لست معصوما من الخطأ!

blogs حزن

ينام الخطأ في الذاكرة مدة غير محدودة التوقيت ويستفيق فجأة على لوم الضمير كله مشاعر عتاب ووجع النفس اللوّامة فيجتاحك الندم على ما فات لكنك تكره الاعتراف وتصارع من أجل إثبات العكس. كيف أقدمت على هذا الفعل؟ يغمرك الحزن والهمّ وانطواء الرأس فينقبض القلب دونما رحمة وتودّ لو تبتلعك الأرض وتنسى. نسبة الصدق الكامنة خلف ابتسامة في وضح النهار قد لا تقابل نسبة الرضا الحقيقية على شخص معين فتشرّع للصمت والحوار الباطني بين قبول هذا الانخراط المزيف في عالم النفاق وبين لوم الذات عن هذا البرود المبالغ فيه والقبول الظاهري لهذا المشهد. يحدث أن تقف مستمعا إلى الذات وهي تتحدث بصوت عالي لا تسمعه إلا أنت.

 

لماذا كل هذا الصمت والرضا؟ لماذا تكتفي بزلزال داخلي لا يخرج للوجود؟ إنّ مجرّد الجلوس على عتبة الندم واستحضار شريط الأيام وسنوات العمر التي مرت وأنت تصارع رغباتك وحاجتك إلى البقاء والاستمرار والبحث عن الذات وإشباع طلبات وهمية والتمسك بأشخاص زرعهم الطريق والمكان أو الفطرة والدم يجعل منك تعيش لحظات بطعم الهزيمة والموت. ويتبنّاك الندم واللوم وتعلن أخيرا أنك قصّرت وأخطأت.

إن خدمة الأرض البور تحتاج لسنوات عمل وتعب من غير نتيجة ولا محصول. فتتسلّح بالصبر والطاقة الإيجابية والابتعاد عن رواد المقاهي وكهنة العجز والظلام. مع مرور كل سنة وأنت تمني النفس بالعطاء والانتصار. في غمرة هذه النشوة والانتظار تكتشف أنّ العمل وحده والفعل لا يكفيان لصنع انتصار بل يجب التسلّح بالحرص واليقظة وتتبع أيادي الغدر التي تنثر الملح والموت والانكسار. حين تجلس بمفردك في زاوية العتاب تستفيق كل مرة على إحدى الأخطاء التي ارتكبتها في مسيرة حياتك وأكبر هذه الأخطاء تلك التي يستفيد منها أقرب الأشخاص إلى قلبك وأطولها تأثيرا على حياتك من حيث الزمن وامتداد بقاياها إلى هذه اللحظة.

أعتقد خطأ أني كبرت ونضجت ولم يعد للخطأ مكان في حياتي. لكنّ عجينة الأيام حبلى بالأخطاء لا تعترف بالشيب ولا بالعمر فكل مرحلة لها أخطاءها تتربع وتزيد على ما كان من أخطاء ماضية

تترشّف القهوة كالعادة فيسترجع الفكر ذكرياته وسط زحام الأماكن والكلمات. يمرّ أمامك عديد من الأشخاص الواحد تلوى الأخر فتختزل ذلك اللقاء القديم الذي لم يبقى منه غير ضباب وصور مقنّعة ومنقّعة بالزيت دون أن تترك في الذهن سنبلة تنام وتستريح. إنّ الاستعداد النفسي ورفع المعنويات والتعامل مع مشاغل الحياة وقسوتها يفترض منك أن تدلّل نفسك وترقص معها بين الحين والآخر فتتعامل مع الطبيعة أنك وصيّ عليها وأسدها. فتصبح سيد الكون الذي استخلفه الله لوحده في الأرض فتسمّي نفسك الخليفة المنتظر وتنطلق في مصارعة الأصنام. وكتابة سيرتك الذاتية بكل صدق.

لكن ماذا تفعل لهذه الأخطاء؟ تريد النفس منك إجابة واضحة فتنعم بسؤال. أعتقد خطأ أني كبرت ونضجت ولم يعد للخطأ مكان في حياتي. لكنّ عجينة الأيام حبلى بالأخطاء لا تعترف بالشيب ولا بالعمر فكل مرحلة لها أخطاءها تتربع وتزيد على ما كان من أخطاء ماضية. إن البحث المستمر عن إسعاد الغير جعلك تسقط في الخطأ. إن إهمال الذات وعدم العناية بها خطا. إن الحرص الشديد على إرضاء الناس المتكرر يسرع في اتهامك بالتقصير في أول انشغال بحياتك الشخصية. أنا الضعيف وسلاحي الإرادة والفعل. أقف على خطئي وأحاول استعادته ورسكلته ليصبح انطلاقة جديدة نحو النجاح. أنا الضعيف أتخلص من خطئي فيداهمني خطا آخر أكاد أجزم معه أنّ الحياة أخطاء وأخطاء. إنّ النفس البشرية تتدحرج بين 3 مراتب تتّضح حسب موقع الإيمان ودرجة ترسّخه في ذات الشخص وطريقة التعامل مع الخطأ المرتكب .حيث نجد في مرتبة أولى النفس المطمئنة التي تنجز جميع فروضها وتتحاشى المعاصي والآثام لذلك تعتبر أكثر الأنفس اطمئنانا وراحة فخصّها الله تعالى بقوله "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي".

 

وتأتي في مرتبة ثانية النفس اللوّامة التي لا تتوارى على لوم صاحبها والتشديد عليه واتهامه بالتقصير في طاعة الله وأداء فرائضه فتدعوه لتغيير سلوكه وإصلاح ما اقترفه من أخطاء في تبنّيه طريق الحق. هذه النفس تراقب وتحاسب وتعاقب في محاكمة مغلقة كل جلساتها سرّية ويوجّه من خلالها الاتهام إلى الضمير لمناقشة الفكرة. أو الأفكار الخاطئة والوقوف على درجة الخطأ فيها لتصحيحه وتصحيح نسبة الظلم فيه. هذه النفس لا تسمح لصاحبها بالتعدي على حقوق الآخرين أو مكاسبهم وممتلكاتهم. ولا تتوارى في تسليط العنف اللفظي والتوبيخ والحكم بالحرمان والانزواء عن الناس وتكون نسبة القساوة في العادة مرتبطة بجسامة الخطأ المرتكب والآثار المنجرّة عنه. هذه النفس صاحبها بين الفينة والأخرى يتصبّب جبينه عرقا ويصفر وجهه وينزوي بفكره ومشاغله بعيدا عن أعين الناس لكن عموما ينتهي عادة هذا اللوم والعتاب الداخلي بالاستغفار والاستنجاد بالله تعالى لذلك جاز تسميتها بالنفس الضمير التي اختارها الله بقوله "لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ".

أما المرتبة الثالثة فهي النفس الأمارة بالسوء التي تدفع صاحبها للرذيلة وترك العبادات وارتكاب المعاصي. هذه النفس الميتة أخذتها الحياة الدنيا و اختلطت عليها الأمور والتبس عليها الحق بالباطل والحرام بالحلال فأصبحت نفس عمياء من دون حتى عصا تتلمّس بها الثنايا وهي التي قال الله تعالى فيها "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ". إنّ النفس اللوّامة تعيش داخلنا وتحلم أن تكون يوما نفسا مطمئنة تلتزم بالفضيلة وتسكن بيت الإيمان وزاوية العبادات. لكنها تسقط أحيانا من برجها العالي وتتدحرج نحو الرذيلة ومشاغل الناس وتنصاع لأوامر الوسواس الخناس فتكون أمارة بالسّوء.