيقاظ، ستكونون الحُلم والحقيقة دائماً.

إنه الأشرف – أشرف نعالوة – كان فتىً يلاحق الحياة كما نلاحقها، لكنه الأجدر بالفهم منا بكثير، لقد فَهِم الواقعَ والقضية، فهم المعنى على الجمل المبتذلة، فهم الصُّنع على قوله، فهم الوطن على بَيعه. واختار دربه كي يلقى الذي أحياه حياة الأكرمين، فجعله مباركاً طيبَ السيط، باسلاً مغواراً في كلّ ساح. ذهب وترك الأثر فينا جميعاً، أبقاه إلى أبد الآبدين، محفوراً في قلوبنا وعلى جباهنا، إنها حياة واحدة، إما موتاً عزيزاً وإما ذلاً نطأطئ به رؤوسنا عمراً كاملاً.

"لا تبكي يا ورود الدار، ضلك غني بغيابو، ولما يعود من المشوار، كوني الزينة ع بوابو" إنه دعاء أشرف لنا، وكتابته الأخيرة، أن نغني برصاصنا لا بسلامنا، ألا نصافح مهما كان الثمن، ولا نبدّل ولا نهون. وأن أرواحهم تشدّنا وتسير فوقنا كلما أحسنّا الثأر وما نسيناه، هكذا كما حفظنا وجوههم وأفعالهم، كما لو كانت وصاياهم كتباً مباركة. وأمُّك يا أشرف، تحسبك بالحلم نائم، إنها معجزة الصبر من الخالق، يُسكنُها عبادُه، يُستطبُّ بها الجراح، ولا يزول الشوق للمسك من أجسادكم. إنكم الأحياء في الحقيقة يا أشرف، ونحن الأموات الّذين نبحث في وصاياكم عن حقيقةِ عَيْشنا.

أمّا أولئك المنسيّين، لن نذكرهم ألا بلعنة – ألا لعنة من أهل السماء والأرض عليهم – وعلى من والاهم، يلقَوْنَ من الله ما يلقاه كلُّ خائنٍ لنفسه ودينه ووطنه. الّذين استحبّوا الكفر والذلّ على الإيمان والبسالة، وكانوا عبيدَ الحياةِ وعبيد لَهوِها. هذا عهدُنا، ووعد الله لنا، إنها بلادنا الحرّة، لن تُضام ما دام إخوة البرغوثي والجرار والنعالوة والأعرج لا يلتفتون إلا لصوت قلوبهم، لصوت الحق في هذه الأرض، ولصوت الرصاص، لا بصوت النواح.

للّذين غادرونا باكراً، لكل شهداء هذا الوطن: لقد كان نوركم ساطعاً، قد ظلّل على نور القمر هذه اللّيلة، سننام ونحن أيقاظ، ستكونون الحُلم والحقيقة دائماً. لن ننسى أنكم كنتم، وأننا سنكون من بعدكم. لكلّ عمر واحدٍ منّا أجل، إن حان، لا نستقدم ولا نستأخر، فقد كان أجلكم الأسمى وعيشكم الأهنأ منّا جميعاً. ليوم نلقاه جميعاً، يوم التحرير، سنكون قد حفظنا الثأر والأثر ونحن أحرار.